الإثنين , يونيو 8 2020

عبث التحالف العربي، فخٌ لتوريط مصر

نانا-258x300

بقلم : نانا جاورجيوس

أن تنجح السعودية في حشد عسكري بالقمة العربية لضرب اليمن وبلا مبرر،إنما توريطها لمصر في حربها فهذا مالم نجد له مبرر سوى تبادل المصالح والمجاملات والمذهبية! السعودية تعتدي على الشأن الداخلي لليمن بدون تصريح وموفقة من مجلس الأمن الذي لم يوقف هذا الإعتداء بل أنذر الحوثيين قبل أيام من الحرب كمن يعطي الضوء الأخضر للسعودية لتفعل ما تشاء باليمن! في الوقت الذي لم نرى هذه الدول المشاركة في المهزلة تحشد تحالفاً عسكرياً لتحرير القدس ولم نسمع السعودية تهتف:«على القدس رايحين شهداء بالملايين»،

ولم نسمع أنها تحشد الجيوش العربية لضرب دواعش ليبيا لمساندة الحكومة الليبية الشرعية، فحال ليبيا اليوم أكثر خطورة ومأساة من حال اليمن رغم أنها لم تتواني في دعم الجيش الحر الإسلامي المسلح بسوريا لإسقاط النظام السوري«العلوي» وقبله كانت تدعم مناهضة حكومة رئيس الوزراء العراقي «الشيعي» نور المالكي حتى سقطت حكومته! الإجابة ببساطة لأن هذا كله يصب بما لايدع مجالاً للشك في صالح الدولة الإسلامية البغدادية «السُنّية» التي تحمل على عاتقها تنفيذ مشروع الخلافة بنفس الوازع الديني الذي أخرجته لهم كتب آل وهابية ليجري تنفيذه على قدم وساق اليوم بسوريا والعراق ليبرز نجم الدولة الإسلامية أكثر فاكثر بمباركة أردوغانية لإستعادة الحلم العثمانلي.

ليس من الذكاء أن تشارك مصر بهذه المهزلة و تتكتل مع الدول الخليجية بجيش سعودي – عربي، تقودهم مملكة التطرف الوهابي، والتي خرج وزير خارجيتها سعود الفيصل ليحرج الرئيس السيسي في القمة العربية بشرم الشيخ، و يعترض فيما ليس له حق الإعتراض عليه على رسالة الرئيس التي ألقاها نيابة عن فخامة الرئيس الروسي فلاديمير بوتن، بقوله: «هل هو إستخفاف بنا و روسيا تدعم نظام بشار بالسلاح وهو نظام فقد شرعيته…» فمن أنتم أيها الأجلاف لتصادروا حق مصر و حريتها و سياساتها الخارجية في إبداء آرائها كما تراها هي لا أنت ولا دولتك، ثم أن بوتين يمول النظام الشرعي لسوريا ولا يمول عصابات إرهابية كما تفعلون. فمن تكون لتدعي بأن النظام السوري فقد شرعيته، وأنتم الدولة الأولى في تمويل داعش في سوريا والعراق وكل الجيوش المرتزقة التي هي من خارج سوريا، أما السوريين وحدهم من لهم حق تقرير مصيرهم بإرداة شعبية حرة وأصحاب الشأن والقرار وهذا مالم يحدث، فمن أنت لتسقط شرعية رئيس دولة شعبه يتمسك به؟!

وإللي زاد وغطى التصريح الطائفي والمستفز للأمين عام جامعة الدول العربية نبيل العربي حين قال على هامش القمة: « إحنا مش كاثوليك وبروتستانت عندنا كتب مختلفة وأوضاع مختلفة…» تصريح أهوج لا يليق إلا بمتعصب وكفيل لأن يؤكد ما يردده الجميع بأنها حرب مذهبية بين السُنة والشيعة و إقحامه المسيحية خير دليل على الإفلاس ومحاولة تحويل الأنظار عن الحقيقة، فعن أي كتب مسيحية مختلفة يتكلم! اللهم يقصد مئات الكتب المختلفة بين السنة والشيعة ومنذ الفتنة التاريخية التي مازالت مستمرة حتى يومنا. فالصراع الكاثوليكي البروتستانتي لم يكن حرباً دينية مذهبية على كتب مختلفة، بل كان صراعاً سياسياً ، لأنه ببساطة لا يوجد إلا كتاب مقدس واحد يؤمن به الجميع وإيمان واحد وليس هناك كتب مختلفة قامت بسببها حروب، فهل سيادته« إستشعر الحرج» و يتحسس بطحة فوق رأسه من حربنا على شعب اليمن و التي لا ناقة لنا فيها ولا جمل!

مصر أول الخاسرين من هذه اللعبة ومن هذا الجيش الخليجي- السعودي لحرب مزعومة بلا مبرر ضد حوثيين اليمن، عيب أن نشترك في حرب لمجرد مجاملة السعودية على حساب دولة أخرى ونتحجج بمضيق باب المندب وهو ممر دولي يحميه إنفاقية الأمم المتحدة والقانون الدولي للبحار، مثله في هذا مثل قناة السويس التي تحت السيادة المصرية ولكن لا تستطيع إغلاقها لأن دول العالم لها حق إستخدامها وفقا لإتفاقية القسطنطينية، كذلك الأمر لباب المندب تحت وصاية دول العالم تبعاً لإتفاقية الأمم المتحدة للقانون الدولي للبحار.

والسؤال؛ ماذا لو كان الحوثيين من أهل« المذهب السُنّي» وأعلنت إيران عليهم الحرب بسبب هيمنتهم على مضيق باب المندب، فهل كنا سنقف مع إيران وإعتداءاتها ضد اليمن المعتدى عليه؟! وشعب اليمن يكن لمصر والمصريين المودة والأخاء عبر التاريخ فلماذا نجعلهم يكرهوننا بسبب خوضنا حرب ضد شعب لم يفعل لنا شيئاً سوى مجاملاتنا للسعودية بالحرب لا تفرق بين سني ولا شيعي ولا بين عابد البقر، لماذا نقف مع الطرف الظالم والفاشل ضد طرف لن نقول مظلوم بل طرف له حقه في تغيير أوضاعه الداخلية لبلادهم وهم الحوثيين الذين لهم الآن حق الرد عسكرياً على المرافق والبنية التحية للسعودية المعتدية عليهم.

هل نبالغ إن قلنا أن ما يحدث هو بداية «حرب مذهبية بإمتياز» وملحمة كبرى لمشروع سُنّي تباركه كل الأطراف بدءاً من الدولة الإسلامية «داعش» نهاية بمباركة أمريكية ومصالح دول الغرب مع السعودية ودول النفط الخليجي. تلك الحرب التي ستغرق المنطقة بين قوتين، قوة سُنية تقودها السعودية وقوة شيعية تقودها إيران وحزب الله؟! نعم إنها «حرب المرتزقة لشيوخ النفط» وكان لابد لمصر أن تعي المشهد ككل بعين الحكمة الفاحصة في ألا تنزلق لهذا المستنقع لندرك أن لقوة جيش مصر حدود تكفيه للدفاع عن شعبه ويحميه شرقا وغربا وجنوباً و داخلياً وأن هذه الجيوش الخليجية لم تلجأ إلينا إلا لأنها تدرك جيداً انها بلا ثقل عسكري يحميها، فلماذا نشتت قواتنا وأهدافنا ومقدرات مكسباتنا؟!.

الآن إسرائيل واحة الأمان رغم إشتعال المنطقة حولها، لأن أمن إسرائيل من أمن أمريكا، ويجب تحجيم دول المنطقة لأجلها وعلى رأسهم تحجيم مصر و جيشها الذي لم تقدر عليه، كي لا تكبر مصر أكثر من حجم إسرائيل، لهذا وجب تلجيمها باللجام الوهابي والذي لا فكاك منه لإغراقنا بمستنقع حروب مذهبية لن تنتهي. فآلـ وهابية يُتخَّنون وِداننا بمقولة« مصر خيمة العروبة والشقيقة الكبرى» ويغدقون الريالات النفطية للحفاظ على عرش مُلكَهم وعلى خطابهم الديني السلفي الداعشي. و لضمان عدم خروج شعبهم عن الفكر الوهابي السائد قامت بدفع المليارات «لعولمة ثقافة التصحر» وتفشي فكر البداوة بدول المنطقة وأولهم مصر التي تحتمي بها كي لا يصيبها مدّ ثوري يغير فكرها الديني المتطرف ويسقط عرشها.

أما على الجانب السياسي فـ آل سعود في« رباط مقدس لا حِلّ منه» مع أمريكا بصفقات النفط التي لا تنقطع ومصالح أمريكا في دول الخليج، لهذا يدركون أن بقاء دولتهم الوهابية من بقاء مصر وقوتهم من قوتها، كما تدرك أمريكا تماما أن مصر رمانة الميزان للمنطقة كلها، ولكن لسقف معين لايجب ألا تتخطاه مصر، هذا السقف تحدده امريكا وتدفع بالسعودية لكي تجذبنا دائماً للخلف لأنه بنظر أمريكا يجب أن تظل مصر وقوتها العسكرية وإقتصادها وسياستها معلقين ليتأرجحوا بين أمريكا وبين مهلكة الوهابية، لتكبر«الولايات المتحدة السعودية» وتصغر مصر وتصير ولاية وهابية تابعة وتحت وصاية آلـ سعود ومرهونة بأموال البترودولار لبني وهاب.

ولتظل مصر تدور في فلكها وترتدي عبائتها الدينية ومعلقة في ملعبيهما لا هي مستقلة لتنهض ولا هي منهارة لتبتعد وتبني نفسها بإرادة شعبها الحرة بعيداً عن بترودولارهم، ليتكرر المشهد السابق لمصر قبل الثورة أيام نظام مبارك حين إرتمي بحضن آل سعود ما نتج عنه وهبنة مصر ومؤسسة الأزهر وإرتفاع معدل الإرهاب الديني بها حتى أصبحنا نصدر الإرهاب الداعشي لدول العالم بدلاً من أن نكافحه ونقضي عليه، لتستنزف مصر مقدراتها المالية وقوتها العسكرية لتحقيق حلم الهيمنة الوهابية، فلا جيوش عربية بالمعنى الحقيقي بالمنطقة سوى الجيش المصري، لتصبح مصر قيادة وجيشاً وشعباً على المستوى السياسي والعسكري والإقتصادي ولاية تابعة لمملكة الأجلاف الوهابية، وما حرب عاصفة الحزم لهذا التحالف العربي باليمن سوى بداية للمشروع السعودي السُني الذي وِجهته الأساسية هو ضرب إيران الشيعية وإشعال الجزيرة لتكوين دولة الخلافة الإسلامية السُنية الداعشية من المحيط للخليج.

شاهد أيضاً

د. عاطف المصري

بدون تطبيل

سبق وعلمنا أن القياده السياسيه رصدت مبلغ مائة مليار جنيها لأزمة كورونا و ظلت تنادي …