الإثنين , يونيو 8 2020

بريق

12002128_1015470091819884_1305235564973248329_n

الأديبة السورية نادية خلوف،

قصة قصيرة

مقدمة: الحبُّ هو الذي يرمّمُ الجروح، ولغة الأدب تخترقُ النّفسَ أكثرَ من ألف محاضرةٍ سياسيّة. الأدبُ هو السّياسة التي تعبر عن مجريات الأمور بلغة داخل الإنسان. بعضُ الأدبِ نستمتعُ بقراءته نحن، وأدبٌ يستمتعُ غيرُنا به.

إهداء إلى ابنتي سيناء: عندما يصبحُ لدينا جوازُ سفر. سيكونُ العالم قرية ، وتكون الدّولُ مجرّد أحياء في تلك القرية.. .

. . .

هواجس

الفراغُ عند زهرة مسكونٌ بالهواجس، هاجسُها الوحيد أن لا تفلتَ ابنتُها من يدِها في مكان مزدحم، ولا تجدَ إليها سبيلاً.

تقولُ لنفسِها

أخشى عليها من الضّياع. أراني قد  نسيتُها فغادرتُ إلى مكانٍ مجهول.

يداها الصغيرتان  أعادتا إلى قلبي دقاتٍ جميلة . فقط عندما مسحتْ دمعي وهي تجلسُ على ركبتيَّ شعرت أنّ الحياة تدّب فيّ و تستحقّ أن أعيشها.  لم أكن أعرف أنّ العصافيرَ تجيدُ التّعاطفَ إلى أن أرشدتني إلى عصفورةٍ بنتْ عشّها فوق شجرةِ في حديقتنا .

. . .

حبّ

تنظرُ صديقاتي لي كطفلةٍ لم تتجاوزْ العاشرة. عندما أحدّثهن عن أشياء أعتقد أنّها حقيقيّة يقهقهون. . .

أتت صديقتي منى وكنّا في السابعةِ عشر. قالتْ لي: لن أكملَ تعليمي  يا زهرة . سوف أتزوج. تقدم لخطبتي  أستاذُ الرّياضيات ، وافقَ أبي ، والحفلُ في الأسبوع المقبل.

لم أقلْ لصديقتي “مبروك”. لا أعرف كيف أردّ ، لكنّني سألتُها، وكيف عرفكِ أستاذ الرّياضيّات ؟

لم تتوقّفْ عن الضّحكِ لبضع دقائقَثمّ التفتت إليّ وقالت: يعرفُك أنتِأيضاً.

لم يمرّ الأمر عندي مرور الكرام:   يتناهى إلى سمعي  أنّ الفتاة لا يجب أن تتحدّث عن الحبّ والزّواج، ربما لم أسمع بل توهمت.

ما هو الزواج؟

 سوف أسألُ أمّي عندما أعود إلى بلدتي في العطلة.

 كانت خيبةُ أملي كبيرةً عندما قالت أمّي:

 هذا الكلام غيرُ مسموحٍ به.  عندما نتحدّثُ أمام البناتِ في أشياء كهذه نقول” رصاصة في أذنها”

لماذا الرّصاصة يا أميّ؟

هو مثلٌ يا غبيّة، يعني ” نتمنى أن لا تسمع حديثنا نحن النساء، لأنّنا سنستمر فيه”

 لم أفهم أيضاً شرح أمّي المطوّل.

 لا أفهم الكثير عما تتحدّث عنه صديقاتي” سمعة، وردّة، تماضر، ونوال”

 يتحدّثن عن علاقاتِ حبّ. فقط أنا لا أحدَ يحبّني. ربما لا أستحقُّ. عليّ أن لا أناقش هذا الأمر.

. . .

صدفة

في مكتبِ الحزبِ في دمشق التقيتُ الرفيق ألبير، كنّا نوزّعُ المنشورات معاً في يوم العطلة. نحنُ من تلك الأجيال التي  لم يكنْ لديها الكثيرُ من الحواجز، كانت العائلة ُأقلَّ دكتاتوريّة منها في زمن لاحق، وحياتنا السّريّة نعلنُها بكلمات من المراهقة لا تحسبُ حساباتٍ كثيرة، كنّا نكذبُ على أهلِنا، على أصدقائِنا، وعلى أنفسنا أيضاً.

 ينغِّصُ الحبُّ عيشي . بعد عشرةِ أعوامٍ من تركي دمشق عرفتُ أننّي  كنت قد وقعت في حبِّ ألبير دون أن أدري، قال لي يومها: لو أحببتُفتاة مسلمةً ماذا عليّ أن أفعل؟

لا أعرفُ ماذا عليه أن يفعل. قلتُ له: اسألْ ذوي الاختصاص. اعتقدت أنّ الأمر ليس موجّهاً لي ، هو سؤال جدّيٌ عن موضوعٍ أثار  في نفسي الضّغينة تجاهه . كيف يسألني عن أمرٍ لا يتعلّقُ بي؟

 بعد أيام  تحدّثتْ صديقتي عن موضوع ألبير. لم أفهم الكثير, التزمت الصّمت.أصبحَ ألبير يصفُني بالغبيّة في كل مرّة يراني فيها، يروقُني الكلام ، ونضحكُ معاً.يقول: يدك باردة كالثّلج، فيها مسّ من الجنّ، أومسّ من الكهرباء . . .

 فهمتُ بعد عشرة أعوام أمرَ تلك العلاقة الجميلة، ولماذا كنتُ أشعرُ بالفرح حينها بينما  نناضلُ معاً. لم  نتحدّثْ بالسّياسة مع أنّنا نقوم بعمل ثوريّ له علاقة بالسّياسة.عندما فهمتُ الأمر  ضحكتُ تلك الضحكة القديمة .

التقيته بعد عشرِ سنوات، كنتُ أحدّثُ ابنتي الصّغيرة :

 لا تفلتي يدك من يدي. أفلتّتْ يدها وهي تضحكُ، جريت خلفها، رأيتُ رجلاً يمسك ُبيدها.

-ما أجملَها!

تشبهُكِ، لكنّكِ أجملَ منها.

-بل هي أجملَ من في الكون.

نظر إلى زوجته: هذه هي الفتاةُ التي حدّثتُكِ عنها عندما كنتِ تلحيّن عليّ بالسّؤال إن كان في حياتي امرأة أخرى.

التفتتْ المرأةُ  إليّ:  لديكما  أنتِ وابنتكِ عيونُ عصافير، لكنّها تبدو أذكى في أمور الحبّ.

-يبدو أنّك تجيدين القراءة أكثرَ من زوجك.

تناولنا طعامَ الغداء معاً في مطعمٍ صغيرٍ في دمشق.  لم نلتقِ بعدها.

. . .

حاجة

مضى زمن ألبير. فهمتُ أمر الحبّ فيما بعد، لم أحصلْ عليه.

تجاوزت العشرين من عمري، وبدأ الحرج الاجتماعي يحيط عالمي، الأمر غير مقبول أن لا يتقدّمَ أحد لحبّي.

أحتاج  لسماع بعض الكلمات حولَ جمالي، وذكائي سواء كان شعراً أو نثراً.

أتى فارسٌ دون فرس -اسمه فارس- قالَ: أنّتِ تحبينني  ، صدّقتُ ، أصبحتُ أحلم به ليل نهار، وكلما حلّمتُ به يظهرُ صوتُه هو ووجه ألبير، وضحكتنا القديمةترنّ في أذنيً ، أسمعه يقول   لي غبيّة. كان حبّاً جميلاً حقيقيّاً لم أكتشفه إلا بعد عشرِ سنواتٍ.

تعرفّت على الحبّ  الآخر عن قرب.  حبُّ فارس لي، أو ربما حبّي له-فهو لم يقل لي أحبّك –كان على غير ما تصوّرت . كان مخيفاً،  فقط  النتائج فقط كانت تشبه الحبّ، بل وأكثر منه. أتت بريق إلى هذا العالم.

.. .

ركض

منذ التقيتُ ألبير وزوجته، وأنا أحنّ إلى الماضي، أو إلى مستقبلٍ مليءٍ بزخم الحياة.

وحيدتانِ ندندنُ معاً عن الأحلام والمستقبل.

أبكي فتمسح دمعي، وتبكي فأضمّها إلى صدري وتبقى إلى أن تغفوَ. عاهدّتُها على أستمرّ، أردت ان أوفي بوعدي، ولكن. . .

. . .

سبات

 أراها تغطُّ في نومٍ عميق. لن أوقظَها من أحلامها، ابتسامةٌ مرسومةٌ على شفتيها. يبدو أن أحلامَها سعيدة.

طال النّومُ. أعدُّ الأيّام والأشهرَ والليالي، أخشى أن تنامَ كما نامَ أهلُ الكهف، وأفتقد بريقَ عينيّها .

 جلستُ مع عصفورين كانا في ذلك العشِّ:

-كيف أوقظُها ؟

رفرفا بأجنحتهما. تقدّم عصفور ضخم منّي: لا تخافي!

. . .

حلم

 عيون العصافير البرّاقةِ ترحلُ بي إلى بريق، حلم يقظة يرتفعُ من ليلٍ داكن يسافرُ إلى  نجم.  يقترب  النّجم منّي:

أرسلتْ لك بريق أملاً.

تعالَ أيّها النّجم أشمّ رائحةَ الضّوء، ويزكم أنفي ذلك البريق.

. . .

رجوع

عادت إليّ، لم أعرفْها.

-أين بريق عينيك؟  لا تفلتي منّي بعد الآن.

عندما يمرُّ الزّمن، أحاولُ أن أستعيدَه، أو أوقفَه، ولا أستطيع.

 لو كنتُ أعرفُ أن ألبير كان. . .

لو كنتُ أعرفُ أنّ  بريقاً سوفَ تنامُ طويلاً.

وأنّ الزّمن سوف ينساني .لكنتُ بحثت  عن زمن آخر، وأمسكتُ زمني بكفيّ، ورميته .

 يجبُ أن أوقفَ الزّمن.

أكذب على نفسي.

 لو عادَ الزمن إلى الوراء ، أو استعجل إلى أمام، أو حتى لو مات لن تتغير الحكايات.

نسيت ماكنت أشدو به. .

أغني مع عصافير الحديقة.

 ليس لدينا منزل ولا حديقة.

لن أكذّب سمعي، ولا عينيّ. العصافيرُ تكاثرَتْ، وكلّها تغمز لي بعيونِها البرّاقة .

شاهد أيضاً

نجاح حسن وليد الغريب بالصف الثانى الثانوى بتقدير ممتاز

 يتقدم  الصحفى نصر القوصى عضو الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين المصرية ، ومؤسسة الأهرام بأجمل التهانىء …