الأحد , يونيو 14 2020
هانى شهدى

مــن القمــامة …الي الكــــرامة ( الجـــزء الأول )

هانى شهدى
هانى شهدى

بقلم / هـانــي شــهـدي
منذ عدة أيام ، اتصل بي أحد أصدقائي المقربين صباحاً وعلى غير العادة وسألني الحضور سريعاً الى المستشفي حيث زوجة أحد اصدقائنا في حالة “وضع” المولود الأول للأسرة ، والطبيعي أن نكون بجواره في هذه الظروف، لكن صوته لم يكن مطمئناً بالقدر الكافي المناسب للحدث ، شعرت أنه يخبئي وراء سؤاله علامة استفهام لم يفصّح عنها ، لكنها أرّقتـني طوال الطريق لكني دائما أسلّم الأمر لله.
في المستشفى، استقبلني صديقي المتصل ، ثم وجدت الأسرة والأقارب كلهم في حالة من الفرحة والحيرة ، الإيمان والحذر مما زاد علامات الإستفهام بداخلي التي اعفاني هو منها بأن بادرني ” الأم بخير الحمد لله لكن الطفل ولد لظروف استثنائية بعد ٦ أشهر من الحمل ، مما يعني أن جسمه مكتمل ظاهرياً لكن اعضائه الداخلية كالمخ والأحشاء بحسب كلام الأطباء غير مكتملة وهو الأن في “الحضّـانة ” ، سألته : وماذا يعني هذا ، قال:الحضّـانة في هذه المرحلة غير قادرة على استكمال نمو الجنين بصورة طبيعية مثل رحم الأم ، مما يهدده إما بالوفاة أو أن يستمر ويستكمل حياته لكن مع احتمالية وجود تشوهات خلقية أو إعاقة ذهنية لا تقل عن .٩%.. سألته وما الحـل؟، أخبرني بأن الأطباء تركوا للأسرة القرار الصعب أما بفصله عن الحضانة فيرجع من حيث جاء، أو يستمر داخل الحضّـانة و” هو ونصيبه” لكن يبقي السؤال هل ستتحمل الأسرة العبء الثقيل له ولهم من وجود ورعاية طفل معوّق بينهم؟! وهذا أفضل ما يمكن أن تقدمه المستشفي ذات المستوي الطبي المتقدم من حلول.زاد من صعوبة القرار حينما رأينا هذا الكأئن الحي ، الإنسان الضيف الصغير المنتظر الذي خلقه الله بداخل الحضانة يمارس أسرار الحياة .. كان حقاً هو القرار الصعب ، هل نرحمه فنقتله الأن ، أم نرحب به لنتركه يُعذّب مستقبلاً؟ سألت صديقي ” رأيك أيه!” قال لي سإجاوبك بهذه القصةالحقيقية ( التي للأمانة هي نقلاً عنه في خطوطها الرئيسية):-
في محيط العائلة زوجة حامل في توأم ” ولـد وبنت” فجأتها الآم الولادة ، في المستشفى الريفية ذات الإمكانيات الطبية المتواضعة ، أخبره الطبيب بعد فحص إشاعات ما قبل الولادة ، بأنه للأسف الطفل الولد (حيث الولد هو غالباً محل الإهتمام في الريف) حدث له اختناق ومـات في بطن أمه ، وكنتيجة طبيعية غالباً في الطب اختناق أحد التوأمين يعني موت الأخر أيضاً ، فما كان من الجنين الولد الى أنه خرج من رحم أمه الى الدنيا الى عفواً ” صندوق الزبالة” وبالتبعية تبعه لنفس الصندوق الجنين “البنت” بعد دقائق قليلة وقبل أن تعتزم الأسرة مغادرة حجرة الولادة ، سمع الجميع صوت أنين كما “زقزقة الفيران” يأتي من صندوق الزبالة ، فكانت المفاجأة بأن الجنين “البنت” ما زال حياً، فبعد أن اتخذ البشر قرارهم بتحدد مصيرها ودفنها المبكر ، أعلن الله عن نفسه وأن له في حياتها خطة أخري ، وأعطاها قرار الحياة الأول.
