الأحد , يوليو 3 2022

من الاثار القبطية (البجوات)

لطيف

 

  لطيف شاكر يكتب: من الاثار القبطية (البجوات)

 البجوات كلمة لن تسمعها سوى في الوادي الجديد، يصف بها سكان المحافظة، الأثر التاريخي الذي يرجع للقرن الثاني الميلادي، وهو ‘‘مدينة الموتى’’. والاسم الأصلي هو ‘‘القبوات’’، جمع قبو، وهو الشكل الذي بُنيت عليه مقابر الجبانة، حيث تعلوها قباب، مبنية من الطوب اللبن، وترجع لأوائل العصر المسيحي.

 تشبه جبانة  البجوات  مدينة مهجورة، وتقع خلف معبد هيبس، حيث تفصلها عنه أطلال المدينة القديمة التي بناها الأقباط الذين فروا من مصر بدينهم خوفًا من الاضطهاد الروماني للمسيحية، في القرن الثالث الميلادي، ليعيشوا في سلام بعقيدتهم، واستقروا في الصحراء بعيدًا عن أيدي الأباطرة الرومان، على ربوة عالية.

 وتعتبر البجوات من أهم و اقدم الآثار المسيحية فى العالم وتشبه هذه الجبانة بشوارعها وهياكلها القائمة مدينة مهجورة و تحتوى على 263 هيكلا  او كنيسة اكثرها مزخرف من الخارج و يغلب عليها الطراز البيزنطى وقبتها مزينة بمنلظر مختلفة من التوراة و قليل من المناظر المسيحية

 والكنائس  مبنية بالطوب  النئ بمختلف الاحجام والانماط الهندسية كما اختلف زخارفها باختلاف اسلوب البناء ومدي ثراء اصحابها في الانفاق عليها. لكنها جميعها كانت مبنية بالطوب النئ المجفف بحرارة الشمس، الا ان بعض الكنائس كانت حوائطها الداخلية مطلية بدهان ابيض ثم زينت بزخارف هندسية الشكل او اشكال طبيعية نباتية او حيوانية بينما البعض الاخر من الكنائس تم تزيينها باشكال مستمدة من قصص من الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد اضافة الي بعض القديسين.

 والجبانة تحتوي على كنيسة  الخروج التي تحكي رسوما تروي قصة خروج بني إسرائيل من مصر، يتبعهم فرعون بجنوده، ثم قصص بعض الأنبياء ومنهم آدم و حواء، يخرجون من الجنة، وقصة دانيال في جب الأُسود، ويونان  في بطن الحوت، وأيوب يشفى من البلاء، وقصة ابينا إبراهيم وابنه اسحق، ونوح يعبر الطوفان بالسفينة،وارميا النبي،وقصة الفتاة سوسنة, والعذاري الحكيمات، وعذاب القديسة تكلا…

 والكنيسة  ذات الطراز القبطي، وقد ظهرت الأسماء على رسومها باللغة القبطية، وتليها  في الأهمية كنيسة السلام، الموجودة بين البجوات، فهى بيزنطية الطراز و مناظرها الملونة على جانب كبير من الدقة، و يوجد فى العشرات من هياكلها آلاف الكتابات باللغات الاغريقية و اللاتينية و القبطية و العربي  وبها  نفس القصص السابقة من كتاب العهد القديم، مع رموز للسلام والعدالة والصلاة، وصورة ليعقوب والسيدة العذراء مريم والقديس بولا وتكلا، ونقشت الأسماء باللغة الإغريقية وطرازها المعماري البيزنطي على بعض المقابر،و رُسِمت نقوش ملونة وكتابات قبطية عديدة  في منتهي الدقة سجلها عالم فرنسي، وتحكي قصصا لتاريخ المسيحية في مصر، ثم كتابات سجلها على المقابر الحُجّاج  المغاربة  الذين اتخذوها مأوى لهم أثناء رحلاتهم

 وباعتبارها ليست مجرد مقابر، يتردد الأجانب على المكان، باعتبارها لوحة فنية، تجمع الأثر المتمثل في البجوات، والخضرة المحيطة بها كالنخيل، والاستحمام عند بئر المياه الساخن  ويتردد عليها  كثير من السواح  الأجانب  ليستمتعوا  بالهدوء ونقاء الجو والطبيعة الساحرة..

 استطاعت البجوات  بمساعدة الجو الجاف للمنطقة، الاستمرار والدوام طيلة هذه القرون، ويوجد في العشرات من هياكلها آلاف الكتابات باللغات الإغريقية واللاتينية والقبطية والعربية

 ولقد تركت عصور وحقب التاريخ العديدة التي مرت بها واحات الوادي أثارا عديدة تدل على ما شهدته هذه المنطقة من عمران وازدهار في مختلف حقب تاريخ مصر الفرعونية واليونانية-الرومانية والقبطية والإسلامية لذلك تضم الواحات الثلاث: الخارجة والداخلة والفرافرة عشرات المواقع الأثرية ما بين معابد ومقابر وأبنية وبقايا ومدن ودروب

ويهمنا في هذا المقال الواحات الخارجة  حيث البجوات

ففي الخارجة عاصمة الوادي الجديد توجد عشرات المواقع الأثرية حيث عثر هناك على كثير من الأدوات استخدمت في عصور ما قبل الأسرات وبعض نقوش المخربشات من الدولة القديمة بعضها في جبل الطير بالقرب من مدينة الخارجة والبعض الآخر في درب الغبارى الذي يربط الخارجة بالداخلة

ولقد وصلت إلينا لوحات جنائزية من عصر الأسرة الثانية عشرة لرؤساء بعض الحملات التي كانت تقوم من طيبة أو من أبيدوس للتفتيش على الواحة والتأكد من حالة الأمن فيها

وكانت الخارجة ترتبط بوادي النيل بعدة طرق للقوافل من أبيدوس والأقصر وإسنا وهي: درب اليابسة-درب أبو سروال-درب بولاق-درب الجاجة- درب دوش 

كما كان يمر بها أيضا درب الأربعين الذي يربط مصر عند أسيوط بدارفور في السودان وكان يسمى ايضا درب الواحات وقد ورد ذكره في العديد من نقوش الدولة المصرية القديمة

وبالواحات الخارجة العديد من الآثار الهامة والمناطق الأثرية ومن أهم معابدها معبد هيبيس ومعبد الغويطة ومعبد الناضورة ومعبد زيان ومعبد دوش وكلها مشيدة بالحجر الرملي وتغطي جدرانها نقوش عديدة

معبد هيبيس hibis

يقع معبد هيبيس على بعد اربعة كيلو مترات الى الشمال من مدينة الخارجة و قد بدأ بناؤه فى الاسرة السادسة و العشرين   

و قد استغرق العمل فى المعبد اكثر من 600 عام بداية من عام 589 ق.م و حتى عام 69 ميلادية و قد كرس المعبد لعبادة الاله آمون  

يبلغ طول المعبد اثنين و اربعين مترا و عرضه عشرون مترا و هو يتجه من الشرق الى الغرب

و به البحيرة المقدسة و توجد اربع بوابات فى الناحية الشرقية للمعبد ترجع الى العصور الفارسية و البطلمية و الرومانية و كان يربط بينهما طريق الكباش اما المبنى الرئيسى فيمكن الدخول اليه من رواق به عمودان بنى فى عهد الملكين نختنبو الاول و الثانى و يلى هذا الرواق من الناحية الغربية قاعة اعمدة ثم ردهة مستطيلة بها اعمدة سجلت على جدرانها مناظر تصور الملك فى حضرة الالهة و بعض النصوص العقائدية المتصلة بالاساطير و من خلال باب فى نهاية هذه الردهة نصل الى قاعة صغيرة بها اربعة اعمدة  

اما قدس الاقداس و هو اخر حجرات المعبد الى الغرب فيحتوى على بعض المناظر الهامة للمعبودات منها منظر للالهة ” عشتارت ” فوق ظهر جواد و هى تمسك بالقوس و السهم

اما الجدران الخارجية للمعبد فقد نقشت عليها القاب الملك دارا الاول و مناظر تصوره و هو يقدم القرابين لبعض المعبودات

أما أهم الأثار المسيحية في الخارجة  فهي:  

جبانة البجوات وتعد من أهم الآثار المسيحية في مصر كلها تقع خلف معبد هيبيس و تفصلها عنه اطلال المدينة القديمة و تقع هذه الجبانة على ربوة مرتفعة تظهر فى بعض صخورها مقابر مدينة هيبيت الفرعونية و فوق هذه الصخور تظهر بنايات الجبانة التى بنيت مقابرها قبل دخول المسيحية الى الواحات و تتوسطها اطلال كنيسة قديمة

و من اهم العناصر الاثرية للبجوات: مزار السلام او المقبرة البيزنطية و الكنيسة و كتابات سجلها الزوار   تسمى بالمخربشات التي  تتمثل فى الكتابات و الخطوط التى سجلها زوار البجوات و تكثر هذه الظاهرة على جدران المقابر المزينة بالصور او المكسوة بالملاط و يبلغ مجموعها 63 مخربشة اكثرها مكتوب باللغة العربية و عددها 29 بينما المخربشات الاغريقية 19 و القبطية 12 و تبدأ الكتابات العربية منذ القرن التاسع الميلادى

وعلي مسافة نصف كيلو شمال جبانة البجوات يقع دير يحمل اسم عين مصطفي الكاشف لانه كان يقيم به شخص بهذا الاسم في عصر المماليك يقوم بتحصيل الضرائب  اذا ان الدير كان يعتبر مكانا عاما  واطلق  اسمه علي عين المياه المجاورة   وهذا الدير يعود الي فترة مابين الخامس والسادس الميلادي وهو عبارة عن بقايا دير قبطي علي هيئة حصن كبير  وكان يتكون من ثلاث طوابق معظمها قلالي صغيرة للرهبان    

وحدث اثناء  فترة بدعة آريوس ان تم نفي البابا  اثناسيوس الي الواحة الخارجة مما ساعد كثيرا علي انتشار المسيحية انتشارا كبيرا ورفع الثقافة المسيحية بين الاهالي.

ومنذ القرن الخامس بدأت نذر الخطر تحيط بالمنطقة بسبب غارات القبائل الصحراوية واستمرت حالة عدم الاستقرار في القرن السابع ومابعده حتي ساءت الحالة في الواحات الخارجة سوءا شديدا، وبحلول القرن الخامس عشر عاد شئ من الازدهار والاستقرار للمنطقة لكن اختفي الاسقف القبطي وربما اختفت المسيحية عن الواحة الخارجة  ومن الروايات المسيحية القديمة تذكر ان تاريخ وصول المسيحية للواحات الخارجة كان  في القرن الاول الميلادي علي يد القديس برثلماؤس واستشهد في واحة البهنسا احد اسماء الخاجة القديمة وحاليا يخدمها اباء رهبان من دير المحرق  باسيوط

شاهد أيضاً

حمادة إمام يسأل : لماذا لا يتعلم الإخوان من تجاربهم مع السلطة ؟

حمادة إمام ما بين تنظيم 1965 وإعدام سيد قطب  وفض رابعة 2013 عدة محطات التقت فيها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *