السبت , سبتمبر 18 2021
دانيال سليفو
دانيال سليفو

دانيال سليفو يكتب: السقوط الثاني لنينوى لمصلحة من ؟!

دانيال سليفو
دانيال سليفو

 

في ربوع منطقة الشرق الأوسط نشأت المسيحية وإنتشرت في القرن الأول للميلاد وتأسست الكنائس في العراق ومصر قبل انتشارها في روما وأوربا , وبدأ منذاك التبشير الى جميع بقاع العالم , وانتشر المبشرون الأوائل حاملين حاجاتهم الشخصية المتواضعة حول العالم المعروف حينذاك حاملين رسالة المسيح ومؤيدين بروح القدس رغم قمع السلطات الحاكمة التي كانت تتبنى مذاهب ومعتقدات قومية وفلسفات لم تستطع مقاومة المسيحية . بمعنى أن قوة المسيحية إلمشرقية وشعبها الوارث لحضارات سومر وأكد وبابل وآشور , أنشأت أمبراطورية روحية سامية لا زالت أنوارها متلئلئة في العالم بإعتبارها أرقى لغة يخاطب بها البشر السماء وخالق الكون.
تأريخ من الاضطهاد
وابتدأ الاضطهاد يعصف بأركان الإمبراطورية الروحية المسيحية ( كما اسماها الأستاذ المؤرخ الراحل هرمز أبونا ) في القرون الثلاث الأولى للمسيحية من قبل الرومان قبل تقبلهم للمسيحية . ويبدو أن معاناة أبناء كنيسة المشرق ( الآشورية والكلدانية والسريانية ) اليوم هو امتداد لسلسلة الإضطهادات التي شهدها التأريخ منذ أيام دولة الساسان وهجمات المغول والتتر والاختلافات الحادة التي نشأت بسبب الطمع بالسلطة والنفوذ والحكم والخلافة , ثم دور الحكام في تأجيج الخلافات مستخدمين العقيدة والإجتهادات و تدّخل العناصر الدخيلة من فرس وترك وغيرهم وعلى إمتداد قرون الظلم والظلام خلال سيطرة العثمانين .
وأعتقد أن شعوب دول الشرق الأوسط ورثت العصبية والنزاع وأحياناً السادية والتلذذ بالقتل والهمجية منذ قرون عديدة بسبب الحياة الصعبة والمرارة منذ سقوط دول و إمبراطوريات الأبناء الأصيلين للعراق الكلدوأشوريين والسريان والآراميين والأقباط , وكأن الأرض قد فقدت بركاتها ونعمتها للظلم الذي وقع على رؤوس أبناءها الأصلاء. وأخذت المجتمعات الحاكمة الجديدة تتفتفت وتنقسم وتتصارع نتيجة طمع حكامها الغرباء ( ممثلين الله على الأرض ) واللذين لم يكن يهمهم غير المصالح الضيقة والإطماع لهم ولأسرهم وأبناءهم وأحفادهم والمحيطين بهم , وهذا بدأ منذ سيطرة الميديين وإضطهاد شهداء الإيمان المسيحي وسيطرة الإسلام السياسي الذي أباح الغنائم والجواري والاراضي .

معاناة الكنائس
ومن جانب شعبنا المسيحي الكلدوآشوريين فأنهم ومنذ نشوء المسيحية تركوا النفوذ وطمع السلطة وباتوا ينتظرون مملكة أورشليم السماوية بسبب المفاهيم المثالية , فأقاموا حضارة مسيحية روحية أُممية راقية بنت الإنسان روحياَ وحضاريا وعلاقات إجتماعية مثالية وإستقرار وأمن وسط ممالك وثنية . وبعد تنامي صراع الكنائس مثل الكاثوليك والأرثوذكس وانعكاساتها على الكنائس المحلية ككنيسة المشرق والكنيسة القبطية نتيجة تفسيرات لاهوتية , قطعت أوصال كنيسة المشرق وتقلصت من العالمية الى الأقليمية واصبحت منتشرة من أورها ومملكة الأباجرة وحدياب الى كوخي وساليق قطسيفون وميسان وبيت لافاط وغيرها والى اليمن والحبشة والجزيرة العربية ,انتشرت الأديرة ومراكز الموحديين المسيحيين في هذه المراكز و ثم أصبحت مناطق رخوة امام الإنتشار الإسلامي واوجدت لغة الحوار مع الإسلام لوجود بعض مشتركات ولم تقاوم هذه الأسقفيات المؤمنين الجدد القادمين من جزيرة العرب ولكن سرعان ما بدأ التنكيل والقمع الأسلامي المتحول من الدعوة الروحية الى إسلام سياسي يهتم بالسطوة والحكم , والأنكي من ذلك كان تنامي نفوذ الأعاجم القادمين من إيران وتركيا و طاشقند وسمرقند وهجمات التتر والمغول حرفّت بوصلة الاسلام غن إتجاهه الداعي الى الرحمة والحوار والأخوّة بين الأديان الى عملية إزاحة الآخر المختلف في المعتقد وتكفيرة وأعتباره من المشركين وكان هذا البداية الأولى المهددة للوجود المسيحي .
رغم تراكم التجارب المُرة التي أحاطت بمسيحيي الشرق عبر قرون من الظلم ولكن وإعتماداّ على الوعاء الحضاري العريق والتعاليم المسيحية , أستطاع مسيحيوا الشرق من التأقلم مع عواصف الإرهاب الديني للإسلام السياسي قديمأّ الذي إستهدف وجودهم وأهدر دم المخالف الذي أصبح في عرف المتعصب حلالاً ما بعده من حلال , وعرفت كنيسة المشرق بكنيسة الشهداء وتاريخها أصبح تأريخ المذابح والقتل والسلب الذي اصابهم , وبقت آثار الأديرة والصوامع باقية في مناطق تعتبر مراكز مهمة لنشوء وتوسع الإسلام في دول الخليج والحبشة واليمن وكذلك في مدن العراق مثل النجف والكوفة والحلة وتكريت وغيرها .

شيء من التأريخ الحديث
كان العديد من أبناء كنيسة المشرق رواد النهضة والحداثة في دول الشرق الأوسط , وأبدع هؤلاء في مجال السياسة واللغة والأدب والصحافة وكذلك في العلوم والتكنولوجيا , ولكنهم أصبحوا ضحية التعصب القومي والديني , وذلك عقب قيام الثورة الإيرانية الإسلامية 1979 وبشكلها الشيعي وهجرة مسيحيوا إيران , ونشوء رد فعل وخوف في دول الخليج ودول الشرق الأوسط بشكلها السني ضد تصدير الثورة من أيران , أدت بالمسيحيين الى الإنكفاء على الذات والى الإنعزال والهجرة , وخصوصاً بعد إنحسار دور الأحزاب العلمانية والوطنية وضمور دور مؤسسات المجتمع المدني .
وفي قرون الظلام التي فرضت من العثمانيين وصراعاتها مع الدولة الفارسية أدى الى شعبنا الكلدوآشوري المسيحي الى الدخول في مرحلة الإنكفاء على الذات والإحتفاظ بالخصوصية القومية والدينية في مناطق بعيدة عن المراكز الحضرية , فأحتفظوا بخصوصيتهم الموروثة منذ قرون .
وفي التاريخ الحديث المدوّن يمكننا تتبع أحداث مذابح بدرخان في أكاري ( هكاري) والتي أستهدفت شعبنا الكلدوآشوري بإعتباره كافراّ (كاور) والتي تزامنت مع عصر نمو وعي القومية الطورانية المتوائمة مع النهوض القومي الأوربي . بل والى حد كبير كان للتدخل الانكليزي والفرنسي السياسي والمغطى بالتبشير سبباّ للمذابح وسلب الأراضي التأريخية . وتوُجت بمذابح سيفو 1915 و سميل 1933 وقرية صورية 1969. وتأثر الوضع الديمغرافي بهذه التحولات الكارثية وإمتدت التأثيرات الى عهد صدام في شمال العراق والى ما بهد الصمود في البصرة وبغداد والموصل وكركوك.
المطلوب عراقياً
أما عراقياُ فالمطلوب إعادة تعريف المواطنة وتوكيد الإنتماء العراقي وإعادة تفعيل شعار العراق للعراقيين وتطبيق القانون بعدالة وتقييم المواطن على أساس الكفاءة والإقتدار وليس على أسس إصطفافية ومحاصصات وموالات لهذه الجهة أو تلك . وإذا كان البعض يعتقد ان المسيحي يعتمد على الخارج فهذا خطأ فظيع , لأن الغرب ليس مسيحيا أولاً وهو يقرر سياساته على أٌسس براغماتية نفعية ويستثمر الفروقات من أجل تنفيذ مصالحة .
الواضح إن خطة الفوضى الخلاقة حوّلت الدول الى دول فاشلة وساقطة و الى دخول عصابات عديدة وإرهابية دمّرت الاقتصاد والغت العقل وسيطرة الفساد والسرقة والتهريب وإعادة فكرة التكفير وفتاوى الذبح والنكاح والفتن والملاحم وهي من علامات آخر الزمان كما يعتقد البعض منهم !. ويبدو أن المستقبل كالح الظلام وليس في الأفق ما نراهن عليه لنضمن مستقبل الأجيال القادمة , الا اذا أشترك الجميع في تحمل مسؤولياته.
ومن سياق الموضوع ومما سبق يظهر منطقياً العلاقة بين أبناء شعبنا في الوطن وفي المهجر كضحايا للواقع المأساوي المتفاعل في الوطن , إذ ينبغي أن يكون وجود الجاليات مساندا ًوظهيراً لصمود شعبنا في الوطن , ولكن ومن المستغرب أن نتلمس حجم المأساة والتشرذم التي أصابت واقع جاليتنا في دول الشتات , بعد غياب تام لدور للمؤسسات والأندية القومية التي من المفترض أن تمثّل جميع الفئات الكلدوآشورية السريانية أبناء كنائس المشرق .
نكبات وهجرات القرن الواحد والعشرين
على العموم أن مشكلة الصراع في العراق ودول الشرق الأوسط أخذت طابعاً دينياً ومذهبياً , ففقدت كنيسة المشرق على سبيل المثال ومنذ 2005 ما يناهز الألف من أبناءها وزهاء 62 كنيسة تم الاعتداء عليها بشكل أو بآخر , إضافة الى التنكيل الذي جرى لإبناء شعبنا في سهل نينوى وتخييرهم بين الجزية وإسلام داعش أو الهجرة بملابسهم وترك بيوتهم وأموالهم ومدخراتهم وكنائسهم التأريخية غنائم لدى المتطرفين الدواعش والبعض من الموالين لهم والبعض الآخر ممن لهم خطط وطموحات للسيطرة والنفوذ على المناطق التاريخية وعلى القرار الكلدوآشوري السرياني .
ومن جهة أخرى ومن المؤسف أيضاً وبعد ديمومة النكبات أن تعددت وتطوّرت عمليات التنكيل وإتجاهاتها الى مديات غير محدودة من السادية والحقد , أصبح الاخوة العراقيين لا حول ولا قوة لهم لمساعدة المسيحيين أصحاب البلد الأصلاء , إذ أصبح العراقي البسيط وقوداً للمتصارعين المرتبطين بالدول المجاورة للعراق . ونمت ظاهرة الولاءات الى هذه القوة أو تلك من دول المنطقة أو القوى العالمية بتأثير ترتيبات جيوسياسية جديدة وعلاقات إقتصادية تطفو على السطح أحياناً . ولكن المسيحيون المشرقيون لا ناقة لهم ولا جمل, وليس لهم اي إرتباط مع أي قوة خارجية , وكذلك ليست لهم أي طموحات سياسية للسيطرة والنفوذ والإستحواذ الا ما يتعلق الحفاظ على روابط ومفاهيم الوطنية العراقية التي أصبحت بالية في عرف الكثيرون . ونتيجة هذا الخطر الماثل امامهم نما الوعي الجماعي بضرورة التنسيق والتعاون بين جميع الكنائس ذو الأصول الإيمانية المشتركة من أجل الوصول الى الوحدة. وتأجيل وتخطي موضوع الإسم القومي الذي تحول الى جدل بيزنطي وإضاعة للوقت , وخصوصاُ بأن أبناء كنيسة المشرق الكلوآشوريين وبثقافتهم الحضارية ولغتهم السريانية لهم رصيد جيد من الإحترام من العراقيين والشرق أوسطيين بسبب خصائص الوفاء والإخلاص التين يتصفان بها, ومن الظلم أن نظلم أنفسنا بهذه الجدالات العقيمة قبل أن يظلمنا الآخرون. وهذا ونتيجة عظم الماساة إندفع شعبنا في الشتات الى التعبير عن غضبهم واستنكارهم لما جرى ويجري في الوطن , وكان لموقف الكنيسة المشرف الداعم لهذه التحركات الشعبية ابلغ الأثر في وحدة الموقف الذي نتمنى أن يستمر ويتنامى في المستقبل وهي مسؤولية الجميع. فالسقوط الثاني لنينوى وسهلها لم ولن يكون أبداً لمصلحة العراق ولا لدول وشعوب العالم ولا للتراث الحضاري الإنساني , فلنوحد الصفوف والطاقات لأن الآتي أعظم كما يبدو .

دانيال سليفو

شاهد أيضاً

من يحدد نتيجة الانتخابات الكندية؟؟

بقلم: مدحت عويضة تشهد كندا حاليا انتخابات فيدرالية في ظل منافسة حامية بين حزب المحافظين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *