الثلاثاء , يونيو 23 2020
حامد الأطير

ممنوع توريط الجيش المصري في اليمن .

حامد الأطير
حامد الأطير

بقلم: حامد الأطير
أن تـطأ أقدام الجيش المصري أرض اليمن لمحاربة أحد الفئات أو الجماعات أو التيارات اليمنية فتلك خطيئة كبرى ، وأن نفقد البصيرة السياسية ونفتقد الفهم والوعي والتعلم من تجارب الماضي فالطامة تكون أعظم وأكبر ، لقد كان التدخل العسكري الخاطئ فى اليمن خلال حقبة الستينات تجربة سيئة ومريرة استنفذت الخزانة المصرية وشتت الجيش المصري وتسبب في هزيمة نكراء فى 1967 ، لقد بدأ التدخل حينها بسرية صاعقة وطائرتين و أنتهى بـ 55 الف جندي ، وما أعجب تصاريف القدر ، في المرة الأولى وحسب رؤية القيادة السياسية ذهب الجيش المصري ليساند السلال -الذي استولى على مقاليد السلطة وأنهي حكم المملكة المتوكلية التي تأسست فى العام 1918 – وليناوئ السعوديين من الجنوب لأنهم وقفوا ضد انقلاب السلال وساندوا الإمام البدر الذي هرب أليها ، واليوم إذا ما قدر للجيش المصري التدخل البري فسيكون ذلك تلبية لنداء السعوديين وتأييداً لهم ضد الحوثيين ، المرة الأولى ذهبنا مناوئون وتلك المرة سنذهب مؤيدون .
نقولها صريحة واضحة لا لبس فيها ولا إبهام : ممنوع التدخل البري في اليمن مهما كانت الضغوط أو المغريات ، يجب ألا نلقي بأنفسنا في مستنقع دامي لن يتم ردمه أو تجفيفه قريبا إن لم تحدث تسوية سياسية بين القوى اليمنية ، أشك أن تحدث قريباً ، وأرجو ألا تكون المساعدات الهزيلة من دول الخليج العربية سيفاً على رقابنا وثمناً لأرواح أبنائنا .
مساعدات الدول الخليجية لم تكن من أجل سواد عيون الشعب المصري أو عشقاً له أو فيه كما يردد أو يتصور العامة والدهماء أو كما يروج بعض المدعين من حملة الدكتوراه من محللي الاستوديوهات التليفزيونية المسبحين ليل نهار بتلك المساعدات يجافون الحقيقة ويبتعدون عنها تماما بتسبيحهم هذا وطرحهم الفاسد للمسألة .
مساندة دول الخليج لمصر خلال العامين الأخيرين وقبل العامين كان هدفها حماية أنفسهم في المقام الأول ، لأنهم يعلمون أن مصر هي ظهرهم وظهيرهم الصلد وحصنهم المنيع وهم على يقين أن تماسكها وبقاءها قوية هو صمام الأمن والأمان لهم ، ويؤمنون أيماناً لا شك فيه
أنه إذا ما ضعفت مصر أو مرضت فإن انهيار وزوال مُلكهم وحُكمهم وضياع بلدانهم حادث لا محالة.
إذا كانت حجة الذهاب إلى اليمن هو كسر الطوق الفارسي أو الإيراني ومنع الحوثيين الموالين لإيران من التحكم في باب المندب -ذلك المدخل الاستراتيجي لجنوب البحر الأحمر- أقول لهم حجتكم باطلة ومرفوضة تماماً لأنه لا الحوثيون ولا أي قوة يمنية أخرى تستطيع إغلاق باب المندب ولا حتى إيران المساندة لهم تستطيع فعل ذلك وإلا كانت قد تجرأت وأغلقت مضيق هرمز .
مضيق هرمز وباب المندب أبواب وصمامات وشرايين حيوية من شرايين التجارة العالمية ولا يمكن للحوثيين أو اليمنيين أو غيرهم المساس بهما أو غلقهما ، فلن يُسمح لدولة مهما كانت قوتها ونفوذها بغلق مضيق هُرمز حتى لا يتوقف أو يتعطل تدفق نفط دول الخليج لكافة دول العالم وحتى لا يتوقف تدفق البضائع والاحتياجات لموانئ الدول الخليجية الأكثر شراهة في الاستهلاك ، كذلك لن يُسمح لأحد بغلق باب المندب أو السيطرة عليه لأنه البوابة الجنوبية للبحر الأحمر والموانئ المطلة عليه والأهم أنه البوابة الموصلة إلى قناة السويس التي يمر عبرها 12% من حجم التجارة العالمية .
إن أمن باب المندب تضمنه وتسهر عليه مصر والسعودية والقوى الكبرى وعلى رأسها حلف الناتو ودول الاتحاد الأوروبي الذين من أجل هذا الغرض يتمركزون في خليج عدن والبحر العربي والمحيط الهندي بسفن عملاقة وحاملات طائرات هي بمثابة قواعد عسكرية متحركة لضمان سرعة التدخل حال حدوث أي اضطرابات أو قلاقل هنا أو هناك ، كذلك لهم قواعد عسكرية وتواجد مكثف على الشط الغربي للخليج ، فى قطر والعراق وغيرهما ، ويسيطرون أيضاً على الضفة الغربية لباب المندب بقواعد أمريكية وفرنسية في جيبوتي وتواجد في الصومال وقواعد إسرائيلية فى إريتريا .
إذا كانت المسألة مسألة أمن قومي عربي كما يصدح الصادحون يصبح وقوف الدول العربية البترولية مع مصر ومساندتها في أزمتها الاقتصادية جزءا من هذا الأمن العربي لتعبر أزمتها وتنهض من كبوتها لتحافظ على إرادتها وقوتها التي هي أكبر أرصدة الأمن القومي العربي ، ويصبح منطقياً أيضاً عدم المن والمعايرة بما يمنحوه لمصر من أموال يسيرة وتافهة القيمة لا تليق بمقام ومقدار وقامة مصر ولا يعوضها عما تحملته وتتحمله نيابة عن العرب ولا عن الدماء المصرية الطاهرة المراقة في حرب اكتوبر ، والتي كانت سبب مباشر وفوري لارتفاع أسعار وعوائد النفط العربي لمستويات قياسية غير مسبوقة لم ترى منها مصر شيئاً.
ولأن مصر هي الشقيقة الكبرى والأقوى ولأن مصر بذلت ومنحت وضحت سابقاً بالأموال والعتاد والأنفس وقت الأزمات والملمات والحروب ولم تبخل بالغالي والثمين ولأنها صاحبة الانكسارات والانتصارات الكبرى في تاريخ العرب ، يصير لزاماً على أشقائها العرب إكرامها وإجلالها وإكبارها ، فالكبير يُكرم ويُعز ولا يهان أو يُذل أو يُمَنّ عليه ، مصر ليست أسيرة لإحسان أحد ، مصر والله لو تعلمون تستحق الكثير والكثير وما يجب أن يقدم أليها مئات المليارات من الدولارات كحق أصيل لها ، وليس دراهم أو دولارات معدودات يتبعها مَنّ وأذى.

شاهد أيضاً

مشهد رأسى من القباحي الغربي “١”

محمد توفيق جادالله القباحى تلك البلدة الطيبة ذات الأصول العريقة التي يمتد نسبها للنبي صلى …