الإثنين , يوليو 4 2022
مدحت موريس
مدحت موريس

ليلة عيد الميلاد

مدحت موريس يكتب:

الوقت يمر سريعاً، وهى ايضاً تتحرك بسرعة وتلاحقه بأسرع ما تستطيع فمن الحمام الى حجرتها وفى الحجرة تفتش داخل الدولاب عن اشياء، فتخرج ملابس ثم تعيد جزءاً منها الى الدولاب ثم تعيد باقى ما اخرجته الى الدولاب مرة اخرى وتخرج مجموعة جديدة من الملابس تنظر اليها قليلاً وتعيدها كسابقيها الى الدولاب لتخرج ما قد اعادته الى الدولاب من قبل وهكذا امضت وقتها لساعات. انها الحيرة اللذيذة فى ارتداء الافضل والارقى والانسب. انها مستقرة على الفستان الجديد الذى ستحضر به الاحتفال بليلة عيد الميلاد لكن حيرتها تكمن فى اللوازم الاخرى من جاكيت وجورب وحذاء…لا….ليست هناك مشكلة فى الحذاء فلديها واحد جديد لم يمس ارض الطريق بعد. باقى من الزمن ثلاث ساعات ولم تستقر لا على الجاكيت ولا على الجورب فضلاً عن الاكسسوارات والماكياج، ليتها طاوعت والدتها واشترت ذلك الجاكيت الكحلى ذو الفراء الابيض لكنها رفضت تماماً لان مريم صديقتها لديها واحد يشبهه بعض الشىء..لن يكون هذا لائقاً. نظرت الى فستانها الازرق الجديد وقد فردته على الفراش ما اجمله وسيزداد جمالاً عندما يلتف حول جسدها المتناسق الممشوق، دقائق تمر ومازالت تتغزل فى فستانها الجديد لكنها هبت واقفة عندما سمعت صوت والدها منبهاً “الوقت يمر شهلى شوية” . وضعت عدداً من القوارير امامها، جلست امام المرآة فى حيرة اخرى لذيذة وهى تفاضل وتنتقى اللون الاجمل والانسب لطلاء اظافرها ثم اخيراً استقرت على احدهم وبدأت فى هدوء ودقة تطلى اظافر قدميها اولاً ثم انتظرت قليلاً قبل ان تطلى اظافر يديها ثم استرخت فى فراشها حتى يجف الطلاء وهى تتذكر حديث والدتها بانه لا داعى لأن تطلى اظافر قدميها – لاسيما – وان قدميها سيختفيان باكملهما داخل الحذاء…اناقتها لنفسها، هو شعور داخلها بانها انيقة حتى لو كانت عيون الناس لا تطول تلك الاناقة. قالت هذا فى نفسها وهى تنفخ الهواء فى رقة بالغة على اظافرها حتى تجف بسرعة. امام المرآة بدأت فى استخدام الواناً مختلفة غلب عليها اللون الازرق ليتناسب مع فستانها الجديد، ومسموح لها – ابنة الثمانية عشر عاما – فى هذه الليلة ان تبالغ قليلا فى وضع مساحيق التجميل وقد استطاعت الوالدة الحبيبة فى انتزاع موافقة الاب الذى طالما ساقت عليه دلالها ولم لا وهى ابنته الوحيدة وطفلته المدللة، لكن عندما يصل الامر لعيون الغرباء خاصة تلك العيون النهمة فان غيرته الشديدة على طفلته الناضجة تفوق الخيال. تشعر بالسعادة احياناً لغيرة الاب لكنها ايضاً كثيراُ ما تشعر بأنه يكبلها بل واحياناً يخنقها، لكنها تلتمس العذر له فى غيرته وخوفه عليها بالاضافة الى العرق الصعيدى الذى يتوهج من حين لآخر وهنا يأتى دور الأم الطيبة والتى غالباً ما تستطيع اقناعه بما يرفضه دائماً.

فكت طلاسم شعرها الاسود الطويل والملفوفة خصلاته منذ ساعات فبدا مسترسلاً فى جدائل تداعب وجهها المائل الى البياض فيزداد سحر جمالها وتبدأ هى فى الاستمتاع بنظرات الاعجاب بجمالها و بكلمات الانبهار بذوقها…ذلك هو ما يحدث ليلة كل عيد عندما تلتقى باصدقائها – اولاد وبنات – فى فناء الكنيسة وعلى الرغم من تكرار الحدث وايضاً تكرار الكلمات بل ومن الممكن صدور نفس الكلمات من نفس الاشخاص الا انها لا تتململ من ذلك التكرار على العكس انه يسعدها فاذا كان الأمر يتعلق بجمالها واناقتها وتميزها عن الآخرين فهو بلا شك امر يسعدها ويرضى غرورها وان تكرر كل الليالى وليس فقط فى ليالى الاعياد. تسمع صوت ابيها سنتحرك بعد 20 دقيقة….حاضر يا بابا. ارتدت فستانها واستدارت يميناً ويساراً لترى نفسها فاتنة كعادتها…خرجت تركض وتنادى والدتها الغارقة فى اعداد الطعام ، خرجت الام ونظرت ابنتها بعين فاحصة طلبت منها ان تستدير ثم ابتسمت “…كل سنة وانت طيبة يا حبيبتى بابا منتظرك فى السيارة….ساعة وآجى وراكم” غادرت امها وقبل ان تصل لابيها توقعت السيناريو المعتاد…الفستان مش قصير شوية؟ يسأل الاب سؤاله الاستنكارى فترد عليه كما اعتادت كل ليلة عيد..”يووه يا بابا بقى…ماما شافته واشترته معايا” وفى الطريق الى الكنيسة يبدأ الاب فى توجيه نصائحه..منظر مش لطيف وقوفك مع اصحابك فى حوش الكنيسة، انت دلوقت مش صغيرة، انت بتعيدى على اصحابك ولا على صاحب العيد. اما اجاباتها فتتراوح ما بين الصمت وهزة الرأس و..حاضر… او ما احنا بندخل شوية ونخرج شوية. وانتهى الحوار المعتاد بوصولهم الى ساحة الكنيسة، مدت يدها لتفتح باب السيارة ومعه صدرت منها صرخة مكتومة ازعجت الاب الذى ظن انها جرحت اصابعها لكنه استهان بالامر عندما ادرك ان الامر لم يخرج عن كونه اظافر وانكسرت، فنزلت هى بينما ذهب هو ليركن السيارة. لم يدرك ابيها فداحة ما حدث لها اظافر وانكسرت…ستنمو مرة ثانية كان هذا تعليق ابيها على الحدث الجلل من وجهة نظرها حبست دموعها لئلا تفسد الدموع وتلطخ وجهها الجميل، لم تبحث عن اصحابها بل ذهبت مباشرة الى دورة المياة لترى كيف صار منظر اظافرها ومظهرها بصفة عامة قبل ان تلتقى اصحابها. فى دورة المياة نظرت الى كفها واصابعها واظافرها ثم اخرجت من حقيبتها الصغيرة مبرداً حاولت ان تعالج به ما فسد من اظافرها…عموماً تستطيع ان تطبق يدها وتدارى الامر..قالت هذا وهى تعدل من جوربها وتشده قليلاً لاعلى…حتى سمعت ابشع صوت يمكن ان تسمعه فى تلك اللحظة…استدارت ومالت فى كل الاتجاهات وكان ظنها – للاسف – فى محله فقد تمزق الجورب الرقيق ولم يكن الصوت الذى سمعته سوى انعكاس للصورة التى رأتها الآن تفتق الجورب الرقيق وترك ثقباً سيزداد اتساعه كل دقيقة. ياللحظ العاثر قالت هذا وهى ترى السيناريو الذى اعتادته كل عام قد انهار امام عينيها اللتان تأهبتا للبكاء. غادرت دورة المياة وقررت ان تصعد للطابق العلوى من الكنيسة واتجهت لتجلس فى احد المقاعد الجانبية المنزوية الا ان احداهن افسحت لها مكاناً بجوارها فى الصف الامامى، هزت رأسها شاكرة وجلست وهى تنظر الى الارض وفى الحقيقة كانت تطمئن على الجورب المقطوع. جلست مضطرة تستمع للصلوات والتسابيح وهى تتذكر نصيحة ابيها بأن تهنىء صاحب العيد بعيده. استعذبت التسابيح – لا سيما – صوت تلك الفتاة التى افسحت لها المكان، نظرت اليها فابتسمت لها الفتاة. وجهها من الوجوه المألوفة لديها لكنها بالطبع ليست واحدة من شلتها، فهى ليست ستايل مثلها ومثل باقى اصحابها…نظرة سريعة لتلك الفتاة يتضح الفارق بينها وبين شلتها فى ملابسها وتصفيف شعرها وطريقة ماكياجها وايضاً فى صوتها!!!!…صوتها؟ حقاً ان صوتها ملائكى وصلاتها عذبة تخرج من اعماق القلب هكذا شعرت ثم انتابها شعور آخر بالخجل وهى ترى نفسها جالسة والاخريات واقفات فهبت واقفة ومضى الوقت سريعاً ولم ينتابها الملل كما كانت تظن بعدما شاركت او حاولت ان تشارك فى التسابيح، ومع نهاية الصلاة هنـأتها نفس الفتاة بالعيد وامتدحت ذوقها فى اختيار ملابسها فاندهشت لكنها بلا شك سعدت بسماعها مديحاً تصورت انها لن تسمعه فى تلك الليلة ثم ارادت ان تجامل الفتاة فاثنت على ذوق فستانها وتمادت فى المجاملة بأن سألتها من اى متجر اشترته؟ وكم كان رد فعل الفتاة التى صدقتها مضحكاً عندما اجابتها بانها لم تجد هذا الفستان بسهولة فقد امضت ساعات طويلة تطوف العديد من المتاجر والمحلات حتى وجدت هذا الفستان و استقرت عليه…. ده اجمل فستان لبسته فى حياتى !!! اثارت الاجابة اندهاشها وفضولها فسألتها عما اعجبها فى ذلك الفستان بالدرجة التى تجعلها تطوف المتاجر والمحلات لساعات كما تقول. ابتسمت الفتاة البسيطة قائلة… الحقيقة ان كل فستان باشتريه اشعر انه يحمل مواصفات اجمل فستان فى الوجودّ!!!!!، حدقت فى وجه الفتاة البسيطة وسألتها بنبرة لا تخلو من التهكم وايه بقى مواصفات اجمل فستان فى الوجود؟ ؟؟؟؟ اجابتها الفتاة البسيطة بسرعة و هى تغادرها… اجمل فستان فى الوجود هو الفستان اللى يناسبنى و يليق بى ويدفينى…كل سنة و انت طيبة.

تسمرت فى مكانها للحظات و عيناها تتابعان الفتاة قبل ان تشعر بيد امها و هى تربت على كتفها …ابتسمت ونظرت الى امها ثم لاظافرها ثم اخيرا الى ثقب جوربها الذى ازداد اتساعا و اتسعت ايضا ابتسامتها و هى تمضى لتكمل ليلة عيد الميلاد بين ابويها وقد ادركت ان ليلة عيد الميلاد لهذا العام قد اختلفت عن كل عام.

شاهد أيضاً

د. يوسف زيدان متحدثا عن نفسه : أحلم برحيل هادئ يعبر بى إلى النهار

أبى من عائلة ثرية بسوهاج.. وأمي من الإسكندرية.. ولدت في سوهاج.. لكنى هجرتها للإسكندرية رضيعا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *