السبت , يونيو 13 2020
مدحت عويضة

لماذا ضحكت كرستينا؟

كان عمرها في ذلك اليوم مائة يوم بالتمام والكمال، عندما طلبت من زوجتي أن تعد لي افطاري لأذهب الى عملي بسرعة فاحد الاصدقاء سيحضر لتوصيلي، طلبت مني أحمل كرستينا بدلا منها، وعلي أن أطعمها، أخذت كرستينا ووضعت الببرونة في فمها، وما أن تأكدت أنها بدأت في سحب اللبن من الببرونة حتي ذهب عقلي الى الحادثة التي كانت قد حدثت لي بالأمس.

كان ذلك يوم 30 ديسمبر 2008 وكانت هناك عاصفة ثلجية ربما لم تشهد كندا مثلها من قبل، بدأت العاصفة قبل أن ينتهي دوامي بقليل، حضر زميلي للاستلام مني وأرعبني من وصفه للطريق، ذهبت الى سيارتي وفكرت أن أنام حتى الصباح داخل السيارة، وأخيرا أتخذت قرارا بالذهاب الى المنزل علي أن اهرب في أول فرصة من الطريق السريع وأسير في وسط البلد و”هتعدي”، كانت الثلوج تتساقط بكميات رهيبة، لدرجة أنني لم أتمكن من رؤية مخارج أي شارع من شوارع المدينة وأخيرا ربنا اكرمني ووجدتعلى مسافة ليست بالبعيدة.
انحرفت بالسيارة يميناً وبينما أنا أسير وأستعد للخروج على بسرعة قليلة جدا فإذا بقائد السيارة التي أمامي يغير من خط سيره فجأة ليصبح أمامي فخيل لي بالرغم أنني كنت اسير بسرعة لا تزيد عن 50 كم في الساعة أنني سأصدمه من الخلف، وفجأة نسيت أنني أقود وسط العاصفة وضغطت على الفرامل بشدة بعدها فقدت السيطرة علي السيارة تماماَ

كانت ثوانى طويلة ومخيفة ووجدتنى اتوجه إلي الله وبدأت في شجار شديد معه وعتاب شديد له، كنت ياربي خليتني أنام في العربية وكانت عدت الليلة دي، كان هناك ثلاث طرق بثلاث مخارج لماذا لم تساعدني لأستدل علي واحد منهم لأخرج من الطريق السريع وأسوق في وسط البلد، أنا من أول الطريق بصلي، لم أترك قديسا ولا شهيدا إلا وناديته ألا تسمعون، أين هو الملاك الذي يحرسنا في دخولنا وخروجنا، لماذا يارب تخليت عني في هذه الليلة، واستمريت في مشاجرتي مع الله بصوت غير مسموع وبقلب موجوع، كان يقطع مشاجرتي مع الله إحساسي أن كرستينا لم تعد تمسك بالببرونة وأنها توقفت عن رضع اللبن، فكنت أنظر إليها فأجدها مبتسمة تضعك وتوقفت عن سحب اللبن، فأقوم بدفع الببرونة في فمها وأستكمل مشاجرتي مع الله، وفجأة اشعر بانها توقفت أنظر إليها وادفع بالبرونة للمرة الثانية، وفي المرة الثالثة نظرت إليها وتعجبت جدا، فالبيت في حالة هدوء شديد وتقريبا لا يوجد صوت ولم يقم أحد بالنظر إليها ومداعبتها فلماذا تضحك كرستينا.

سألت نفسي هذا السؤال ولكني لم اتوقف للبحث عن السبب، وسرعان ما ذهبت لشرودي مرة أخري، ولكن هذه المرة تذكرت ما حدث، فعندما قام سائق السيارة التي أمامي بالدخول أمامي تمرجحت سيارتي يمينا فحاولت أن أقوم بتحويلها شمالا حتي لا تخرج بي خارج الطريق السريع، وهنا فقدت السيطرة علي السيارة، لتسير السيارة بعرض الطريق السريع وبسرعة كبيرة ولم أستطيع التحكم فيها ولم أشعر بشئ غير بعد أن اصطدم بالحاجز الأسمنتي الذي بين الإتجاه الغربي والشرقي ل 401.

هذه المرة لم أعد للشجار مع الله بل تخيلت كمية السيارات النقل التي كانت تسير علي الطريق، ماذا لو أحدهم كانت قريبة مني وقت أن كانت سيارتي تقطع الطريق بالعرض، ماذا لو اصطدمت بي أحدي السيارات ماذا كان سيحدث، لا شك أنها كانت ستعجنني في سيارتي، فهو لن يستطيع التوقف فجأة في ظل العاصفة الشديدة. نظرت لكرستينا فوجدتها قد توقفت عن الضحك وأخذت تلتهم وجبتها، يبدو أنها قد أوصلت الرسالة، لتحول شجاري وعتابي مع الله لشكر له، يارب أشكرك أنك نجيتني من موت محقق، يارب أشكرك علي الرسالة السريعة التي أرسلتها لي من خلال كرستينا الطفلة الرضيعة.

لو كشف الله لنا عن حجم المخاطر التي دفعها بعيدا عنا لقضينا حياتنا كلها نشكره، لذلك نجد أباءنا الطيبين كانوا يعلموننا أن نقول “الحمد لله” مع كل مشكلة أو مرض أو ألم يلحق بنا لأن كان لديهم إيمانا بأن الله يرعاهم. كثيرا ما نحارب في عملنا وفي أكل عيشنا ورزق أولادنا ويظن الذي أغلق الطريق أنه نجح، ونظن نحن أن الله غير عادل لأنه سمح للشرير بأن ينفذ شروره، ولكن الله يقوم بتوجيه حياتنا لطريق أخر يكون هو الأفضل لنا ولمستقبلنا ولحياتنا فنحمد الله لأنه سمح للشرير أن ينفذ شره وأن يغلق الباب الذي كنا نظن أنه الوحيد المفتوح أمامنا، وهذه قصة أخري سأكتبها يوما ما، لست بغرض تعريف الشرير لشره أو تكبيته بل لتمجيد أسم الله، وليتشدد ويتشجع كل من هم تحت التجربة وأن يكون لديهم إيمانا أن الله موجود، لن يتركنا لحظة ولا طرفة عين.

شاهد أيضاً

الصحفية أسماء السيد التى أصيبت هى وأسرتها بكورونا وقررت الانتحار

كتبت  حنان فكرى الصحفية والعضو السابق بمجلس نقابة الصحفيين اسماء السيد زميلتنا في المصري اليوم، …