الأحد , يوليو 3 2022

تسمحلي أجرحك

12047736_10153544680276830_99143461_n

بقلم:  الكاتب المصرى ماجد سوس

جريدة الاهرام الكندى
قام الباحث “ماثيو ليبرمان” من جامعة لوس انجلوس بكاليفورنيا بعمل أبحاث في موضوع جرح المشاعر النفسية، حيث قام بفحوصات دقيقة للمخ ورسم خرائط لوظيفته لدى أشخاص يشعرون بضيق نفسي وإجتماعي،
وكشفت النتائح أن مناطق المخ التي تعمل حين يشعر الإنسان بألم جسدي تعمل أيضًا حين تجرح مشاعر ذلك الشخص
هذا وقد أجرى ليبرمان وزملاءه في الدراسة فحوصات على 13 طالبًا متطوعًا، وضعوا رؤوسهم داخل جهاز تصوير بالرنين المغناطيسي وتوصل ليبرمان أن تفعيل الضيق والكآبة يمكن أن يؤدي جزئيًا إلى إغلاق بعض المناطق في المخ مسؤولة عن تسجيل ورسم هذا الضيق، وغالبًا ما يأتي هذا من جرح المشاعر أيضًا
ومن ناحية أخرى فقد قام أحد الباحثين البريطانيين ويدعى “د. أندرياس بارتلز” بإجراء تجربة على 17 رجل وإمرأة ادّعوا أنهم في حالة “حب” وتم فحصهم بالرنين المغناطيسي أيضًا وهم ينظرون إلى صور من يحبونهم، فأظهرت النتائج غزارة في تدفق الدم الغني بالأوكسجين إلى مناطق الدماغ المسؤولة عن المشاعر الإيجابية
وقد فسر د. أندرياس هذه التجربة قائلاً “أن مشاعر المحبة تبدأ في المخ وليس بالقلب
وهو ما توصل إليه القديس بولس بالروح القدس عندما علم أن مشكلة الإنسان تكمن في الذهن فكتب يقول: “تغيروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم”. فكلما كان الذهن ممتلئ بالفكر الإيجابي كلما حقق الإنسان نجاحه الروحي والإجتماعي وبالطبع الجسدي (الصحي)
والحقيقة التي دفعتني للكتابة في هذا الموضوع هو أننا كثيرًا ما نجرح مشاعر بعضنا البعض وقد يكون الجرح عن إصرار وتعمد أو يكون في صورة مزاح وتهكم. فالجرح النفسي للمشاعر هو أصعب أنواع الجروح التي تترك آلام قد يصعب علاجها بسهولة وأصعب الجروح هي التي تأتي من أقرب الناس لنا سواء أزواج أو أقرباء أو أصدقاء أو خدام أو رعاة
وأصعب المجروحين هو الذي يُجرح في طفولته أو شبابه لذا نجد أننا نفقد الكثير من أولادنا وبناتنا عندما نقوم بجرح مشاعرهم ولا سيما عندما لا نشعر أننا قد جرحناهم، فكم من شخص ترك الكنيسة لأن أصدقاءه تهكموا عليه دون أن يلتفت الخادم أو الراعي لهذا الأمر، أو أن يكون الجرح من الخادم نفسه. وعندها يشعر الطفل أو الشاب بأنه فقد الأمان وبالطبع فقد المثال والقدوة في ذات الوقت
وقد حدث يومًا أن أطفالاً وجدوا يسوع حلو ولطيف فاقتربوا منه، وإذ بالتلاميذ ينتهرونهم ويبعدونهم عنه، هنا إنزعج السيد المسيح جدًا وشعر أن جرح مشاعر هؤلاء الأطفال سيترك أثرًا قد يمتد طوال حياتهم وخاصة لإيمانهم به، فنظر إلى تلاميذه وإنتهرهم قائلاً: “دعوا الأولاد يأتون إليَّ ولا تمنعوهم لأن لمثل هؤلاء ملكوت السموات”.
الجرح يا أحبائي يترك أثره في الجارح والمجروح معًا حتى إذا التفت الجارح لفعله هذا، غالبًا ما يكون الوقت قد فات لمداواة المجروح والذي يصعب عليه أن يثق مرة أخرى في التعامل مع الجارح
ويؤكد الأستاذ الدكتور “محمد أحمد عويضة” أستاذ الطب النفسي بالقاهرة أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي تؤثر فيه الكلمات، كلمة واحدة تسعده، وكلمة أخرى قد تسبب له الشقاء. وهذه الكلمة تؤتي آثارها في الجسم كله بالسلب أو الإيجاب، فالكلمات الحلوة المشجعة تعطيه نشاطًا زائدًا والكلمات الجارحة أو التي تقلل من شأن الإنسان ومن قدره وتذكر عيوبه –ولا سيما أمام الآخرين- تجعله كسول ومهزوم بل وقد تجعله قعيدًا في الفراش وقد حلت عليه كل أمراض الدنيا
وتفسير ذلك أن الكلمات المشجعة والمحفزة لها تأثير أيضًا على بعض مراكز المخ والتي تساعد على إفراز مادتي الأندروفين وانكيفالين اللتين تؤثران على مراكز الإنفعال وتؤثر بدورها على إفراز الغدد الصماء وعلى الجسم كله فلا تجعله يشعر بالألم وتمد الإنسان بالطاقات المتجددة. ويؤكد الدكتور “عويضة” على أنه لا عجب إن وجدنا أن الكلمة الحلوة الطيبة التي تشجع الإنسان، تساعد على إستعادة الجسم لوظائفه وتعمل على ضبط معدل الضغط لدى مريض الضغط وتضبط السكر في الدم ومن كان في صدره ضعف أو ضيق في التنفس تجعله أكثر قدرة على التنفس
إن معظم الأبناء المتفوقين في أي مجالات الحياة -حتى الروحية منها- كان وراءهم أمهات يكثرن من جمل الإطراء والتشجيع التي جعلتهم لا يشعرون بالمتاعب الذهنية أو الآلام الجسدية، فضاعفوا من ساعات دراستهم وعملهم حتى حققوا أهدافهم
والزوجة التي تقول كلمة طيبة لزوجها قبل ذهابه صباحًا للعمل تمنحه طاقة إيجابية تجعله أكثر قدرة على الإنجاز في العمل أو العكس. والزوج الذي يُثني على أداء زوجته يخلق منها زوجة وأم ناجحة. وقد علمنا الحكيم سليمان في سفر الأمثال فن التعامل مع الآخر فيقول “المحتقر صاحبه هو ناقص الفهم أما ذو الفهم فيسكت” (أمثال 12:11). وأيضًا “من يحتقر قريبه يخطئ ومن يرحم المساكين فطوبى له” (أمثال 21:14). وعن الاستهزاء بالآخرين الأقل منّا يقول “المستهزئ بالفقير يُعير خالقه، الفرحان ببلية لا يتبرأ” (أمثال 5:17)
هذا وقد ذاق السيد المسيح نفسه من البشر “جرح المشاعر”، فجُرح من أحباءه وتركه تلاميذه على الجلجثة وقال: “نفسي حزينة جدًا حتى الموت”. وعند الصليب لم يجد أحد معه سوى أمه ويوحنا، فهو يشعر بالمجروح لأنه جرح في بيت أحباء حين قال: ليس لنبي كرامة في وطنه، ومحترف جرح المشاعر يستبدل لغة الحب والحوار إلى لغة التحقير وتحطيم المعنويات فيخسر النفوس بدلاً من أن يربحها “رابح النفوس حكيم” (أمثال 30:11 (
عن القديس البابا كيرلس السادس انه جاءه يومًا، عريف (معلم) الكنيسة قائلا: “اسمع يا سيدنا في القداس لا تدخل على حتتي (الجزء الخاص بي) ولا أدخل في حتتك (أي لا يقاطعه عندما يقول لحن وهو لا يقاطعه حينما يصلي)”. وفي إتضاع عجيب قال له البطريرك: حاضر يا معلم. موافق. ومرت الأيام وجاء يومًا كان قداسة البابا كيرلس عنده موعد هام بعد القداس فبدون قصد بدأ يسرع في القداس ويبدأ الجزء الخاص به قبل أن ينتهي المعلم من اللحن، فإذا بالمعلم يوقف القداس ولا يريد أن يكمل والبابا يقول له ما تردّ يا معلم. إيه الحكاية؟ فقال الرجل -وهو إنسان بسيط- لا أنا مش ها أكمل احنا متفقناش على كده، أنت قلت مش ها تدخل على الجزء بتاعي، فقال البطريرك في إتضاع عجيب: حقك عليّ يا معلم، فأجابه الأخير: لازم تعيد الجزء الأخير فقال له البابا: حاضر يا معلم!!
ماهذا.. بطريرك قديس يرفض أن يجرح مشاعر عريف ضرير بسيط، إنه الراعي والخادم والمحب الحقيقي الذي يتمثل بسيده بحق فتحنن على البسطاء
لذا أهيب بإخوتي الخدام و بآبائي الرعاة أن يحرصوا في عملهم في كرم الرب ألا يجرحوا مشاعر المخدومين بل يغدقوا عليهم بالحب ويستروا على ضعفاتهم كما يقول قداسة البابا شنودة الثالث -أطال الله عمره- بدلاً من أن تقول للأعمى أنت أعمى في وجهه، داري على عماه تكسب ستر الله عليك. كان طفلاً شقيًا شماسًا يلهو أثناء القداس الإلهي الذي كان يقيمه أبونا القديس المتنيح بيشوي كامل السكندري، وكان هذا الطفل يقفز على الكراسي ويتحرك كثيرًا جدًا ويضايق الشمامسة، فطلب أبونا ألا ينهره أحد حتى ينتهي القداس وبعد إنتهاء القداس حضن أبونا الطفل وقال له أنا فرحان منك أوي النهارده، فنظر الشماس الصغير إلى أبونا خجلاً قائلاً: أنا؟ فقال أبونا “دا أنت كنت هادي خالص ولم تفعل كذا وكذا..” وذكر كل ما فعله على أنه لم يفعله، فقال الطفل: أنا آسف يا أبونا أنا فعلاً عملت كل ده بس أنت مش عاوز تزعلني. وأحب هذا الشماس الكنيسة وتعلق بأبونا جدًا
عزيزي القارئ.. عندما أنزل الله وصاياه العشر على موسى النبي لسن قوانين لتعاملات شعبه كانت الوصية الثانية بعد محبة الله هي محبة القريب كالنفس. وأذا أحببته كنفسك فلن تجرحه أبدًا لأنه نفسك وهكذا طلب الرسول بولس من الأزواج أن يحبوا زوجاتهم كأنفسهم وهو مستوى من الحب يغلق الباب أمام جرح النفس حيث لا يعقل أن تجرح نفسك بنفسك. وكما يقول السيد المسيح عامل الناس كما تحب أن يعاملونك فإن وضعت قلبك في جسم أخيك فهل تقبل أيضًا أن تكسر قلبك وتجرح مشاعرك التي فيه بنفسك؟!. إلى كل مجروح.. هناك شفاء لجرحك عند يسوع وعند غفرانك للجارح. وإلى كل جارح أدعوك أن تطلب من الله أن يكشف لك ماذا فعلت وألا تكون قد أعثرت أحد وفي النهاية، أنت أيضًا لك غفران. ولمن يجرح متصورًا أنه يدافع عن الكنيسه فهل تترفق على الخطاة كرب الكنيسة.

شاهد أيضاً

حمادة إمام يسأل : لماذا لا يتعلم الإخوان من تجاربهم مع السلطة ؟

حمادة إمام ما بين تنظيم 1965 وإعدام سيد قطب  وفض رابعة 2013 عدة محطات التقت فيها …