الثلاثاء , يونيو 28 2022
الدكتور عاطف معتمد

الفيل المصري !

اعتاد الفلاسفة على أن يضربوا مثلا بالفيل الهندي للتعبير عن الحقيقة الناقصة.

في الحكاية التي عرفناها منذ الصغر أن عشرة أشخاص مسلوبي البصر جلسوا حول هذا الحيوان الضخم للإجابة على سؤال: صف الكائن الذي أمامك ! الذي أمسك بذيله قال إنه مثل الخرطوم، والذي أمسك بالقدم قال إنه مثل جذع شجرة، والذي تحسس البطن الرخو قال إنه لابد أن يكون عجلا ضخما خرج للتو من الماء،

وهكذا أعطى كل واحد إجابة منقوصة ولم يستطع أحدهم أن يصف الحقيقة الكاملة الضخمة.

في الليلة التي وقعت فيها جريمة المنصورة سألت أحد الطلاب الذين تخرجوا من الجامعة للتو: قل لي بربك

لماذا قتل الشاب الفتاة؟دون أي تردد أجاب “خانته يا دكتور !؟سمعت التفسير كاملا من الشاب

وفق مقطع الفيديو الذي انتشر بينهم رغم وحشيته ودمويته، كان الشاب معبرا عن سنه وجيله

كان منشغلا أكثر بمقطع الفيديو ومستعدا لتصديق الرواية التي انتشرت عبر ما أسماه “الجروبات”.

في اليوم التالي جلست على مقهي في ميت عقبة في وسط القاهرة.

مساكن ميت عقبة ضمن خطة التطوير للإزالة والتجديد.

وحتى يحدث ذلك يتم تأجيرها إلى غرف صغيرة متهالكة يسكن فيها عمال وافدون من بعض محافظات الوادي.

يبلغ إيجار الغرفة 400 جنيه شهريا، أي أن كل فرد لا يدفع أكثر من 200 جنيه ويعيش في هامش مظلم متهالك.

ولهذا تجد المقاهي الفقيرة منتشرة هنا وهناك ومتنفس لهؤلاء العمال.

اخترت مقعدا في طرف المقهى ، وتوددت إلى أحد العمال وكان يمسك في يده بهاتف محمول يتابع عليه تطبيق توك توك بصوت مسموع.

كان يضحك ملء فيه، وحين نظر نحوي شاركته الموقف بابتسامة كي لا أفوت الفرصة

شعر بالمودة والأمان فقرب مني الهاتف المحمول وبدأنا نشاهد سويا المقاطع “المسخرة”.

سألته: ألا تخشى أن تفقد أموالك على هذه الفيديوهات وأنت كما تقول تجمع رزقك بصعوبة للعودة كل أسبوعين لأولادك وزوجتك في القرية.

أجابني: لا تقلق هذه باقة واي فاي من المقهى.

نظرت للمقهى المتواضع المتسخ الذي يحيط به قطيع من الخراف التي جمعها التجار لبيعها قبيل عيد الأضحى وسألته “أفي هذا المقهى المسكين واي فاي ؟!”ضحك الرجل الأربعيني مجددا وقال لي “واي فاي ضعيف للأسف

القهوة سرقاه من واحد في منزل مجاور “.

من بين مقاطع التوكتوك تشاركنا عدة مشاهد لا يزيد طول الواحد منها عن 5 إلى 10 ثوان، في أحد المشاهد تبدو فتاة في العشرين شبه عارية وتنطق كلمات مثيرة بإيحاءات جنسية

المقطع الثاني كان لشاب في حي شعبي يحادث فتاة عائدة من المدرسة الثانوية في حي شعبي بتورية جنسية قذرة ووقحة

في المقطع الثالث – الذي مررنا عليه سريعا – كان أحد الدعاة في الريف يروي حديثا نبويا عن محاسن الأخلاق مقتديا بالرسول الكريم !

انتهزت الفرصة وسألت صاحبنا العامل المهاجر من الوادي: “ترى..من الجاني في حادثة المنصورة؟

صمت برهة وقال لي “البنت طبعا ! أكيد خانته ووعدته بالجواز ولقيت واحد أغنى منه فتركت الحب وذهبت للمال !”.

ظل الرجل يحكي نوادر وحكايات من قريته ومن هنا في القاهرة التي يقيم فيها منذ 15 سنة عن غدر النساء وطمع الأموال وضياع الحب، بنفس الطريقة التي يرى فيها أحدهم جانبا من الفيل في الحكاية المنقوصة.

انتقلت من ميت عقبة للشطر الثري من حي المهندسين للقاء صديق جاء في عطلة صيفية معارا في جامعة خليجية. نلتقي نحن الأربعة أو الخمسة مرة كل عام ونأكل ونشرب ما يطيب لنا على نفقة صاحبنا احتفالا بزيارته السنوية،

وفي ختام كل مرة يمنح كل واحد من شلتنا قارورة عطر أو كتاب جديد أو هدية شخصية.

بغير اتفاق منا، تجنبا خلال الساعات الثلاث أي كلام عن الحوادث المفجعة، لم يكن لدينا وقت سوى للحديث عن تدهور الجامعة والتعليم وتدني مستويات الأساتذة والطلاب، وسخرنا أيضا من أنفسنا باعتبارنا جزءا من هذا التدهور.

وكأننا كنا نرى جانبا واحدا من الفيل المصري، ونعتقد أن الجامعة هي بؤرة المشاكل وأن تفشي النفاق (مدفوع الأجر بالوظائف والجوائز) وتعيين أصحاب الشلل والمصالح هو سبب الأزمة.

لم نتحدث عن فاجعة المنصورة لأننا نتابع العالم ونعرف ما يجري فيه كل يوم ونعرف أن مثل هذه الحوادث وغيرها تتكرر هنا وهناك، ركزنا جميعا سهامنا على النظام الإداري في الجامعة ونظم الامتحانات وتدني الرواتب وسعار الأسعار وإرهاق الأساتذة بنفقات تعليم الأبناء فلا يبقى وقت ولا مال للبحث والإبداع.

قبل خمس سنوات كنا نقول للزميل الذي جاء في العطلة الصيفية إن عليه أن يعود وكفى سفرا، في المرات الأخيرة وفي هذه المرة تحديدا كأننا اتفقنا دون سابق تحضير أن نؤكد عليه أننا ننتظره بشوق في الأجازة المقبلة ولن نأكل طعاما شهيا مثل هذا إلا على نفقته العام المقبل، مؤكدين عليه ألا ينسى بالطبع هداياه القيمة.

عدت للبيت مساء وفي نيتي أن اكتب خمسة سطور في كتابي المتأخر على المطبعة، فشلت في ذلك وتصفحت السوشيال ميديا فوجدت تفسيرات مختلفة للفاجعة وفق نظرية الفيل المصري.

الذين عانوا من التحرش أكدوا أن الفاجعة هي الابنة الشرعية للتحرش والهوس الجنسي.الذين عرفوا انتشار المخدرات بين الشباب قالوا امنعوا المخدرات وانقذوا الشباب.

الذين خبروا فضائح وكوارث السوشيال ميديا والهواتف المحمولة قالوا إن هذه الوسائط هي سبب وقوع الخلاف بين الشاب والفتاة وأن السوشيال ميديا والهواتف المفتوحة خربت بيوت المصريين ومسؤولة عن حالات الطلاق والانفصال لأنها أتاحت علاقات سهلة وخيانات متوفرة بسهولة وضغطة زر.

بعض الذين لديهم أزمة مع الزملاء في التعليم وعندهم حوداث فردية ومشاكل ونوادر فردية تجرأوا وقالوا إن المعلمين في هذه الجامعة او تلك متطرفين بطبعهم، وأن الجامعة مشروع للعنف والتعدي ولا هم لها سوى بيع المذكرات والكتب دون تعليم حقيقي.

لم يفت على البعض أن يربط بين مجتمع المنصورة والظهير الريفي والدماء والحادثة، كي يأخذ منها مثالا على التريف والتعليم ومنظومة القيم.المعارضون للنظام السياسي الحالي لم يشكوا لحظة في أن الحادثة دليل على سوء الحكم وغياب الديموقراطية.

قبل اندلاع أحداث يناير 2011 بستة أشهر كانت تحدث في مصر كل يوم حادثة مفجعة، انتحار فتاة أو شاب، أحدهم يشعل النار في نفسه، تجمعات وتظاهرات استغلت الهامش الديموقراطي الذي وفره حسني مبارك في آخر سنوات حكمه لتعبر عن نفسها.

قبل ثلاثة أشهر من اشتعال يناير كنت أجلس في مكتب محلل سياسي كبير في وسط القاهرة، جاءه اتصال من قناة إخبارية إقليمية ليدلي بمكالمة على الهواء ونحن جلوس.

بكل ثقة أجاب الزميل على المذيعة “يا سيدتي لدينا حدث جلل في الطريق، كل هذه الحالات الفردية من انتحار وقتل لا تترك مجالا للشك بأننا مقدمون على أمر خطير إن لم نسارع بحل هذه المشكلات في أقرب فرصة”.

أراني وقد جاوزت المسموح لي بعرض الفكرة، وقد طالت السطور وتداخلت المشاهد حتى صنعت موزايك من الفوضى ، وأكاد أسمعك تسألني: ماذا تريد أن تقول؟ ما العمل ؟المشكلة كبيرة بحجم فيل ضخم، فيل مصري تجمعت فيه كل أشكال التناقض، وجمع في بدنه علامات عديدة نراها بوضوح ونفسرها بشكل منقوص.

والمشكلة أن كل واحد فينا يطالب بعلاج الجزء المنقوص الذي يعرفه فقط: الديموقراطية، إنقاذ المجتمع، العلمانية وفصل الدين عن الدولة، إيقاف أفلام محمد رمضان، مكافحة المخدرات، سلطة فورية على محتويات السوشيال ميديا لإنقاذ الجتمع من التدمير الأخلاقي..إلخ

والمشكلة أيضا أن هذه المشكلات بنيوية وعميقة وتحتاج عقول ذات فكر ثوري، عقول تحب هذا البلد ولا تحب مصلحتها الشخصية ومنافعها المباشرة، عقول تؤمن بالإصلاح طويل المدى ولا تصدق مساحيق الماكياج.

والمشكلة أن انتظار وقوع أية أحداث سياسية داخلية من اضطراب وعدم استقرار ستكون علامة مؤكدة على صواب كل واحد منا في تنظير جانب من حكاية الفيل المصري، والحقيقةأن هذا أسهل شيء في المعضلة.

الصعب جدا هو كيفية إصلاح القواعد والأسس وتنظيم الطبقات البنيوية التي يتألف منها مجتمعنا المصري …

فيلنا المصري الكبير !

نقلا عن صفحة الدكتور عاطف معتمد

شاهد أيضاً

الصلاة من أجل احتياجات الحياة

ا١- بصفة عامة نحن لا نحتاج أن نذكّر الله باحتياجاتنا فهو يعلمها ويجيبها لنا إذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *