الأحد , يونيو 7 2020

بالصور.. ''عباد الشمس'' في ذكرى ''النكبة''.. حلم العودة في ''غنوة''

كتبت- إشراق أحمد ودعاء الفولي:

بأنامل واثقة حرك وترًا في العود، أشار برأسه للواقفين، أصواتهم ترتفع ببطء، تطرق ثنايا القضية، للساسة مؤتمراتهم، ولهم الغناء ”سنجوع ونعرى قطعًا نتقطع.. ونسف ترابك يا أرضًا تتوجع”، يطير شعر إحدى الصغيرات، يرتطم بعباءة فلسطينية ترتديها صديقتها الأكبر سنًا، يمازحها، تعلو حناجرهم ”ونموت ولكن.. لن نركع”، نكبة عام 1948 حاضرة بأغانيهم، تبدو كلماتها التي تتحدث عن العودة يومًا ما خيالية، حُلمًا يراه الناس بعيدًا، ويقينًا يعلمون اقترابه، ”التحرير” بالنسبة لهم أمنية، تعتصر القلوب، تهابها الأعين، فلا تجد لها مخرج سوى ”غنوة” يستمسكون بكلماتها عازمين بكل قوة ”لن نركع.. للقوة.. للفانتوم.. للمدفع.. لن نخضع”.

”عباد الشمس” هو اسمهم، الزهرة تتطلع بعيدًا للشمس، تتخذها قبلة، ويفعلون هم المثل مع ”فلسطين”، وطنهم الذي منه خرجوا، فريق غنائي يتكون من شباب وأطفال ”كورال فلسطيني”، يُحيي تراثها قدر المستطاع، بجوبون البقاع علهم يُذكرون من نسوا أن ”سيدة الأرض” تستحق الغناء.

انتظار العودة

”هي دي البلد اللي تستحق الواحد يموت عشانها وهو مبسوط”، كانت يداه تداعب الهواء السريع خارج نافذة الأوتوبيس الذي ينقله وزملاءه عندما قالها، لايعلم إذا كان سيعود مرة أخرى أو لا، تنظر له ”صباح الخفش” نظرة حانية، يسألها ”هنيجي تاني يا خالتو؟”؛ فلا ترد، بينما تكثر الأشجار المترامية في الخارج مطرقة، المنظر بديع كما تتذكره الخالة، لكنه مُحرم على أصحاب الأرض ككل شيء فيها.

كان ذلك عام 1998، اصطحبت ”الخفش” صغارها في الكورال إلى فلسطين، لإحياء حفلة دعتهم فيها السلطة الوطنية وقتها، كان ذلك عقب بدء الكورال بإحدى عشر عامًا، هي صاحبة الفكرة ”كان بدنا إنه ندافع عن فلسطين، لكن بالغناء”، دفعها ذلك لاقتراح عمل فريق غنائي فلسطيني مع مجموعة من أبناء صديقاتها الفلسطينيات وحتى المصريين المهتمين بالقضية ”بدأنا نجيب مدربين وملحنين عشان الأغاني ويعلموا الأولاد”، أغاني وقصائد التراثي الفلسطيني هي ما يقوم عليه الكورال في الغناء.

ما توقعت صاحبة الفريق –المتواجد بالمقر العام للاتحاد العام المرأة الفلسطينية بوسط لقاهرة- أن يتسع الأمر لحد حصولهم على جوائز”أول واحدة كانت من مهرجان الموسيقى بالإسكندرية”، فوجئوا بها، ثم تبعتها الجوائز والزيارات لأماكن مختلفة ”أخدنا جائزة من دار الأوبرا وروحنا أماكن كتير داخل مصر وفي الخارج فلسطين فقط”، نابلسية هي ”الخفش”، منذ زيارتها الأخيرة لفلسطين عام 98 لم تستطع تكرار ذلك ”احنا ممنوعين ندخل”، تجاهد للذهاب ولو مع الفريق ”ببعت علطول للاتحاد هناك عشان يوجهولنا دعوة نروح”.

لم يرفض آل ”عباد الشمس” دعوة جائتهم بالغناء من قبل، إلا مرة واحدة، عقب ضرب أمريكا للعراق عام 2003 ”كان عندنا حفلة في أحد جمعيات حقوق الإنسان والضرب كان بدأ رفضنا نروح وخرجنا كلنا نتظاهر عشان أخواتنا العراقيين”، النكبة للسيدة النابلسية هو نفس تاريخ العودة للأرض ”هما في إسرائيل بيحتفلوا عشان بيقولوا إنها بقت دولة مستقلة وإحنا في يوم هنحتفل لما نرجع”، خرجت السيدة الستينية منها عقب 1967 مع الوالد ”كنت في ابتدائي”، لا يأتي في عقلها تفاصيل معينة، تمنت أن تعود قبل الثلاثين ”ودلوقتي كبرت في السن أهو ولسة مستنية أرجع”.

لحن صغير وحلم كبير

يرن لحن الأغنية بأذنيها الصغيرتين، ”فلتسمع كل الدنيا.. فلتسمع”، ترددها بهمهمة غير واضحة، ضعُف صوتها قليلًا، بعد ”بروفة” امتدت لساعات، مع أصدقائها تغني، تجمعهم الجنسية، واللهجة التي تنتظر بسببها ”روان خطاب” أيام التدريب، كما تتحدث بها بطلاقة ”مبتكلمش بيها في المدرسة عشان صحابي مش بيفهموها”، ابنة العاشرة بدأت الغناء منذ ثلاث سنوات، على درب أخواتها الأكبر تسير.

الجمعة من كل أسبوع تجمعها بالتراث الفلسطيني الذي تشربت تفاصيله حتى حفظتها في هيئة أغانِ، تنتظر أن تُقدمه لها المناهج المصرية كذلك ”بيحكو عن فلسطين بالعربي والدراسات بس قليل أوي”، لا تتكلم الطفلة المولودة لأب وأم فلسطينيين عن بلدها كثيرًا لكنها على استعداد لإجابة تساؤلات البعض، لا يشتاق الكبار لـ”سيدة الأرض” فقط، بل تفعل هي أيضًا، تتصبّر بحكايات الجد والأب عن العودة والخروج ”قالولي إن الإسرائيليين طردوهم من بلدنا”، ذلك هو تعريف ”النكبة” عندها، تعي تاريخها جيدًا، يُذكر أمامها فترد سريعًا ”بس أحنا هنرجع إن شاء الله.. أصل بيتنا هناك”.

بالغناء تتقرّب لأرضها المقدسة، هكذا علّمها أساتذتها، المرة الأولى عندما صعدت على مسرح ”ساقية الصاوي” مع فريقها ”كنت خايفة بس مكنتش بغني لوحدي”، لكنه خوف لا يضاهي شعورها عندما وطأت قدماها ”غزة” منذ عامين ”روحت مع ماما وإخواتي”، الخوف لم يكن من الإجراءات التعسفية ممن تقول عنهم ”العدو الإسرائيلي” والتي تعلمها فتاة العاشرة جيدًا، إنما ”حصل قصف بغزة.. عمري ما سمعت صوت مرعب زي كدة”، لكن صوت الفزع اختفى وسط دفء مقابلة الأهل.

تغنى بكلمات درويش، هواها منذ سن صغيرة، لم يعلم بأمر ”الكورال” قبل عام 2009، أصبح مدرب لـ”الأولاد” كما يصفهم منذ ذلك الوقت، حياته نصفين، لأب فلسطيني وأم مصرية ينتمي ”ياسر حجازي”، ولاحتراف الطب وهواية الغناء لا ينقطع، بمشرطه يمر على ثنايا الكلمات، شجن أصابه في اليوم الأول له في الفرقة، أدرك صعوبة مهمته ”كان الأغاني بها حزن” تساءل ”للدرجة دي الموضوع قاسي”، حاول المدرب الطبيب أن يدخل أغاني تعبر عن حب الحياة وحلم العودة والأمل.

معهم يشبع حنينه وتشوقه لرؤية الأرض التي تلتصق جنسيته بها دون رؤية، فالشاب الثلاثيني لم يذهب إلى فلسطين قط، باتت محرمة عليه لجنسيته بعد أن استقر والده بمصر، مع حصوله على الجنسية المصرية مؤخرًا تلمس الطبيب بعض الأمل في إمكانية الذهاب.

”صوت الأطفال الصغيرين وهم بيغنوا بشكل جماعي لأول مرة” لحظة تداعب مشاعر الطبيب كلما تذكرها، على مسرح ساقية الصاوي قبل عامين تغنى صغار ”عباد الشمس” بإحدى أغاني التراث ”ستى إلها توب وشال”.

رصانة وهدوء يتسم به الجراح لكن ذلك لا يمنع كلماته المرسومة عن النكبة التي يعتبرها حال نالت من العرب جميعًا وليس فلسطين، من الانطلاق على لسان الشاعر ”إبراهيم طوقان” :”الحسام واليراع، لا الكلام والنزاع رمزنا.. موطني”، بينما تظل نفسه تهيم شوقًا إلى الوطن مع التغني أو سماع ”هدى يا بحر هدى طولنا في غيبتنا.. ودي سلامي ودي للأرض اللي ربتنا”.

الحب للوطن الغائب

نطق غناءً، ألحان تعزف هواه ”الفلسطيني”، حب لوطن حدثته والدته عنه، لم يلتق به سوى مرة واحدة، ليظل حلم الرجوع إلى الأرض ”المغتصبة” يقين ينبعث مع كلمات يحفظها وتحفظه.

أغسطس عام 1987 غُرست نبتة ”عباد الشمس”، بعد أربعة أشهر ولد الصغير ”محمود سامح” لأب مصري وأم فلسطينية، تحبو قدماه، تسقيه أمه ذكريات الوطن الغائب، يلتحق بالفكرة التي ما كانت إلا ليتشارك الفلسطينيون بمصر الحنين إلى الأرض، وهوية خشوا أن يمحوها طيلة البقاء بموطنهم الثاني.

ثلاثة أعوام سن ”محمود” حينما صار عضوًا بالفريق ”لسه كنت بتعلم الكلام”، حفظ الأناشيد التي يتغنى بها من حوله من الرفاق، أتقنها في الرابعة من عمره، يشدو بها منفردًا، ”على الدلعونا نسم يا هوى بلادي الحنونا”، جاءت لحظة لم ينساها، 11 يوم يزور بها الوطن، عائلة والدته، أشجار الزيتون، القدس، قبة الصخرة، الحدود التي برحتها والدته جبرًا، كان عمره 10 سنوات حينما لبى ”الكورال” دعوة السفارة للمشاركة بمهرجان فلسطين المقام في جامعة ”بير زيد”.

”القدس” الكلمة التي يتغير معها صوت الشاب، صلاة يتذكر سجودها وركوعها رغم صغر سنه وقتها ”رحنا من البلدة القديمة دخلنا تهريب” يقولها مبتسمًا متلمسًا ذلك الإحساس غير المفارق له رغم سنوات مضت ”حسيت في روح مختلفة في المكان، حسيت أني عايش”، قبل الانتفاضة الثانية عاد الطفل ”محمود” حاملاً بالنفس كلمات أصبحت صبغة لصورتها ”ما في خوف الحجر صار بأيدينا صار كلاشينكوف”.

12 ساعة بعض تفاصيلها لم تغادر الشاب ”المصري الأصل فلسطيني الهوي” كما يحب أن يصف نفسه ”8 ساعات على الحدود المصرية رفح، و4 على حدود فلسطين” حيث رؤية جنود الاحتلال للمرة الأولى، ابتسامة ترتسم على ثغره باستعادة طلب الجنود المصريين ”غنوا لنا” بعد أن علموا سبب عبورهم، لا تلبث لتمحوها ذكرى الخوف والغضب والتأمل، الكلمات الثلاث الملخصة لمشاعره كطفل، جهاز التفتيش الذي ناله رغم صغر سنه، خلع الرفاق لأشيائهم ”حزام وخواتم”، دورات المياه التي منعوا عنها حتى الوصول إلى فلسطين، مشقة كان عزاؤه فيها لهفته لرؤية بيت العائلة وتراب أرض الوطن ”الحاجة اللي مش في الإيد الواحد بيعرف قيمتها”.

على خشبة المسرح بين 20 شاب من مختلف الأعمار كان هو أصغرهم، أخذ يتغني بـ”عم عثمان” أولى الأغاني التي حفظها، ”حتما سيعود كي يجعله أحلى الأوطان”، كلمات ختام الأغنية، لا زال طنينها بأذنه، وذكرى بكاءه والجميع ليلة العودة إلى حيث عاش سنواته الست والعشرين ”مكنتش عايز أرجع”، المنزل الفسيح بـ”نابلس” لعائلة والدته، السعادة التي غمرته ”قعدت أجري في كل حتة فيه”، الجبال الشاهقة واللون الأخضر الكاسي لها، المطعم الذي تناول به أعضاء الكورال ”الكنافة النابلسية” الشهيرة، وإصرارهم على شرائها بكميات كبيرة تكفي الأهل بمصر، ولحظة انضمام رفاق ”الكورال” القدامى ممن عادوا إلى ”فلسطين”، أنجبوا أبناءهم ليسرقوا من الزمن ثوان تطرب القلوب بصورة ”لم الشمل” لشعب بعثره ”الاحتلال”.

لم يعش الشاب العشريني النكبة، لكنه يؤمن أنها مرحلة يمر بها الفلسطينيون بعيدًا عن الوطن ويومًا ما تكون العودة، الكلمات تختلف حينما لا يصاحبها لحن فلابد أن يشدو بها حتى ولو عن ”نكبة” أصابت الوطن ”سنجوع ونعرى قطعًا نتقطع. ونسف ترابك يا أرضًا تتوجع. لن يسقط من أيدينا علم الأحرار المشرع. لن نركع للقوة للفانتوم للمدفع. لن نخضع. لن يخضع منا طفل يرضع”.

وإلى أن يأتي اليوم الذي يقف فيه على أعتاب ”القدس” عائدًا لها حرة متغنيًا بكلمات نشيد ”موطني” الذي يرددها اللسان والقلب لوطن يصف حنينه له بأنه ”حب للوطن الغائب”، فيبتسم كأنه بين الكورال قبل أن يقول ”الجلال والجمال والثناء والبهاء في ربُاك.. الحياة والنجاة والهناء والرجاء في هواك”، سيظل ”محمود” يتحدث للأصدقاء ومَن يعرف عن فلسطين، يصصح خطأ نال كتب الدراسة بصورة لقبة الصخرة تحمل عنوان أنها القدس، يتحمس بالغناء كما فعل صغيرًا عقب عودته منها وترك أثره ”من خمس سنين روحت المدرسة لقيت مدرسة الموسيقى لسه بتحفظ الولاد أغنية ما في خوف وفلسطيني”.

بعد 16 عامًا من روية أرض ”الزيتون”، وفي ذكرى النكبة يتمنى ”محمود” أن يكون هناك موقف عربي موحد يقطع العلاقات مع إسرائيل، وإن لم يكن فالحركة الشعبية بالزحف إلى الحدود كما حدث قبل سنوات للتذكير بحق العودة يعد تضامن يحرك العقول المتناسية للقضية، باعثًا على طريقته رسالة إلى العرب بلسان محمود درويش ”سقط القناع”.

”مفتاح العودة” لا يحمله الشاب المصري الفلسطيني لكنه يملك صوت لا ينقطع عن ”النضال” بالكلمات ”أيها المارون بين الكلمات العابرة آن أن تنصرفوا”.


كورال بساقية الصاوي في ذكرى النكبة


كورال بساقية الصاوي في ذكرى النكبة


كورال بساقية الصاوي في ذكرى النكبة

اقرأ أيضا:

شاهد أيضاً

نجاح حسن وليد الغريب بالصف الثانى الثانوى بتقدير ممتاز

 يتقدم  الصحفى نصر القوصى عضو الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين المصرية ، ومؤسسة الأهرام بأجمل التهانىء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *