الثلاثاء , يونيو 9 2020
منير بشاى

الشيطان مظلوم!

أذكر انه عندما كان ابننا طفلا اننا كنا نعلمه مبادىء الدين. كنا نقول له ان الشيطان سيحاول دائما ان يوقعه فى الخطيئة ولكن يسوع معه ليساعده على الانتصار.

ولكن كان نتيجة ذلك انه كلما عمل خطأ كان يبرره بقوله “الشيطان هو الذى جعلنى اعمله” ((The Devil made me do it. فى البداية كنا لا نهتم بالامر ولكن بعد فترة ازعجنا انه يستخدم الشيطان كشماعة يعلق عليها كل اخطائه. وفى ذات مرة عندما ارتكب خطأ وكرر مقولة ان الشيطان هو الذى جعله يخطىء، اننى امسكت بيده وضربتها بيدى ضربة أوجعته. فقال لى لماذا تضربنى…الشيطان هو السبب؟ فرددت عليه انا اضرب اليد التى فعلت الخطأ، فلولا هذه اليد ما استطاع الشيطان ان يعمل شيئا.

هذا المفهوم ليس جديدا على الطبيعة البشرية فلا يوجد من يعترف بأخطائه بسهولة ودائما يحاول الانسان القاء اللوم على طرف آخر. فمنذ سقوط الانسان فى الخطيئة فى جنة عدن وهو يلوم غيره. آدم وجه اللوم لحواء (بل ولله) “المرأة التى (انت) أعطيتنى”، وحواء وجهت اللوم للحية. ولكن هذا التبرير لم يحظ بقبول الله. فالانسان الاول كان هو المسئول عن ما عمل لأن الله اعطاه حرية الارادة وهو الذى ارتكب الخطيئة بارادته ولم يجبره عليها أحد.

وهذا المثال له ما يطابقه فى حياتنا المعاصرة. وكما حدث مع ابنى الطفل فنحن فى مصر وجدناها فرصة ان نبرر اخطائنا التى نرتكبها ونلقيها فى حضن شيطان صنعناه بانفسنا وهو امريكا. ولا ننسى ان الخومينى كان يطلق على امريكا اسم “الشيطان الاكبر” رغم ان امريكا كانت هى التى ساعدته ضد الشاه وكانت تدفع راتبه هو وجماعته عندما كانوا فى المنفى فى فرنسا.

من يتابع اعلامنا المصرى لا يخطىء ملاحظة نغمة لوم امريكا على كل شىء يحدث فى مصر واتعجب من مقدرة الخيال الواسع على تصور امورا لا صلة لها بالحقيقة. من هؤلاء من قال ان امريكا كانت وراء الاعتداء الثلاثى الذى قام به انصار داعش فى فرنسا وتونس والكويت.

وأيضا هناك من ادعى ان امريكا كانت تحارب ضد مصر فى الاعتداءات الاخيرة فى سيناء فقال “حماس وولية امرهم تركيا وامريكا هربوا كالفئران بعد ما خلفوا ورائهم قتلى واسرى ومصابين”.

وشخصيا اصبحت لا استبعد لوم امريكا اذا تاخر الاتوبيس عن موعده او توقفت الدجاجة عن ان تبيض!
خذ مثلا إدعاء اشتراك امريكا فى اعتداءات سيناء. هو لا اساس له من الصحة ولم يخلفوا قتلى او اسرى او مصابين كما يقول. الذين قاموا بالاعتداءات هم قوات داعش التى تسمى نفسها “ولاية سيناء” وهى المعروفة باسم “انصار بيت المقدس”.

وكانوا قد هاجموا الكمائن الأمنية المصرية على الطريق الدولى العريش- رفح. ولكن الجيش المصرى تصدى لهم وكان السلاح الغالب فى المعركة هو مروحيات الاباتشى الامريكية. وانتصار مصر كان يخدم مصالح امريكا واسرائيل وليس العكس.

لوم امريكا ليس جديدا فى استعماله كمبرر فى فشلنا. هزمت مصر فيما سمى بالنكسة فى يونيو سنة 1967 بعد ان كان يروّج ان جيوشنا ستتمشى الى تل ابيب. ولتبرير هذه الهزيمة خرج علينا عبد الناصر بمقولة ان الاسطول السادس الأمريكى كان يحارب فى صف اسرائيل. وسمعنا باذاننا كيف تم حبك هذه الكذبة عندما التقطت محطة صوت امريكا المكالمة اللاسلكية بين الرئيس عبد الناصر والملك حسين. سمعناه وهو يقول له “ايه رأيك يا حسين نقول ان امريكا كانت بتحارب مع اسرائيل؟

” وارسل التسجيل الى معمل متخصص لفحصه الذى ايد ان الصوت كان فعلا لعبد الناصر والملك حسين. ولم يكذب احد فى مصر او الأردن هذه الحقيقة.

سلسلة الاكاذيب التى تنسب لأمريكا لا حدود لها. البعض يؤلف الاكاذيب ثم يروجها، والبعض يعلم انها اكاذيب ومع ذلك يروجها. والبعض الآخر يصدقها لأن اى كلام ضد امريكا اصبح تلقائيا قابلا للتصديق. والكثيرون من كثرة تكرار ما سمعوه من أكاذيب اصبحوا يصدقوه.

والمثل يقول ان “الزن عالودان امر من السحر”. واليكم بعض الاكاذيب التى تروّج فى هذه الايام على انها حقائق:
– امريكا هى التى صنعت بن لادن.
– امريكا هى التى حطمت برجى منهاتن فى نيويورك.
– امريكا هى التى صنعت داعش
– امريكا هى التى تعمل لتقسيم الشرق الاوسط الى دويلات صغيرة.
ليس سرا ان امريكا دربت جيوش المقاومة فى حرب افغانستان ضد الاتحاد السوفييتى والتى كان يطلق عليهم “المجاهدين”بعد ان التقت مصالحهم. ولكن امريكا لم تتبنى القاعدة، ولا يعقل انها تصنع بن لادن ثم تقتله. وهى لا صلة لها بداعش الا فى الحرب ضدهم القائمة حاليا.

وحكاية ان امريكا تحطم بنفسها برجى منهاتن وتقتل 3000 امريكيا لا تحتاج حتى للرد. اما موضوع تقسيم الشرق الاوسط الى دويلات ضمن مشروع الشرق الاوسط الكبير الذى ينسب الى كونداليزا رايس فهى مجرد نظرية (Theory) لم ترقى لتصبح عقيدة (Doctrine) او تصير سياسة أمريكية مقررة. والتقسيمات التى تحدث فى الشرق الاوسط حاليا هى بفعل شعوب وحكومات المنطقة. القول ان امريكا تسعى لتقسيم دول المنطقة لاضعافها لا يقبله عقل لأنه لا يوجد تهديد لأمريكا من اى هذه الدول.

وبعد- إن هدفى من هذا المقال هو تاكيد ان كل انسان مسئول عن صناعة قدره. علينا ان نتوقف عن عادة لوم الآخرين خاصة اذا كانت لا تستند الى الحقيقة. اخذ دور الضحية العاجز لن يساعدنا على شىء. الاعتراف بمسئوليتنا عندما نخطىء وتصحيح المسار هو الطريق الوحيد للنجاح.

شاهد أيضاً

د. عاطف المصري

بدون تطبيل

سبق وعلمنا أن القياده السياسيه رصدت مبلغ مائة مليار جنيها لأزمة كورونا و ظلت تنادي …