أفاق الجميع من المفاجأة بأن أخذو الجنين ونظفوه ، وعملوا معه اللازم طبياً، لكن كانت هناك ضرورة لنقله سريعاً للحضّانة لضعف حالته الصحية ، لكن للأسف لا توجد حضّانة متاحة في مستشفي القرية ولا مستشفي المدينة ولا حتى مستشفيات المدن المجاورة، وبسرعة استغرب الجميع لماذا أعطاها الله الأمل في الحياة وبسرعة سحب هذا الأمل ، لكن عزيزي القارئ تذكر دائما ” الله الذي يعطيك الطريق لا يتركك في منتصف الطريق”، لكن قصد الله ان يشركهم المسئولية فيعطوها اهتمام و رعاية بإيديهم اخفقوا فيها فى قرارهم الاول بدفنها ، فبذلوا كل ما فى وسعهم من تنظيف للحجرة الريفية و تعقيم للادوات و الاهتمام بالرضاعة و الاعشاب الى ان اعلن الله عن خطته واعطاها قرار الحياة الثانى .
بعد مرور شهر اصيبت المولودة بنزلة رئوية حادة ، بعد فحصها من اكثر من طبيب بالقرية آخرهم حاصل على ماجستير فى طب الاطفال و الجهاز التنفسي اخبر والدها ” خذها و روَّح مافيش امل مش هتعيش” رجع تملكه خيبة الامل ولم يتعلم الدرس السابق ، قابله احد الاطباء البيطريين بالقرية حديثى التخرج و كان يملئه التحدى و اثبات الذات و الثقة فى معونه الله ، بادر والدها بالسؤال غير المتوقع ” ايه رأيك تسيبنى اجـرّب فيها وهى ونصيبها ؟!” لم يكن للأب امل أفضل من هذا يعلق عليه امله المكسور قاله ” ماشى جرّب ” بذل الطبيب البيطري افضل ما عنده، استلف جهاز تنفس صناعى من شخص اخر بالقرية مصاب بضيق تنفس و علقه لها ، اعطاها مضادات حيوية بجرعات زائدة تصعب على طفل عمره شهر تحمّلها ، وكورتيزون وعندما بذل الجميع افضل ما لديهم ” و رفعوا الحجر ” اعلن الله عن خطته واعطاها قرار الحياة الثالث ..
” مارينا ” الآن ليست طفلة إنما طالبة بالمرحلة الثانوية ” عروسة بحسب قوله” .
عزيزى القارئ .. تمــسّك بالأمــل اينما كنت سواء فى وطننا العربي تعانى الضيق واليأس فى هذه الظروف السياسية الحالكــة لكن الله لم ينساك، او فى اى مكان آخر لكنك مهزوم من نفسك و من ظروفك ، اياً كان مذهبك او معتقدك الدينى مسيحى او مسلم او حتى بعيد عن الله ، اعتقد انك لن تكون اسوء حالاً من مارينا الطفلة ذات الايام القليلة من العمر، كل الظروف ضدها اول تكريم لها كان صندوق القمامة لا تملك ما تعبّر به عن المها ، لكن انقذها الله بأقل ما عندها لكن هو كل ما تملك وهو نهيز الفئران ( صوت الفأر: نهيز) ، فافعل ما عليك.
لا تتوقع منى ان اطلب منك أن تضع نفسك دقيقة مكان الاب فقد يكون الله رفعك من عناء التجربة أو تضع نفسك مكان مارينا او حتى الطبيب المجتهد ، لكنى اطلب من نفسى و منك ان نثق دقيقة واحدة فى خطة الله لحياتنا التى ابدا لم يقصد الله نهايتها بصندوق القمامة ، انما هو كان بداية اكتشاف حياة أهـداها لنا الله تحمل لى و لك كل رفعة و كرامة، فعلينا ان ننهض انا و انت من وسط القمامة بارادتنا و نكشف خطة الله البديعة لنا .
و عودة سريعة الى صديقنا الاول، اعفاه الله من عناء الاختيار والم الاختبار الصعب والقرار المؤلم و قرر ان يسترد وديعته بسلام .
-عزيزي القارء:اذا كنت مررت بظروف معينة اختبرت فيها إرادة الله في حياتك ، تشرفنا مشاركتك الإيجابية عبر تعليقك، فقد تكون كلماتك البسيطة سبب تقوية وراحة لكثيرين ، فلا تتردد.

111

شاهد أيضاً

المجلس “الأدنى” للثقافة!

مختار محمود فى مصر ما يربو عن ثلاثين “مجلسًا أعلى”، لا أحد يعلم عنها شيئًا …