السبت , يونيو 6 2020
مدحت موريس
مدحت موريس

البدين .

بقلم مدحت موريس
مازلت اتذكر ذلك اليوم الذى التقيت به ومازلت اتذكر العرض الذى قدمه لى، كنت اعمل فى احدى شركات القطاع العام التى تم تصفيتها فوجدت نفسى فجأة على المعاش وقد تجاوزت الاربعين بقليل، وبالكاد كان ذلك المعاش يكفى معيشتنا، قضيت اياماً افكر فى العرض الذى لم يكن يشكل مشكلة بالنسبة لى بل كانت المشكلة فى صاحب العرض او صاحب الشركة.

فصاحب الشركة الكبيرة ومديرها هو عزت الكومى زميل الدراسة القديم، من الصعب ان انسى هذا الكومى الذى كان محط سخرية الفصل كله فى المرحلة الابتدائية وكانوا يلقبونه – من باب السخرية – بالبدين و لا انسى حصص الالعاب وكيف كانت مُدرسة الالعاب تؤنب عزت وتبكته واحياناً تعاقبه لعدم ارتدائه لزى الالعاب حتى وصل الحال الى استدعاء ولى امره وتعهد بالالتزام بقواعد المدرسة والتى من ضمنها الالتزام بارتداء الزى المدرسى وزى الالعاب الرياضية فى حصص الالعاب.

ابتسمت ووانا اتذكر ذلك اليوم المشهود الذى انتظرته انا والفصل كله ونحن نشهد نزول عزت الى فناء المدرسة مرتدياً زى الالعاب بالتيشرت الابيض والشورت الابيض وضج الفناء الخالى الا من زملاء حصة الالعاب بالضحكات الساخرة وهم يرون عزت بجسده المكتنز وكرشه يتقدمه ويحاول ان يجرى ضمن الطابور فتهتز كتل اللحم المتدلية من انحاء جسده فيثير ذلك ضحك وسخرية الجميع ناهيك عن فخذيه الابيضان الممتلئان حيث لم تعرف الشمس الطريق اليهما فى يوم من الايام .شعرنا بمدرسة الالعاب وكأنها تتمنى لو لم يلتزم هذا العزت بارتداء زى الالعاب فقد تحولت حصة الالعاب الى فقرة كوميدية محورها عزت البدين وكانت اشد فقرات الكوميديا اثارة، الفقرة الكروية حيث كان عزت يفضل بالطبع ان يلعب حارساً للمرمى بعد ان اعياه التعب جراء العشر دقائق التى قام الفصل فيها بالجرى حول الملعب، فعندما تبدأ المباراة يبدأ اللاعبون الشياطين فى تسديد الكرة متعمدين فى انحاء جسده البدين بل ان اعضاء فريقه انفسهم كانوا يسددون الكرة نحو مرماهم او بالتحديد فى اى جزء من اجزاء جسده الرحيب.

اما عزت نفسه فكان فى بداية الامر يبدو غاضباً لكنه – بنوع من الذكاء – بدأ يتعامل مع الامر بنفس القدر من السخرية فقد ادرك المسكين انه من الصعب عليه مجابهة شقاوة اكثر من اربعين صبى اتفقوا جميعاً على السخرية منه فكان ان بدأ يتعامل مع الامر بنفس القدر من السخرية فبدا مبتسماً واحياناً ضاحكاً او مردداً لكلمات غير مفهومة والكرات القوية تصطدم بجسده وزاد الامر بأن بدأ يصدر تأوهات وصرخات الم تزيد من ضحكات الزملاء الشياطين ناهيك عن حركاته الجسدية كأن يُصدر مؤخرته للكرات القوية مع اصداره لاصوات عالية ضاحكة…

وتحولت حصة الالعاب الرياضية الى متعة حقيقية فلم يعد يهمنا جميعاً ان نفوز بالمباراة او نخسرها لان المباراة تحولت فى الحقيقة الى فريقين فريق يضم عزت البدين وحده بينما ضم الفريق الآخر بقية الفصل. اما عما كان يحدث معه داخل الفصل فيقل قليلاً عما كان يحدث فى الفناء فمن خطف ادواته لتتقاذفها الايدى وهو يجرى هنا وهناك محاولاً استعادتها الى السخرية منه اثناء اجاباته الشفوية لاسئلة المدرسين فقد كانت ثقته بنفسه تكاد تكون معدومة- لاسيما – وهو يعلم ان الزملاء الشياطين يتربصون به بل انهم كانوا يتمنون دائماً ان يوجه

المدرسون الاسئلة اليه ليبدأ الفاصل اللانهائى من السخرية منه والضحك عليه بل ان الكثير من المدرسين كانوا يشاركونا الضحك. اوقات قليلة كنت اشعر بالتعاطف معه والشفقة عليه واقول اوقات قليلة لاننى ايضاً كنت من ضمن هؤلاء الصبية الشياطين، فكنت احياناً اراه والدموع تملأ عينيه لكنه كان يحاول التماسك لئلا يرى الشياطين دموعه فيبدأ فاصل جديد من السخرية، وعندما كنت اقترب منه او احاول الحديث معه او ابدى اى تعاطف كان يظهر صلابة او عدم اكتراث بل واحياناً كان يضحك وكأن الامر لا يعنيه، كنت احياناً اشعر بالتأنيب ولكن كان عزائى اننى لم اكن من قادة الشياطين الصغار الذين يتفننون فى ابتكار طرقا جديدة للسخرية من عزت كنت فقط شيطاناً صغيراً ولا اؤذيه كثيراً.

لا اتذكر بعدها اننى رأيته فى المراحل الاعدادية والثانوية وان كنت رأيته ذات مرة فى المرحلة الجامعية وهو يركن سيارته الفيات الصغيرة امام الجامعة ثم وهو يخرج منها بصعوبة حتى اننى تخيلت ان السيارة هى التى تدفعه خارجها، ومن هنا ادركت انه التحق بالجامعة باحدى الكليات ولم يهمنى فى ذلك الوقت ان اعرف توجهه الدراسى. لم اكن ادرك اننى سالقاه بعد تقاعدى المبكر جداً

فقد استقر رأيي باننى لا بد ان احصل على وظيفة مناسبة فقد كنت اعمل محاسباً ولدى من الخبرة ما يؤهلنى للعمل فى احدى الشركات الكبرى فتابعت الاعلانات الوظيفية بالصحف اليومية والتى لم تكن مجدية. لكن فى يوم ما قادتنى قدماى لاحدى شركات المقاولات وخطر ببالى ان اتقدم للعمل بها فدخلت الى الشركة لاجد عزت امامى يسير فى اروقة الشركة….

عرفته على الفور بنفس جسده البدين الذى تضخم بالطبع وبوجهه الطفولى الضاحك وبلهاثه الناتج عن وزنه الزائد على الدوام…لم اكن بحاجة لأن اذكره بنفسى فقد تذكرنى على الفور وسألته ان كان يعمل فى هذه الشركة ام انه مثلى يبحث عن فرصة عمل بها…..وصدمتنى الاجابة التى لم اتوقعها عندما اخبرنى بأنه صاحب الشركة وادركت مدى غبائى اذ كيف فات عنى اسم الشركة الواضح “الكومى للمقاولات” وكيف لم اربط بين الاسمين عندما رأيته امامى. تحول انطباعى القديم عنه وحتى رؤيتى له فى احد ممرات الشركة من النقيض الى النقيض فبعد ترحابه الشديد بى


احالنى الى مدير ادارة الحسابات الذى قام بدوره بعمل الانترفيو ثم كتب تقريره الى عزت بك الكومى الذى قام بدوره بمقابلتى وفوجئت بالعرض الكبير الذى لم اكن اتوقعه فقد كان الراتب ثلاثة اضعاف ما كنت اتوقعه واحلم به وعندما لاحظ هو ذلك اخبرنى بأن الشركة اكثر من ناجحة علاوة على انه يقدر علاقتنا القديمة ويضعها فى اعتباره لكنى ترددت بل ومضيت اياماً افكر هل يكون عزت الكومى مريضاً نفسياً وعاد لينتقم ممن اضروه واذلوه فى طفولته؟ هل هناك اعمال مريبة للشركة؟

تساؤلات عديدة مرت ببالى لكنى فى النهاية وامام اغراء المادة حسمت الامر بالموافقة وعندما بدأت العمل بالشركة اكتشفت ان اثنين من قادة الصبية الشياطين يعملان بالادارة الهندسية بالشركة، وتمر الايام والشركة من نجاح الى آخر وبقدر ما كان عزت الكومى مهندساً ناجحاً كان ايضاً مديراً ناجحاً وعادلاً وان كان يولى الثلاثة شياطين اهتماماً خاصاً متذكرين ايام الطفولة المدرسية فى سعادة دون الدخول فى تفاصيل جارحة. تحول عزت الكومى من البدين المثير للسخرية الى مهندساً بارعاً ورجل اعمال ناجح.

وبقدر ماضحكنا عليه وسخرنا منه صغاراً بقدر ما احزننا وابكانا عندما غادر الحياة وتركنا نعانى متاعب الحياة وثقلها فى وقت كنا نحتاج لوجوده معنا….لكنه رحل بعد ان لقننا درساً فالصورة التى انطبعت فى اذهاننا عن شخصية عزت الكومى فى طفولتنا لم تكن صورته بل نحن الذين رسمناها وصدقناها.

شاهد أيضاً

د. عاطف المصري

الأهميه والأولويه

قد نري في كثير من الأحيان ان لم يكن دائما أشخاص لاقيمه لهم بجميع المقاييس …