الثلاثاء , أبريل 26 2022
جمال حمدان

الخلافة الإسلامية “ضد الجغرافيا” ! الجزء الثالث

في حلقة اليوم ينظر حمدان إلى تجربة الوحدة الإسلامية باعتبارها فشلا تاما، وردّة سياسية، وحركة سلفية رجعية، ورجعة تاريخية نكوصية، تريد أن تضع عقارب الساعة إلى الوراء، ولا تتعايش مع روح العصر.

يقول حمدان في عام 1971 ما يلي:

(1) خاض الإسلام عبر مسيرته السياسية في العصر الحديث سلسلة من التجارب المريرة التي فشلت في النهاية كأساس للـكيانات السياسية للعالم الإسلامي.

وصميم السؤال هو: لماذا فشلت، وعلام يدل فشلها؟ ببساطة لأنها ضد الجغرافيا وضد القومية، أي أنها ضد الطبيعة باختصار.

لقد كانت الدولة الإسلامية الكبرى إذا تركت وحدها تتفـــــكك من الناحية الدستورية تلقائيًا ومن الداخل، أما إذا ووجهت بخطر خارجي فلم يكن هذا الخطر يجمعها حقيقة من الناحية القانونية.

وعلى أية حال، فإن الجامعة الإسلامية باستثناء صدر الإسلام لم تضم العالم الإسلامي برمته قط، وذلك لفرط اتساعه البحت.

مرة أخرى نؤكد أن الجامعة الإسلامية “ضد الجغرافيا”.

(2) لم تكن الخلافة الإسلامية في العصر الحديث إلا مبدأ من اليوتوبيا الخيالي غير العملي؛ ففي الوقت الذي كان الاستعمار الغربي يتقاسم كل أجزاء العالم الإسلامي، لم يكن هناك أي موضع للوحدة الإسلامية.

وقبل الاستعمار الأوربي، فإنها لم تـــــكن في الواقع وفي تقدير الـــــكثرة من المؤمنين إلا استعمارًا دينيًا من الداخل. إن الخلافة في الحقيقة ضد القومية.

وهذا بالدقة هو الحــــكم الذي يجب أن نصدره على العودة التي تبديها هذه الفــــكرة الدينية – السياسية، مبعثرة هنا وهناك، هذه الأيام.

فمن الغريب أن فـــــكرة الوحدة الإسلامية سياسيًا لم تزل تعشش في بعض الأركان حتى يومنا هذا. فقد كانت دائمًا تجد لها بيئة صالحة بين مسلمي الهند قبل التقسيم وفي الباكستان بعده، وذلك نتيجة خطر الاضطهاد الهندوسي.

ومن هنا كانت الباكستان مشتلا ومصدرًّا لـــــكل النظريات الحديثة والدعوات المعاصرة في الإسلامية، كما تتمثل في المودودي مثلًا، وكما تتجمع تحت شعار “إسلامستان”.

ولهذه الإيديولوجية بعض صدى في إندونيسيا حيث تأخذ شعار “دار الإسلام”. كما اقتبستها بعض الجماعات المسلمة الإرهابية في العالم العربي خاصة مصر مؤخرًا.

(3) إن فكرة الخلافة الإسلامية تعتمد على الغموض والحماس العاطفي تارة بالقول إن الإسلام “دين ودولة” أو بالقول إنه يجب تحويل كل دولة إسلامية إلى “دولة قرآنية” ولابد من توحيد كل الدول الإسلامية في دولة إسلامية عالمية “أحادية” لها مركز سلطة واحد.

فوطن المسلم هو العالم الإسلامي كله، ومواطنوه هم “المؤمنون” جميعًا، والدولة الإسلامية دولة ليس أساسها العنصر والجنس أو القومية أو الوطن، وإنما هي دولة “إيديولوجية” أساسها العقيدة الدينية.

ومن هذا المنطق جميعًا تنتهي الدعوي من الناحية العلمية إلى نتيجتين غريبتين: أولًا أن الإسلامية ضد القومية، وثانيًا أن الدولة الإسلامية دولة غير إقليمية non-territorial أي غير جغرافية.

(4) وموقفنا من رفض فكرة الخلافة الإسلامية يستند إلى عدة أسباب أهمها أنه وبغض النظر عن الطبيعة الخلاسية الشاذة لمثل هذه الدولة متعددة الأجناس واللغات والثقافات والبيئات، وبغض النظر عن الأبعاد المسافية السحيقة والساحقة معًا لجغرافية العالم الإسلامي، فإنه لا يمكن أن نعرف: من الذي يقوم بتوحيد كل هؤلاء في دولة إسلامية أحادية ــ كوزموبوليتانية؟ وإذا كانت الإجابة بأن القادر على ذلك هو الأقوى سياسيًا وماديًا – كما فعل الأتراك – فما عسى يكون هذا سوى الاستعمار التقليدي بحذافيره؟ ولكن لما كانت القوة متغيرة في مصايرها، فهذه دعوة إلى الصراع المسلح الدوري المستمر داخل الدولة.

وإذا كان الأجدر بتوحيد هذه الدولة الكبرى هم الأجدر دينيًا كما طالب العرب حينًا بالخلافة، فهذه طبقية دينية تترجم إلى عنصرية جامدة إلى الأبد وتنتهي إلى صراع جنسي بين شعوب الأمة، أي إلى صراعات بين القوميات المختلفة. وإن هذه الدولة لكي تنشأ ولـــكي تستمر لا بد أن تكون دموية أساسًا، دولة الحروب الأهلية بانتظام، وهو مصير يناقض تماما ما سعى إليه الإسلام مباشرة.

(5) إذا أمكن جدلًا توحيد الدول الإسلامية – دول الأغلبية الإسلامية – في هذه الدولة الفرضية، فماذا عن دول الأقليات الإسلامية، هل نتركهم “المسلمين في المنفى”؟ هل نسعى إلى ضمهم؟ إن مبدأ الضم إذا اختير قد يصل بنا إلى جمع العــــالم كله في هذه الدولة وتكون النتيجة حروب خارجية دائمة مع الجيران.

وحتى إذا افترضنا إمكانية تشكيل مثل هذه الدولة الدينية الموحدة، فإنهـــــا تصبح دولة – كتلة من حجم دينوصوري خطير. وبقانون الفعل ورد الفعل، ستجد الدول الأخرى المهددة نفسها مرغمة على التـــكتل للبقاء، أو متناقضة معها بحـــــكم الإيديولوجية.

فالتناقض مع الإيديولوجيات الدينية الأخرى يعني المسيحية أساسًا، ويفتح من جديد باب الحروب المقدسة والصراعات الصليبية.

أما مع الإيديولوجيات غير الدينية فالتناقض مع الشيوعية أساسًا. إن في غاب الإيديولوجيات إذن دينوصورات أضخم وأقوى، وإذا رجح التناقض بينهـــا معًا وبين دولتنا الوهمية على التناقض بين كل منها، فقد أصبحت هذه بين شقي رحى وفــــكي كماشة. أي أنهـــــا بنفسها تهزم أغراضها في القوة التي قامت من أجلها.

(٦) علينا أن نتذكر أن منطق الدولة الإسلامية العالمية لا يتفق بالنظرية والفرض مع مبدأ عالمية الإسلام. فالإسلام أصلا دعوة عالمية، وإذا كان قد تحدد تاريخيًا بمنطقة جغرافية معينة، فهو من حيث المبدأ يستهدف العالم كله. فإذا فرضنا جدلا هذا الفرض، فهل يجوز التفــــــكير واقعيًا في دولة أحادية تشمل العالم أجمع؟ كما قد تسبب مثل هذه الدولة الدينية العالمية نتيجة سياسية خطيرة من حيث أنه قد يشرع كيان إسرائيل الغاصبة: فها هنا دولة دينية تريد أن تجمع اليهودية في حدودها، ولا جدوى من الاعتراض حينذاك بأن الوضع هنا اغتصاب لوطن وليس تاريخيًا، فمثل عدونا الانتهازي الملفق كفيل بأن يأخذ من عنـــــده منطق القوة والأمر الواقع، ويأخـــــــذ من النظرية منطق الدولة الدينية الأحادية.

(٧) إن فـــــــكرة الجامعة أو الدولة الإسلامية العالمية غير ممكنة عمليًا، غير معقولة نظريًا، وغير صحيحة علميًا. ولقد قلنا إنهـــــا ضد الجغرافيا، وضد القومية، ضد الطبيعة باختصار، ونخشى الآن أن نضيف: وضد الدين نفسه. (٨) إن الجامعة الإسلامية الموحدة يوتوبيا دينية، وردّة سياسية، وحركة سلفية رجعية، ورجعة تاريخية نكــــوصية، تريد أن تضع عقارب الساعة إلى الوراء، ولا تتعايش مع روح العصر ومناخ النصف الثاني من القرن العشرين.

(٩) في المقابل تبقى القومية هي المبدأ السياسي الأمثل والممــــــكن والوحيد. وهنا يصبح السؤال الذي يفرض نفسه ويبحث عن الإجابة هو على الفور: ما هي إذن العلاقة الطبيعية، السويَّة والعضوية، بين الدين والقومية؟ كيف يتعايشان، وكيف ينبغي أن يستقر كل منهما في إطار الآخر؟الإجابة في حلقة صباح الغد بإذن الله.

عاطف معتمد

شاهد أيضاً

لا مش مبالغة ابدا

احتفالات المسيحيبن بكل تفاصيل مناسباتهم الدينية بكل القوة والبهجة والتفاعل دا وكأن الحدث حصل النهاردة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *