الخميس , ديسمبر 2 2021
دانيال سليفو
دانيال سليفو

دانيال سليفو: محاولة لفهم الواقع المتجلي في العراق

دانيال سليفو
دانيال سليفو

ما يجري في العراق ودول الشرق الأوسط من أحداث الفوضى ومخاطر تحيط بالجميع , وانقلاب بوصله ومستوى القوى الفاعله فيها من سياسية ودينية ومذهبية بين ليلة وضحاها وبطريقة عشوائية , يضع في مخيلتنا العديد من علامات الإستفهام التي لا تنتهي قبل ان تأتي تساؤلات عديدة اخرى ومن نمط مغاير , وأمام الكم الهائل من الاسئلة تظهر بوادر الإستسلام والتشاؤم والرضوخ لما هو كائن , وحساب البعض منها ضمن نظريه المؤامرة.
ما يحدث في العراق من مشاهد مرعبة وأحداث وحشية ودمار شامل كان نتيجة عقود من السياسات الديكتاتورية والغطرسة التي مارستها الانظمة وعلى رأسها النظام البعثي , حيث مهدت سيطرة اجهزة المخابرات القمعية الى نشوء رغبة الانتقام والتنكيل بالأخر المختلف في المذهب والدين والعشيرة . ومن المهم البحث عن دور الدولة العميقة في العراق والمنطقة والعالم ايضاً . ونستطيع الزعم بان الدولة العميقة (وهي دولة داخل دولة وتقود السياسة من وراء الكواليس ) في زمن صدام كانت تُقاد من قبل القوى العسكرية والأمنية والعشائرية المتخلفة من أزلام النظام وكانت تسيطر بيد من حديد على مقدرات الشعب العراقي وتنكل بقواه المثقفة والمتعلمة والمدنية وتلغي كل الطاقات الوطنية الغيورة تحت شعار محاربة الإستعمار والصهيونية والقوى الرجعية وتطبيق حالات الطوارئ الدائمة , وكان لها ولا يزال ( وان ابتعدت عن السلطة ), ارتباط مصالح مع الدول المجاورة ومنها دول الخليج وتركيا وإيران وأخرى عالمية للهيمنة لترسيخ وجودها ومصالحها .
وعندما نُسقط هذا الواقع من الماضي القريب على ما يجري من مآسي حالية نراه حصاد ما تم زرعه . فوجود جحافل من الجيل الجديد المحروم من التعليم والعاطل عن العمل لن يرى في القوى المحرضّة والإرهابية الا كربُ عمل يقدم له الاجور المغرية والسلاح والسبايا مقابل خدمة يقدمها له على طبق من الرؤوس وأطلال من البيوت والمواقع الحكومية والعسكرية المتروكة والمُهانة.
وقوة الدولة الإسلامية (داعش) كرب عمل للمسلحين المستعدين بالفطرة للقتال والمتشبعين بالمذهبية وبروح الثأر والإنتقام الموروثة والمعاشة من عبق التاريخ القديم لقتلى معركة صفّين والجمل ومن الجانبين ( السنة والشيعة ) لم يتوانوا من حمل السلاح والانضواء تحت خيمة القوى الإرهابية المُسلحة بأموال النفط المُهرب وأجهزة الاتصال والمواصلات المتطورة ووصول المعلومات الاستخبارية والعسكرية بيُسر بأكثر مما تملكه الدولة العراقية من إمكانات وبدرجات كبيرة , وهي قوى مجرمة عابرة للحدود ولها القدرة من الدخول والتأثير في جميع دول الشرق الأوسط وغداً في دول الخليج وشمال أفريقيا وتركيا وأوربا أيضاً , وإستفادت داعش من صراع النفوذ بين الدول ليتم تسخيرها لتصفية الحسابات في ما بينها باعتبارها دولة هُلامية لا يتم الإمساك بها , وهذه الدول الدافعة لداعش من وراء الستار بإعمالها الإرهابية بالنيابة عنها , دفعت وستدفع مليارات الدولار لتسليح المسلحين من النصرة وداعش والجماعات الأخرى المرتبطة بالقاعدة , وبالنتيجة إنعاش سوق السلاح التي أفلست بعد الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي وبيع النفط بأسعار رخيصة خارج سيطرة الحكومة .
يبدو ان عدم الإستقرار هي الإستراتيجية النافذة للعراق والمنطقة منذ عقود , فمن كارثة الى أخرى اكبر باتت شعوبنا تسير دون بوصلة ولا مرفأ , وبالتالي طُعماً سائغاً للدول الكبرى والى كل عصابة أو جماعة ارهابية أو عشائرية ومذهبية . ومن جهة أخرى نرى ان شراسة الارهاب هي شراسة من يدافع عن نفسه الى حد الرعب مُعتبرا العالم بأكمله عدواً وأمام التحديث والعلمانية والليبرالية وتحديث الفهم الديني .
لذا قد نحتاج الى عقود عديدة من الزمن لبناء الانسان الجديد الذي يفهم الانتماء الديني وجدانياً ومدركاً لمفاهيم المواطنة والديمقراطية والرأي والرأي الآخر وتصحيح مناهج التعليم والتربية والعلوم , وكذلك إزالة مشاعر الكره والبغض للأخر المختلف وروح الانتقام والثأر وهذه مهمات صعبة ولكنها ليست بالمستحيلة.

دانيال سليفو

 

شاهد أيضاً

ميتا ولا أكتر

ماجد سوس يكتب : خرج علينا السيد مارك زوكربيرج صاحب ومؤسس شركة فيسبوك في يوم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *