الإثنين , يونيو 8 2020
أحمد الدسوقى

أول ثورة إجتماعية فى العالم .

أحمد الدسوقى
أحمد الدسوقى

الكاتب .. أحمد الدسوقى
مر على مصر الكثير من الثورات على مدى التاريخ المصرى القديم والحديث أيضا ، وكانت لكل ثورة أهدافها المختلفة على مر العصور ، وإذا نظرنا إلى التاريخ المصرى فنجد أن الشعب المصرى كان مفجر الثورات فى العالم وكانت أول ثورة فى العالم كانت مصرية ، كان هذا حوالى عام 2258 ق.م. حيث كانت فترة اضطرابات وقلاقل ، حيث انهار نظام الحكم المركزى فى عصر الأسرة السادسة. وتعتبر هذه الفترة حاكلة الغموض فى تاريخ مصر القديم ، ومازال علماء المصريات مختلفين فى تفسير الأسباب التى أدت إلى سقوط الدولة القديمة وسقوط البلاد فى عصر سادت فيه الفوضى محل النظام كما حل فيه الخراب محل الرخاء.
وهناك نظرية تقول إن الدولة القديمة لايمكن أن يكون قد انتهت هذه النهاية المفجعة إلا بسبب حدوث سلسلة من الكوارث الطبيعية التى أدت إلى إنهيار البلاد. وتقول إحدى النظريات أن انخفاضا في درجة حرارة الكوكب قد أدى إلى انخفاض مخيف في مستوى الأمطار الموسمية وبالتالي إلى انخفاض مستوى فيضان النيل وأن ذلك الانخفاض في مستوى الفيضان قد تتابع لعقدين أو ثلاثة في أواخر حكم بيبي الثاني ويظهر ذلك في انخفاض مستوى المياه في بحيرة منخفض الفيوم انخفاضا ملحوظا مما أدى إلى مجاعة هائلة ولعل المثل المصري القديم عن انخفاض مستوى النهر مما أدى إلى نزوح جماعات هائلة من سكان شرقي النيل وغربه إلي وادي النيل التماسا للغذاء و تفصيل ذلك أن البدو رغم الهزيمة المنكرة التي لحقت بهم في عهد بيبي الأول لم يفقدوا الأمل في غزو مصر التي كانت في تلك الفترة تزخر بالثراء والغنى وقد سنحت لهم الفرصة في عهد بيبي الثاني لنيل مآربهم إذ كانت الأحوال مهيئة لذلك فقد كان كل حاكم من حكام المقاطعات الوراثيين في الوجه القبلي منهمكا في المحافظة على مقاطعته التي تعد بمثابة مملكة صغيرة مستقلة ضد المجاعة أما في الوجه البحري فيحتمل أن القوم كانوا ملتفين حول الملك على أية حال كان موقف الحكومة المصرية في هذا العهد في حالة يرثى لها وكانت الضرائب في مصر تحدد سنويا على أساس مستوى الفيضان على أساس مقدار ما يمكن للفلاح زراعته لا على ما يزرعه فعلا وربما كان ارتفاع الضرائب في ظل انخفاض المحاصيل هو الشرارة الأولى التي أدت إلى أول ثورة اجتماعية سجلها التاريخ ، و قد كان من جراء امتداد الفوضى أن ساد البلاد الخوف وانتشر القحط ، وعم الانحلال الخلقي وعدم المبالاة بالتقاليد الدينية والمعتقدات الموروثة.
ولقد تجرأ أحد حكماء المصريين من أبناء الشعب وخاطب ملك مصر ليخبره بسوء الحالة قائلا:- ( إن القيادة والفطنة والصدق معك ، ولكنك لا تنتفع بها.. فالفوضى ضاربة أطنانها فى طول البلاد وعرضها .. ولكنك مع ذلك تتغذى بالأكاذيب التى تتلى عليك .. فالبلاد قش ملتهب والإنسانية منحلة .. ليتك تذوق بعض هذا البؤس بنفسك .. ).
ولعل السبب المباشر لضعف الملوك يرجع إلى تلك التفويضات التى كان يمنحها ملوك الأسرتين الخامسة والسادسة إلى حكام الأقاليم فى كل من الوجهين القبلى والبحرى الأمر الذى أدى إلى تمزق البلاد بين هؤلاء الحكام. وقد أدى سوء الأحوال السياسية فى البلاد إلى التسيب فى كل شىء وحدث تحلل إقتصادى أدى بدوره إلى الخراب والفوضى ، وقامت الجماهير بأول ثورة إجتماعية فى العالم. وهجم الفقراء على قصور الملوك وبيوت النبلاء والأغنياء ونهبوا كل شىء من الممتلكات ، وكذلك النساء الفقيرات اشتركن فى عمليات السلب والنهب التى سادت فى كل مكان واستولين على ماكانت تقتنيه السيدات النبيلات من مجوهرات ومشغولات ذهبية وملابس وعطور. أما السيدات النبيلات وبنات الأسر الكبيرة فقد أصبحن يتجولن فى الشوارع بلا مأوى ويرتدين ملابس ممزقة لا تستر أجسادهن كما يجب ويقلن لأنفسهم “ليتنا نجد شيئا نأكله”.
وحدث الإضطراب الدينى فى هذا العصر حتى أن أبناء الشعب يقولون لأنفسهم لا نصدق ما يقال فى المعابد دليلا على إنعدام الأمن والثقة فى البلاد.
وكان هذا العصر المظلم هو أزهى عصور الأدب فى مصر القديمة فانتقل المصرى القديم بأحاسيسه ومشاعره فى الظروف والأحداث التى تمر بها البلاد وأحوال الناس ليصيغ أدبا كلاسيكيا رائعا ومن أهم النصوص الأدبية التى وصلتنا من تلك الفترة “تعاليم الحكيم إيبوور” وهى تقدم وصفا تفصيليا دقيقا للأحداث الدامية المفجعة والرعب والخوف بالإضافة إلى تفصيلات أخرى عن الإنقلاب الطبقى الذى دمر كل شىء وإختتم إيبوور تعاليمه بما يراه من نصائح لإزالة الأسباب التى أدت إلى كل هذا الدمار والخراب وإعادة الأمن والنظام والرخاء.

شاهد أيضاً

د. عاطف المصري

بدون تطبيل

سبق وعلمنا أن القياده السياسيه رصدت مبلغ مائة مليار جنيها لأزمة كورونا و ظلت تنادي …