الثلاثاء , يوليو 5 2022
هانى شهدى

تــوك تــوك حـــيران .

هانى شهدى
                        هانى شهدى

بقلم/ هاني شهدي
أسـرع وأرخـص وأضـمّن مشـروع يقوم به مواطن مصري هذه الأيام أنه يشتري ” تـوك تـوك” ، فإذا ما كنت تمتلك حوالي ٢٠ ألف جنيه ثمن التوك توك ، فأنت صـاحب مشروع في خلال ٢٤ ساعة، دخل يومي مضمّون ، ليس بالـمرتفع لكنه بالمقـبول الذي يكفي لتلبّية احتياجات أسرة و”يفتح بيت” ، بعـيد عن الروتين والتراخيص والمخالفات ، بعـيد عن السفر والغربة حيث يعمل سائق التوك توك في نطاق منطقة سكنه يبــيت في منزله وسط أهله كل ليلة، فأصبح المواطن المصري هو صاحب المشروع ورئيس مجلس ادارته ومديره والعاملين به وسائقه ، هو من يحدد ساعات العمل والحضور الانصراف ، الخــروج والدخول ..هو “برنس” وسيد قراره.ومع الوقــت أجبر التكتوك منافسه التراثي ” الحنطور” علي الخروج خارج السباق.
ظــهر التك توك يعتبر شاشة عرض صريحة ونافذة اعلامية ومساحة ابداع يُعــبر بها سائق التوك توك عن ارائه واتجاهاته في الحياة ، في الوقت الذي سـدْ المجتمع آذانه ولم يقـدّر رأي وحرية سائق التوك توك ، فأصّــر هو علي فرض اتجاهاته علي هذا المجتمع وتعريفه بنفسه ، التوك توك هو مــرآة الشــارع المصــري ، ومن خلال هذه الشــاشة يُعــبّر سائق التوك توك عــــن :-
– اتجاهاته السياسية.. فمنهم من أعلن رفضه للأخوان وطردهم في ثورة يونيو ومساندة الجيش والرئيس السيسي وغطت صوره الكثير من تكاتك مصر وعلقوا ” ممــنوع ركوب الأخوان .. لـو عندكم دم”.
– اتجاهاته العاطــفية ..فتمّــرد صاحب التوك توك علي حرّمـان وتحرّيم المجتمع للحـب ، فأعلن هو أمام الجميع حبه ومشاكسته للمرأة ” اتنــين ملهمش أمــان ..الفــرامل والنســوّان” ، ” فــيل يدوسنّي ولا بنيّة تبوســنّي” . التوك توك وضع الفتاة أمام اختيارين صعبين .. هل تركب التوك توك وتحمي نفسها من انظار السـائرين ومضايقتهم وخصوصاً في المجتمعات القبلية أم تمشي بحريتها وتشبع أحساسها الفطري كأنثي مرغوبة ومنظورة ، أو علي الأقل تطالــع العالم الذي تعيش فيه بعــيداً عن صندوق صفيح يقيدها.
– وكما خُـلق الأنسان ذكر وأنثي هكذا خُـلق التك توك المصري رياضياً أما أهلاوي أو زملكاوي ، فهو كثير الضجــيج والصراخ في حالة فوز فريقه المفضّل ، لكــن للأسف التك توك ” في الورشة بيتصلّح ” في حالة الخسارة وضياع البطولة.
– اتجاهاته الفنية ..أصبح حاليا نجاح أي أغنية شعبية يُقيّــم أولاً من خلال نجاحها توك توكـيّاً ، “مفيش صاحب بيتصاحب” أخر الأغاني التي كان نجاحها التوك توكي الكاسح سبب في تبنّي أحدي شركات الانتاج السنيمائي انتاج فيلم بطولة أصحاب الأغنية. حالة “الشــخلعة” التي يعيشها التك توك المصري جعلت منه ملهي ليلي ونهاري متحرك لا ينقصه سوي راقصة شرقية.
– اتجاهاته الدينــية .. وهي الأهـم ، سائق التوك توك المسلم يعضّد معتقده الأسلامي بعبارات ورسوم اسلامية مثل سيفين متقاطعين أو حديث شـريف ، أما السائق المسيحي يجد متنـفّس مقبول له من خلال تعلـيق صليب صغـير يكاد لا يري بالعــين المجرّدة وصـورة “العـدرا أو مـارجرجس ” وعبارات عن المحبة والقناعة ، وبهذا التـعارف الـذكي يخـتار الـراكب سائقه ويختار السـائق راكـبه.
الحـكومة المصرية مازالت حائرة حتي الأن في الأعتراف رسمياً بالتوك توك في مصر، بالرغم من وجود أكثر من مليون التوك توك في ربوع مصر المحروسة ، وما زال وسيلة مواصلات غير مرخّصة من قِبَل ادارات المرور تعللّاً بأنها وسيلة غير آمنة تسير علي ثلاث عجلات وليس بها أحزمة أمان ، ومفتوحة الأبواب . أذن كيف تم استيرادها إلي مصر ؟ لأنها مستوردة عن طريق شركات يملكها كبار رجال أعمال لهم ثِقـل اقتصادي.إذن لمـاذا لم تمــنعوها؟ لأن أمــين الشرطة الذي يستوقف التوك توك مازال أيضاً حـائراً ، هل يصادر التك توك ويقبض علي السائق ويغرمه ١٥٠٠ جنية أم يسـيبه “ياكل عــيش” وهو أولي بال” ٥٠ جنية رشوة” من سائق التوك توك .
العقل المصري أيضاً أبن شــرعي للحكومة المصرية وإعلامها ، ولأن الحكومة حائرة حتي الأن في هذه القضية فالرأي العام مازال حائراً خلفها، فهل المواطـن المصري يستحق ألف تحية وتحية أنه خلق لنفسه فرصة عمل عجزت الحكومة عن توفيرها له ، التوك توك الواحد يفتح بيت أكثر من أسرة مصرية ومصدر رزق لأكثر من مليون شاب مصري ، أم أن سائق التوك توك أمام الرأي العام مجرد شاب بلطجي ، متعاطي للمخدرات ، مغتّصب لركابه وسارق لمقتنـياتهم ، ولا تعتبر مهنة لها أصول وقواعد.
فما زال التوك توك المصري وسائــقه حائران وحكومتهمــا أكثر حــيرة.

1

 

شاهد أيضاً

د. يوسف زيدان متحدثا عن نفسه : أحلم برحيل هادئ يعبر بى إلى النهار

أبى من عائلة ثرية بسوهاج.. وأمي من الإسكندرية.. ولدت في سوهاج.. لكنى هجرتها للإسكندرية رضيعا …