الإثنين , يوليو 4 2022
نشأت عدلى

نفوس تحت المطر .

كانت نفسي مريرة وتعاني من كسرة قوية، فنزلت إلى الشارع أتمشى قليلًا وأثناء سيري في الطريق هطلت
الأمطار، وكانها أحسَّت بأني في مسيس الحاجة إلى تلك المياة التي تهطل فوق رأسي بغزارة شديدة.. ولم أشعر بها كثيرًا، واستمريت في طريقي سائرًا.. بل تعمَّدت أن أُطيل سيري تحت هطيلها، وكأنها تزيل أشياء بي عالقة في داخل كياني.. وأئناء سيري تداعت كل الأفكار كشريط سينمائي أراه بوضوح في نقاط المطر الهاطلة..

لم أنتبه كثيرًا إلى ملابسي التي اغرورقت بمياهها ولا الأوحال التي التصقت بحذائي.. ظللت سائرًا كتائه، لا أشعر سوى بهذه الحبات التي تغرقني بمتعتها.. رأيت البعض يختبئ من هذه المياه والقليل سائر مثلي.. رأيت في أحدهم دموعًا خبيئة اختلطت بهذه المياه الساقطة.. فلم أستطع أن أمنع دموعي أيضًا من الهطيل مثلها.. واكتشفت إننا نسير فى هذه الحياة أحيانًا بتلقائية شديدة دون أية مراجعة لدقائها، فرحين بما تعطيه لنا من لمحات سعيدة.. راضين ببعض جفائها.. فرحين بكلمات الأمل التي نشربها منها.. مصدِّقين تمامًا أنها ستكون سعيدة أيضًا بقليلها.. بدون أي مراجعة أو تحليل أو حتي تفكير منطقي.. هل نستطيع أن نثق في هذه الحياة كل هذه الثقة؟؟؟.. وبرغم شطحاتها أحيانًا، ولكننا كنا نلتمس لها الكثير من الأعذار.. فمن يحب هذه الحياة يلتمس لها كل العذر.. فحبات المطر الساقطة كانت عبارة عن ثورة على حرارة الطقس التي كانت ولاتزال.. وعندما تأتي السحابة السوداء تجعل في النفس كآبة..

ولكن حبات المطر هذه تزيل كل هذا الاكتئاب.. وكأنها تغسل كل سواد في هذه السحابة.. ولا أعرف لماذا تخيَّلت في هذه اللحظة كل مسئول عن هذه البلد قد مرَّ على حبات المطر هذه.. فربما تكون قد غسلت عينيه، وأزالت السحابة السوداء من عليها؛ ليرى جيدًا ما سنصل إليه إذا استمروا فى غيبياتهم.. أو تكون قد عرضت عليهم مستقبل الوطن المُبهم وأفاقتهم، ليرجعوا إلى ضميرهم الوطني، ويحافظوا على الأمانة التي أؤتمنوا عليها، ويحافظوا على القسم الذي أقسموه لرفعة هذا الوطن وتحسين صورتة العالمية والداخلية، والحفاظ عليه وعلى أبنائه.. وتصوَّرت كل الذين في مرارة نفس وكسرة قلب، ربما تكون حبَّات المطر هذه قد غسلت ولو جزءًا يسيرًا من أوجاعهم.. لن تشفيها، ولكنها ستبرّد الجراح ولو ظاهريًا.. والذين في مرارة نفس؛ ربما تهوِّن هذه الأمطار ولو قليلًا هذه المرارة.. ولكنها لمحة أو لقطة مرت بي.. فكل ما يعتمل النفس لا يستطيع المطر أو السيول أن تشفيها.. فلا يشفي النفس إلا خالق هذه النفس. وعدت إلي منزلي بعد أن أغرورقت ملابسي تمامًا، وأنا قانع بأن كل نفوسنا هي تحت رعايته.. وهو أجدر بنا على رعايتها وتوازنها وشفائها من كل جراحاتها، بل ومغفرة كل إساءة لصقت بها وشوَّهتها.

شاهد أيضاً

د. يوسف زيدان متحدثا عن نفسه : أحلم برحيل هادئ يعبر بى إلى النهار

أبى من عائلة ثرية بسوهاج.. وأمي من الإسكندرية.. ولدت في سوهاج.. لكنى هجرتها للإسكندرية رضيعا …