الأربعاء , سبتمبر 28 2022
الكاتب الروائى "واسيني الأعرج"

قر اءات من طوق الياسمين

« إني هائمٌ في عمق أسئلة لا تفضي إلا إلى مزيد من الإنسداد والحيرة والخوف. » « أن تمسك قلماً وتخط جرحاً على الورقة معناه أن تملك قدراً كبيراً من العزلة والجرأة.» « احذر،لا تخاطر مع الحقيقة..اكتف بما لديك من جزئياتها،حينما تعرف الكل،لاشيء ينقذك من حتمية الجنون.» بتلك العبارات خاض من خلالها الكاتب الجزائري واسيني الأعرج في عمق النفس الإنسانية بتفاصيلها من خلال بعض العناصر التخيلية والمصداقية والحرفية الفنية ليروي الكاتب أحداث حقيقية عاشها بإطار أدبي و فني،ليعيد إنتاج الحقيقة من خلال الرجوع بأحداث الرواية وأبطالها بعمل فلاش باك لما قبل عشرين سنة لتوقيت حدوثها. حيث تطرح الكتابة أسئلتها التي تبحث عن أجوبتها العصيّة لتحدث تغييراً في العمق الإنساني خصوصاً في الجزء الصامت والتخيلي فيه ليقتفي أثر الحقيقة الدفينة ويكشف عنها الغبار فيتجلى الجوهر الذي قد يموت الإنسان ولا يكتشفه، في حالة نادرة وصورة من جرأة التعري الداخلي، وعمق كاشف لتفاصيل الحقيقة في إطار فني، وأطروحات قد يجهلها الإنسان في زحمة الحياة وتخرج للنور حين تواتيه الفرصة. تلك الأسئلة التي يقول عنها الكاتب: « يأخذون معهم أشيائهم الصغيرة إلا أسئلتهم و إبتساماتهم فهي تبقى معنا»، كما تركتها مريم و عيد عشاب في هذه الرواية قبل رحيلهما.

و مابين حب وإنكسارات وفقدان وموت وحبيبة مقهورة وفلسفة لفهم عمق الحياة و أديان وحضارات وحفر في أغوار النفس والروح الإنسانية،يكتب منجزه الذي يحتوي على جزء من سيرته الشخصية خلال فترة محددة وهي المرحلة الدمشقية لمدة العشرة سنوات التي قضاهم الكاتب في سوريا الياسمين حين قدم إليها وله من العمر 21 سنة. والتي يصفها بأنها أجمل سنوات عمره،ومنها جاء عنوان منجزه ليمجد دمشق ونهر بردى. و الذي دارت فكرته بين علاقتين بمحنتيهما وأزماتهما وأيضاً مأساتهما. الراوي و مريم التي صارت أيقونة إبداعية في كثير من رواياته. وكتب عنها في طوق الياسمين: « مريم؟ بقايا الأبجدية المستحيلة،هل تدرين؟ بعد عشرين سنة لم أفعل شيئاً مهما سوى البحث عنك». مريم التي لخص مأساتها في عبارته: « شكرا على صبرك يا مريم .سأرحل. أنا كذلك تعبت.أعرف أن الموت لا يتيح فرصة كبيرة للندم ولا للحزن، ومع ذلك أقول لكِ عذراً. عذراً، فقد تركتكِ تموتين. ولم أعرف كيف أحبكِ. تركتك تموتين ولم أعرف كيف أحبكِ.. تركتكِ تموتين ولم أعرف… ». حتى أنه أفرد لها مساحة كبيرة للحديث عنها في سيرته الذاتية التي صدرت في نوفمبر 2014« عشتها كما إشتهتني». تلك الحبيبة المجنونة التي بطوق الياسمين لم تكن ترى العالم إلا من خلاله ولكن حالت إرتباكات ظروفه دون زواجهما وتحقيق حلمها في الإنجاب وهي قد تعدت الثلاثين من عمرها. فهو غير مؤهل لزواجها وتكوين أسرة وترك لها الحرية في أن تتزوج من «صالح» الذي يلاحقها. ولكن بعد زواجها يظل قلبها معلقاً به بل زاد تعلقها أكثر من ذي قبل ولم تستطع نسيانه، فتقول: « ولم يزدني غيابك إلا ضلالة وإلتصاقاً بك». لتنتهي حياتها في النهاية عندما لم تتحمل آلام الولادة لإصابتها بمرض القلب، مما تترك جرحاً كبيراً فيه لم يتحمله. «عشورن سنة مرّت ولا شيء تغير».

– أما شخصية البطل الحقيقي للرواية،عيد عشاب الفقير العاشق لإبن عربي والذي يملك موهبة الرسم وحبيبته سيلفيا الفتاة السورية التي رفض أبوها زواجهما بسبب إختلاف الدين، وضيق الحياة التي عاشها عيد بسبب إمتناع أبوه عن إرسال المال إليه حد نسيانه لإبنه ، فلم يستطع عيد الهرب من واقع مؤلم وقسوة البشر وشظف حياة كسرته حد الظلم والقهر ولم يجد بجانبه إلا سلفيا التي أحبها وسط واقع شديد القسوة عجز عن تغييره حتى موته، فلم يجد له ملاذاً سوى تعاليم شيخه الأعظم محيي الدين ابن عربي، الذي يقوده من خلال أحلامه نحو طوق الياسمين ونهر بردى.

-وكم كان محزناً أن تنتهي حياة عيد عشاب بموته. لا أعرف، أللهم أن موته كان السبب في خروج تلك المذكرات للنور والتي كانت الدافع الحقيقي للكاتب وراء كتابته لهذا المنجزه، لكي تصل في النهاية ليد القارئ، بعدما إنسحب عيد من الحياة في صمت وبعدما ترك «باب» طوق الياسمين وهو عبارة عن السبعين ورقة الأخيرة فارغة في مذكراته ولم يكتب فيهم شيئاً، أوراق«عذراء بيضاء» على حد وصف الكاتب على لسان سيلفيا: «ربما لأن القدر لم يمنحه الوقت للعبور نحو هذا الباب»، ليواصل الكاتب بقوله: « لا أدري. السؤال نفسه طرحته على نفسي مرارا ومازلت. صفرة الأوراق توحي بأنّ شيئاً كُتب وتُلف مع الزمن، لأن لون الأوراق التالية للسبعين صفحة، بيضاء وصافية..ربما كان هذا الباب هو الوحيد الذي لم يستطع فتحه. بسبب صعوبته القصوى. لقد دخل كل الأبواب حاملا أشواقه وخفاياه الصغيرة. كان دائماً يقول على لسان معلّمه الأعظم وسيده:إنه أصعب الأبواب .لأنه مثل الطوق، وأكثرها إنسدادا،إذ يجد المرء نفسه في دائرة مغلقة إذا لم يكن من العارفين. الباب الذي يأتي بعده النور الذي يعمي الأبصار، ويورث الدوخة ويصيب العيون بالغشاوة. باب كل المزالق والمهالك.من الأفضل بالنسبة للذي لا يعرف مسالكه أن يعبر من الطريق العام المخصص للزوار والسواح».

ليبقى هذا الباب مبهماً كأسئلة سيلفيا الأسبوعية التي كانت تقف بها على القبور المنسية، لتقوم بطقوسها الأسبوعية فتقف وسط عزلة المقابر لعلها تمنحها قليلاً من النسيان والسكينة وتزيل عن عيد برودة العزلة وظلم الأخرين وموته وحيداً بعد أن نساه بسرعة كل من عرفوه، كانت تقضي معه يوم الجمعة بجوار قبره ومعه تزور قبر مريم وسارة، و قبر والدها الذي تزوره يوم الأحد وتسأل أسئلتها المستعصية التي بلا إجابات: « أتسائل اليوم، ما الذي يجمع بين عيد و والدي في العالم الآخر، هل يلتقيان بعد أن إحضنتهما نفس التربة التي رفضاها في الحياة؟ هل يتكلمان مع بعض؟ ماذا يقولان؟ هل تقابل والدها و عيد في عالمهما الأخر،بعدما ضمتهما تربة واحدة؟» . ولكنه خط لها في النهاية جرحه في عبارة أعتقد أنها كانت أشد قسوة وسط دموعها و رجفاتها،حين كتب في باب اليأس: « حبيبتي سيلفيا.. من أين أبدأ هذا الألم وهذا الحزن الذي صار مثل الفيض يملأني ويقودني نحو يأسي الكبير.. البارحة رأيت حلماً أخرجني من وضع وأدخلني في وضع آخر، رأيت سيدي الأعظم محي الدين ابن عربي.. طلب مني أن أتجه نحو طوق الياسمين، كنت أعرف أنه يقودني نحو الموت ولكني لم أتردد لحظة واحدة، كانت رائحة الياسمين والنباتات الاستوائية قوية…». أرى أن القارئ كم تؤلمه النهايات التراجيدية رغم منطقيتها والتي بكل تأكيد تترك بصمة حزينة في ضميره لا يستطيع نسيانها، فالإنسان قد ينسى لحظة فرح مؤقتة، ولكن أبداً لا ينسى الألم والمعاناة. ولكنه القارئ أيضاً الذي يسعده أن يفرح بأبطال روايته وبنهاياتهم السعيدة، فالإنسان بطبيعته يشتهي الوصول للسعادات، لأنه خُلق على الفرح، ولكنها الحياة التي قد تحول دون هذه السعادات الصغيرة وتحول دون ديمومتها. فالأفراح عمرها قصير دايماً وإلا ما أصبحت الحياة تُسمى «دُنيا» وليست «عُليا». ما جعل في النهاية كُتب على شاهدة قبره: «عاش ما كسب مات ما خلي.»

الرواية تحمل كثير من معاني الصدق والوفاء حد التراجيديا المأساوية و واقع يعاني مخاضه. رواية تخوض في غمار النفس وعوالمها وشخوصها العِديدة. يصف فيها الكاتب دمشق الياسمين وشوارعها وأسواقها وناسها وثقافتها وجامعتها، بشاعرية ولغة رغم بساطتها تتمتع بالواقعية وأجواءاً دمشقية ساحرة رغم فقر الأماكن والبيئة التي دارت فيها كمسرح لأحداث الرواية التي أضافت بكل تأكيد لرصيد الرواية العربية. ليختم الراوي نهايات منجزه بحالة من الحداد النفسي ممزوجاً بالإرتياح الحزين المتصاعد نشيده للسماء وكأنه أنتهى بتصفية حساباته وحب متسامح مع النفس ومع الجميع ومع تلك المدينة الدمشقية «مدينة الياسمين» وناسها الطيبين: « يصعد نشيدي المستعاد الذي كنت مصمماً على إنهائه مهما كلفني الأمر. لم أكن هذه المرة مستعداً لإيقافه في منتصفه».

دمشق- الجزائر- باريس خريف 1981- شتاء 200

 
 

شاهد أيضاً

ماذا لو كنت أنا قبطياً مسيحياً ؟

ماذا لو كنت أنا قبطيا مسيحيا في مصر المعاصرة؛ فهل كنت سأتحمل الحياة المغموسة في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *