السبت , يونيو 6 2020

لقاء مع ماثيو

مدحت موريس 

سكنت الامواج وهدأ البحر وحبست الطيور انفاسها لروع الحدث، هجرت اسماك البحر بيوتها لتبتعد عن مياة امتزجت بدماء الابرار ثم دمعت عيون حيوانات البرية وهى تبكى الانسان.

لم تبك الوحوش على انسان مذبوح بل بكت على انسان ذبح انسانيته قبل ان يذبح اخيه فى الانسانية.

جاش صدرى بالهموم بعدما شاهدت قدراً يسيراً من ذلك الفيديو المرعب الذى بثته بعض المحطات الفضائية، صارع فضولى مشاعرى وانتفضت المشاعر لتنتزعنى بعيداً كيلا اشاهد بشاعة المشهد فاكتفيت بما شاهدت وحكى لى الآخرون ما لم اشاهده وليتنى ما سمعتهم فقد انطلق خيالى ليصور لى البشاعة فى مشاهد متعددة لتنخر عقلى وتوخز قلبى على طول ليلة بل ليالى اخرى كئيبة. تتابعت الاحداث وتناقلت القنوات ردود الافعال وكانت اهمها على الاطلاق ردود افعال اهالى الشهداء…

الا شهيد واحد لم يظهر ذووه ولم نسمع عن ردود افعال اسرته بل والاكثر انه لم يعثر له احد على اسرة…و تضاربت الاقوال حول اسمه ووطنه. الشهيد ذو البشرة السوداء

قالت الاغلبية انه من دولة تشاد التى تحد ليبيا من جهة الجنوب، ثم قال البعض انه من دولة غانا فى غرب افريقيا ثم افتى آخرون بانه ينتمى لجنوب افريقيا. اما عن اسمه فقد تداولت وكالات الانباء اسم صامويل ويلسون ثم عادت وقررت بان اسمه ماثيو اريجا. تقلبت فى فراشى لساعات والمشاهد البشعة تهز جسدى كلما استرخى واستسلم لغفوة صغيرة حتى وجدتنى اقضى عدة ليالى متتابعة فى نوم متقطع ارق تغزوه الافكار المتباينه فى بشاعتها، ثم يستقر فكرى وتستقر معه صورة الشاب الافريقى فى ثنايا عينى المغلقة..ودون ان ادرى نطقت اسمه بصوت عالى “ماثيو” فهذا هو اسمه الذى استقر فى وجدانى..كررت الاسم اكثر من مرة وفى كل مرة اكتشف ان صوتى يعلو اكثر فاكثر. شعرت فجأة بأن هناك من يشاركنى غرفتى ثم اهتز جسدى بعنف وانا ارى “ماثيو” متجسداً امامى يبتسم فى عذوبة فيكشف عن اسنانه البيضاء الناصعة ويبدد هلعى من ظهوره المفاجىء امامى وفى غرفتى لا ادرى ان كنت يقظاً او نائماً..وسيان الامر عندى ان كان هو تواضع وتجسد فى غرفتى او انه تواضع و تجسد فى احلامى. تعددت الافكار والاسئلة فى رأسى وهممت بمحادثتة وسؤاله لكن الجملة التى خرجت من فمى كانت صيحة بهجة ” المجد للشهداء” فجاءنى صوته عذباً ذو صدى “المجد للشهداء على اسم الرب”.

ساد الصمت لبرهة واستجمعت افكارى وقد امتلأت نفسى بسعادة منتشية..سألته “اخبرنى يا ماثيو عن اسمك ووطنك” اجابنى تستطيع ان تنادينى بما تشاء اما عن وطنى فهو السماء” ثم استطرد..”لن يفيدك هذا فى شىء فقد شاهدت وشاهد العالم كله ما يحكى عنه التاريخ فى عصور الاستشهاد المجيدة فما حدث لنا هو صورة مصغرة لما حدث للشهداء والمعترفين الذين روت دماؤهم كنيسة المسيح…وقد تحملوا اكثر بكثير مما تحملنا بل اننى اشعر بالخجل ان نتشابه معهم فى طريقة الاستشهاد فاين نحن من قداستهم.” عدت لسؤاله ” هل كنت تقيم مع الاقباط المصريين فى نفس السكن؟ هل كنت تؤمن بالمسيح قبلاً ام انك آمنت بالمسيح عندما رأيت قوة ايمانهم؟ هل عرضوا عليكم ان تنكروا المسيح فيطلقونكم؟ هل قاومتم فى البداية؟ قل لى اولاً هل شعرت بالخوف ولو للحظة؟ هل كنتم تقوون بعضكم بعضاً؟

هل انهار احد منكم؟..ووجدت نفسى القى باسئلة لا نهائية وهو ينظر نحوى فى شفقة…اجبرتنى على الصمت. فتكلم هو “لماذا تضيع وقتك وافكارك فيما لا يجدى….دعنى اتكلم انا لعلك تنال كلمة منفعة” ضغطت على نفسى بقدر الامكان لكى استمر فى صمتى فاستطرد ماثيو” نحن بشر ولا بد للانسان ان يمر بلحظات ضعف ولكن القوة تأتى من عند الله الساكن بداخلنا والحقيقة اننى ادركت مثلما ادرك الآخرون منذ ان تم اسرنا بأن رحلتنا على الارض قد قاربت على الانتهاء…والموت سواء جاء بصورة طبيعية او بيد قاتل لا يكون الا بسماح من الله، والاهم من ذلك اننى شعرت باختيار الله لنا بأن نُذبح على اسمه فقد سمعت وقرأت عن المختارين من الله ولم يأت على بالى ابداً ان اكون يوماً من ضمن المختارين. قالها ووجدته يركع ويسجد شاكراً الهنا القدوس. ترددت قبل ان اسأله السؤال الاصعب من وجهة نظرى..” اخبرنى يا ماثيو عن اللحظات الاخيرة، تلك اللحظات التى رأيناكم جميعاً وهم يسوقونكم الى حيث موضع الاستشهاد على شاطىء البحر وقد رأيناكم جميعاً هادئين وثابتين…اخبرنى فيما كنت تفكر فى تلك اللحظات؟ ابتسم ابتسامة هادئة وقال ” كنت افكر فى سيدى الذى انا فى طريقى اليه” ساد الصمت مرة اخرى لكنى عاودت سؤاله لقد راينا التصوير من جهات متعددة بما يوحى بانه كانت هناك كاميرات كثيرة موزعة…فهل لاحظت عدد الكاميرات الموجودة،هل كانت كثيرة او…” قاطعنى قائلاً ” انا لم اشاهد اى كاميرات.” نظرت اليه مندهشاً لكنى عدت فادركت انها كانت اللحظات الاخيرة والتى يصعب التركيز فيها فى امور تفصيلية. اعاد الجملة مرة ثانية موضحاً ” كنت انظر امامى فقط

ونحن نسير اما افكارى فقد كانت كلها تتجه نحو السماء وقد كنا فى حالة تسليم كامل لله فاذا سلمنا كل حياتنا لالهنا القدوس فهو سيحملنا ويحمل كل آلامنا وهمومنا وايضاً فى تلك اللحظات بدأت اذناى تسمع اصواتاً والحاناً عذبة تأتى من بعيد لم افهمها فى البداية لكنها ادخلت السلام والامان الى نفسى. سألته هل سمعت اصوات قاتليكم وهم يتحدثون وبأى لغة كانت؟ اجابنى “يا عزيزى قلت لك اننى كنت استمع لالحان اخرى يرتفع صوتها وتغمر نفسى اكثر كلما دنت ساعتى…لقد شاهدت وسمعت وشاهد العالم كله وسمع الفيديو الذى حوى كل التفصيلات التى تتحدث عنها اما انا وزملائى فلم نشاهد او نسمع ما شاهدتموه وما سمعتموه فقد كنا نشاهد شيئاً آخر وايضاُ كنا نستمع لشىء آخر..يصعب على ان اصفه لك وان استطعت ان اصفه لك فصعب عليك ان تتخيله او ان تفهمه….قال هذا واختفى من امامى وبدأ رحلة العودة صاعداً، نهضت وجريت نحوه صارخاً اخبرنى يا ماثيو ماذا رأيت وماذا سمعت…..نظر الى وكان قد ارتفع عن الارض امتاراً وقال انت تعرف جيداً …قد رأيت ما لم تره عين وسمعت ما لم تسمع به اذن.
مدحت موريس

([email protected])

شاهد أيضاً

د. عاطف المصري

الأهميه والأولويه

قد نري في كثير من الأحيان ان لم يكن دائما أشخاص لاقيمه لهم بجميع المقاييس …