الأحد , يونيو 7 2020

''الانتخابات'' على الأبواب و''الثورة'' على كرسي مُتحرك

كتبت – دعاء الفولي:

أمسى الكرسي المتحرك هو الصديق، ثلاث سنوات دون أن يفارقه، إلا قليلًا، وأدوات أخرى؛ جهاز تنفس اصطناعي، محاليل مُعلقة لجانبه دائمًا، سرير للمرضى معه حتى عندما يعود لمنزله، أخت ترعاه وتهتم به، و”كرم أحمد” لا يتكلم، يُحرك شفتيه بصعوبة ليطلب منها أشياءً، أو يُخبرها أمرًا يراه هامًا، في العُرف هو ”مصاب ثورة”، بعد أن أصابته رصاصة يوم 28 يناير 2011، بينما تتمنى أخته ”آمال أحمد” لو لم يحدث أيًا من هذا، وفي عُرف ”الثورة” اُصيب كي ينعم بحياة أفضل، ربما تُلقي بظلالها عليه، انتخابات ثم أخرى، ”أحمد” فوق سريره، يتابع بصمت لا إرادي ما يجري، انتخابات الرئاسة بعد أيام، له في صناديقها رأي، لم تمنعه السنين العجاف عن الاحتفاظ به رغم ما ألم به.

34 عام عُمر ”أحمد”، لظروف عمله قبيل الثورة بالقاهرة فقد مكث فيها ”كان بيشتغل قهوجي”، على حد قول أخته الكُبرى، قريبًا من محافظة الجيزة، والضباط الذين لم يرحم كثير منهم عمله البسيط ”كانو بييجوا يشربوا شاي وقهوة بالمئات وهو مش عارف يتكلم..”، كان ذلك سببًا وجيهًا للشاب الحاصل على دبلوم صناعي كي يخرج عندما علم بالمظاهرات ”أحنا اهله في بني سويف إنما هو كان في القاهرة عشان يشتغل ويصرف على حاله”، اتصالات جمعت بينه وأخته دائمًا قبل الإصابة ”كنت بقوله يخلي باله أو مينزلش بس مكنش بيسمع الكلام”، أبلغها الإصابة أحد أصدقائه الذي كان يعمل معه في القهوة ”اتصل بيا وقالي إنه كان واقف معاه يوم الجمعة بعد الصلاة وحاول يقنعه ميروحش بس مقتنعش وراح”.

في الرقبة جاءت الرصاصة، قريبًا من مبنى مجلس الشورى بوسط البلد، خلّفت آثارًا لن تُمحى إلا بمعجزة، شلل رباعي، حنجرة كُسرت، عدم تحكم في عمليات الجسد بالكامل، بين قصر العيني، المركز الطبي العالمي، ودار تأهيل تتبع أهل الخير وحتى العودة إلى المنزل في محافظة بني سويف، محطات مر بها القهوجي الذي أقعدته الثورة، ثم جعلته الدولة عاجزًا عن العلاج، صندوق المصابين كان ضمن المحطات، حصل منه على 85 ألف جنيه كتعويض ”دفعنا معظمهم في العمليات”، آخر علاقته بالمستشفيات كانت العام الماضي، مركز تأهيل بمنطقة الهرم وفرته له إحدى الطبيبات ”كان بياخد فيه علاج طبيعي لكن التبرعات قلت جدًا فالمركز قفل”، سرير للمرضى حصلت عليه الأخت لتسهيل عملية الاعتناء به، تحسن طفيف لمسته حالة ”أحمد”، ما لبث أن تراجع مع توقف العلاج الطبيعي، ليعود الوضع كما هو عليه، والقهوجي الثائر لازال على كرسي يُتابع أحوال البلد في شغف.

”الانتخابات اللي فاتت كرم منزلش، حس إن محدش هينفعه من اللي كانوا مُرشحين”، إحباط نال من الأخ الذي ينتظر السفر للخارج منذ الإصابة حتى الآن بسبب التكلفة العالية، وتعذر سفرهم على حساب الدولة ”مفروض يروح ألمانيا عشان يستبدل الحنجرة بتاعته بواحدة تانية وكدة ممكن يتكلم”، أحداث الاتحادية ديسمبر 2012 هي الأقرب لذاكرته حتى الآن، على حد قول الأخت ”كان بيتفرج عليها أعصابه تعبت ووديناه لدكتور نفسي”، منذ تلك الأيام يحاول آل البيت أن ينئوا به عن الدماء الموجودة في التليفزيون.

يعتب الرجل المُقعد على الدولة ”انتخابات جت وراحت والتانية قربت أهي وهو حاله زي ما هو”، لكنه رغم ذلك مسه قدر من التفاؤل مع تلك القادمة ”هينزل ينتخب.. جايز اللي جاي يهتم بيه”، الأيام الطويلة التي قضتها الأخت مع أخيها، جعلتها الأقرب لفهم حركات فمه القليلة، إقدامه على التصويت لم يرفع الحالة المعنوية ”بيقولي لو كنت استشهدت كان بقى أحسن لي من العيش في البلد دي”، بحات صوته الذي لا يخرج تعلو مع نحيب البكاء، ينتظر كالآخرين، لا يعلم القادم، سوى أنه سيجرب حظه مع الرئيس الذي قرر اختياره ”نفسه يتعامل كبني آدم مش أكتر.. لو الرئيس اللي جاي معملوش حاجة أنا مش عارفة ممكن يجراله إيه”.

لمتابعة أهم وأحدث الأخبار اشترك الآن في خدمة مصراوي للرسائل القصيرة.. للاشتراكاضغط هنا

اقرأ أيضا:

سرير ”المرض” لا يعرف انتخابات (بروفايل)

شاهد أيضاً

نجاح حسن وليد الغريب بالصف الثانى الثانوى بتقدير ممتاز

 يتقدم  الصحفى نصر القوصى عضو الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين المصرية ، ومؤسسة الأهرام بأجمل التهانىء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *