الأحد , يوليو 3 2022
مدحت موريس
مدحت موريس

ذكريات جدى

مدحت موريس

الخامسة صباحاً اوقبلها بقليل وصوت جدى يأتى هادئاً لكنه آمراً بالاستيقاظ ، لازال الوقت مبكراً بل مبكراً جداً – اقول هذا فى نفسى وانا اشد الغطاء متدثراً به لكن صوت جدى يأتى ثانياً فى اصرار فانصاع له واجلس على الفراش.

ينصرف جدى ثم اسمع صوت المياة ينساب على جسده فى دورة المياة فاغتنم الفرصة لانال دقائق اخرى قليلة اغمض فيها عيناى لكنها دقائق تمر فى لحظة حيث يأتى صوت جدى صارماً مؤنباً هذه المرة فانهض مضطراً واسير بعيون شبه مغلقة حتى دورة المياة، اغلق الباب واترك صنبور المياة مفتوحاً بينما اجلس انا على المقعد الخشبى الصغير متسولاً غفوة اخرى…انهض مهرولاً عقب طرق جدى للباب فاضع رأسى تحت الصنبور مضطراً…لم تكن المياة باردة فى صباح احد ايام شهر اغسطس من صيف الاسكندرية الحار انتهى من حمامى سريعاً واذهب اللى غرفتى وانا لم افق بعد فارتدى ملابسى وصوت جدى يردد اغنية قديمة خفيفة مع رنات الملعقة فى اكواب الشاى بالحليب التى يعدها بعدها يقدم لى جدى كوب الشاى بالحليب ويسألنى ان كنت ارتديت ملابس البحر؟.

تركنى والداى فى رعاية جدى وجدتى لاقضى الصيف فى المدينة الساحرة الاسكندرية التى اعشقها واحب شوارعها وشواطئها وايضاً حواريها ولكن ليس فى الخامسة صباحاً كما يفعل جدى كما اننى لا احب ما يفعله جدى معى ومعاملته لى باعتبارى طفلاً حتى انه يمسك بيدى ونحن نعبر الشارع…انا ابن الرابعة عشر. شربت كوب الشاى بالحليب ولم اترك به قطرة واحدة كما امر جدى الذى قام بغسيل الكوبين. واستعدينا للنزول وكالعادة نهضت جدتى من الفراش فى تلك اللحظة…

هى لم تكن نائمة لكنها ظلت بفراشها حتى يغادر جدى المطبخ فهو المكان الوحيد الذى لن يجمع بينهما منعاً للمشاجرات. اجتزنا سوق زنانيرى الذى كان خالياً تقريباً فى تلك الساعة المبكرة الا من عامل القهوة الذى بدأ فى اشعال بوتقة الفحم، كان جدى يسبر بخطوات واسعة لم استطع مجاراته فيها وانا اكاد اركض بجانبه بينما هو لا يكف عن الحديث عن نقاء الجو فى الصباح الباكر وينصحنى بأن املأ رئتاى ما استطعت من الاكسجين النقى وكان يسألنى بين حين وآخر ان كنت سعيداً وبالطبع كنت ارد بالايجاب والحق اننى لم اكن سعيداً بالمعنى المفهوم بتلك الرحلات اليومية المبكرة بل كان يسعدنى اكثر التسكع فى شوارع الاسكندرية فى الليل وتناول الايس كريم وقد كان جدى يفعل هذا احياناً –

بالطبع فيما يختص بالايس كريم وليس بالتسكع فى الشوارع- وصلنا الى الشاطىء ونزع جدى قميصه ووضعه بجوار حجر كبير على الشاطىء وفعلت مثله – فهكذا نفعل كل يوم- ثم نزلنا فى مياة البحر وجدى يحاول ان يسبح على ظهره مثلما افعل انا ثم بعدها يبدأ فى تحذيرى من الدخول الى العمق وعيناه تلتفتان كل دقائق الى حيث وضعنا ملابسنا للتأكد من كونها مازالت موجودة ثم بعد نصف ساعة نعود الى البيت لنبدأ يوماً طويلاً ينام خلاله جدى اربع ساعات بالنهار بينما امارس انا ما طاب لى خلال اليوم من لقاء بالاصدقاء وتسكع بالشوارع حتى منتصف الليل اما عن جدتى فقد كانت فى البداية تلوم جدى على ايقاظه المبكر لى وتطلب منه ان يتركنى استمتع بالنوم ولكنها كانت تسر لى بينى وبينها ان سعادة جدى الحقيقية كانت فى خروجه اليومى معى فى الصباح الباكر وتزيد سعادته اكثر عندما اشعره انا بفرحتى بالخروج معه كل صباح. تتكرر الايام وتتشابه ومن صيف الى آخر حتى بعد استقرار اسرتى بالاسكندرية فكان هناك شهر على الاقل اقضيه فى منزل جدى على نفس الوتيرة وبنفس الطقوس ولكن مع تقدمنا فى العمر – انا وجدى –

اختلفت الامور فهو وان كان مازال يصحو مبكراً الا ان صحته لم تعد تقوى على النزول باستمرار والسير كل هذه المسافة وبالنسبة لى فقد اصبح لدى سيارة امرح بها على الكورنيش وكثيراً ما كنت اصطحب جدى معى وكنا فقط نختلف على توقيت الخروج فانا افضل ساعات الليل بينما هو كان يصر على الخروج فى الصباح الباكر وقد كنت اطاوعه ارضاءاً له من جهة ولان الكورنيش فى الصباح الباكر يكون خالياً من جهة اخرى. وتمر الايام والشهوروالاعوام ويرحل جدى عن دنيانا وتمضى الحياة بسرعة البرق ومازلنا نحتفظ بالشقة القديمة فى البناية العتيقة بالحى الجميل فى مدينتنا الساحرة….

لاجد نفسى فى مقعد الجد والاحفاد من حولى يمرحون….ويدق جرس المنبه فى الخامسة صباحاً فانهض الى غرفة احفادى واوقظهم بينما زوجتى تنهينى عن ذلك ويستيقظوا مرغمين وارى النوم يثقل اجفانهم فاحدثهم عن الهواء النقى بالخارج ثم اتذكر جدى فاقول لهم بمنتهى الصراحة….اعلم انكم تسهرون ولا تريدون الاستيقاظ مبكراً ولكن سعادتى فى ان اخرج معكم الى الشاطىء مبكراً فهل لكم فى ان تدخلوا السعادة الى قلب جدكم؟

بقلم مدحت موريس
([email protected])

شاهد أيضاً

حمادة إمام يسأل : لماذا لا يتعلم الإخوان من تجاربهم مع السلطة ؟

حمادة إمام ما بين تنظيم 1965 وإعدام سيد قطب  وفض رابعة 2013 عدة محطات التقت فيها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *