الأربعاء , سبتمبر 28 2022

عن ثورات ربيعهم العدمي

بقلم : نانا جاورجيوس

حين تفقد الحياة كل مقومات الحياة..! هل حققت الثورات العربية أهدافها في الوطن العربي؟

يسقط رئيس ويأتي غيره، يموت ملك ويجلس على العرش غيره، ولكن المنظومة السياسية في مؤسسات الدول العربية تبقى كما هي،الثورات الأخيرة أثبتت أنها غير قادرة على إنتاج منظومة سياسية تحمل فكر واعٍ، لهذا يُعاد هيكلة القديم شكلاً بلا مضمون وبلا تحقيق لأي أهداف. فالثورة تعني التغيير لمنظومة رسخت ترتيبها الوظيفي والسلطوي لمجموعات ترفض التجديد والتغيير،فيعاد إنتاج نفس المنظومة القديمة ليتخفى الفساد ويتحور ليتأقلم مع وضع يتوائم قليلا لما بعد الثورات ولكنه يظل حاملاً لنفس الفيرس المدمر ونفس الفكر القديم كقوة غير قابلة للتجديد بل وطاردة لكل ماهو جديد.

فتبدأ العناصر والأفراد العاملين في مؤسسات الدولة في تكوينها للبؤر العميقة وتتكاتف المجموعات الضعيفة والعاجزة والتي تقاوم التجديد الثوري وتخشاه والتي قامت أساسا بسببها الثورات لأجل تقويمها ومنح الفرص للكفاءات الشابة وإرجاع الحقوق المهضومة للمواطن البسيط والفقر والتي سلبها أمثال هؤلاء في الأنظمة القديمة.

لهذا معروف و على مستوى العالم بأن أي تغيير يولد في مقابله مقاومة وأحياناً عنف بشكل أو بآخر، لا لشيء سوى أن هذه سمة طبيعة للإنسان الذي وصل لمستوى إجتماعي أو ثقافي أو وظيفي معين. من هنا جاءت التيارات الدينية المتشددة لتمتطي ظهر الثورات.

وكما رأينا في التجارب الثورية أن هناك نوعان من هذه التيارات: نوع نمطي وهو الذي كان موجود أساساً في ترتيبه الوظيفي ومركزه الإجتماعي وأحياناً بعض من هؤلاء يمتلكون المال بجانب السلطة وهم الأكثر هيمنة ويرفضون أي تجديد كي لا يخسروا الإثنين، المال والسلطة،و يكونوا هؤلاء هم الطبقة الأقرب للوصول للحكم الأيدولوجي غير المباشر، حتى لو طالتهم عقوبات قانونية لفسادهم ولو سجنوا يخرجون من الأبواب الخلفية

كما رأينا في رجل الحديد في العصر المباركي أحمد عزِّ وهو صورة من فساد التزواج بين المال والسلطة حين كان عضواً في البرلمان ومقرب من عائلة الرئيس مبارك ومن جمال مبارك الذي كان يتم تهيئه ليتولي الرئاسة خلفاً لأبيه.!

و الثاني؛ هم تيار المتسلقين للثورات والإنتهازيين الذين يجدون في الفوضى غايتهم فيمتطوا الموجة ليدسوا أنفسهم ضمن تسلسل منظومة الفساد والتطرف وينتشروا بمؤسسات الدولة على أنهم هؤلاء هم المجددين الذي نتجوا عن تلك الثورات الوهمية كما رأينا عهد إخوان التطرف وكيف تسلقوا للوظائف المهمة بعد أن قطعوا عيش الموظفين البسطاء والغلابة وتم تسريحهم فزادت نسبة البطالة بالدولة وإرتفعت الأسعار، فتولد سياسة المصالح حد التناطح!

وصراعات داخلية خفية تصل أحياناً إلى تكوين دويلات صغيرة داخل الدولة، وتنتهي بما يُسمى بالدولة العميقة التي تكون جذورها ممتدة وكلما قامت الثورات تكون هي البذرة الثابتة لإعادة إنتاج النظام القديم بشكل يبدو جديدا في ظاهره لتتحكم في حياة شعباً رافضاً لهم ولكل أنواع إستغلالهم، يشعر فيها المواطن بأنه قد تم خداعه بهذه الثورات التي كان هو ذاته وقودها وربما تكون قد أفقدته شهيد من عائلته أو فقد على أثرها وظيفته أو مركزاً بسيطاً أو دخل يعول به فقر أسرته، ففي النهاية الثورة لا يتضرر منها إلا بسطاء الشعب من يعيشوا كفافهم. لتضمحل بهم الحياة رويداً بشتى مجالات الحياة من فنون وثقافة وإقصاد ليتسطح التاريح على شعب بائس فيخيم ظلام الهيمنة والإستبداد. ويتم قولبة الإبداع بأكلاشيهات جاهزة أو سرقة مجهود وتعب الأخرين الكادحين بخطب وشعارات رنانة.

فتتتسيد الكراسي وتتحكم حد تأليه مناصبهم وكأنهم تابو مقدس ممنوع الإقتراب منهم والنتيجة لا قانون صارم يردعهم في دولنا العربية. ولو قامت عشرات الثورات فلن تقوى على دحض شراسة هذا الفساد الذي ثبّت جذوره في عمق الأنظمة العميقة. لتبدأ عملية نهب خبز البلاد وخيراتها في وضح النهار وكما رأينا كيف أحرق الإخوان وأذنابهم مؤسسات الدولة و تركوا حرائقهم تشتعل في كل مكان بل دعوا التيارات الأشد تطرفاً منهم ليساعدونهم ويتواطئوا معهم في النفخ فيها لتزداد إشتعالاً لمزيد من الجرائم المنظمة.

فأي نور يسود وأي إنتصار للحياة وسط ظلامية كثيفة، وأي حلم ثوري هذا الذي يتحول لكابوس تحركه خيوط التطرف العنكبوتية الخفية ! كيف ترضى البصائر والضمائر التي ما تزال حية و المملوءة بالنور أن تسود كل هذه الغيوم الظلامية ؟! فإن لم يكن تكافؤ الفرص يحكمها قوانين تُفعّل بالدولة للحفاظ على حياة المواطنين ويجد الفقير قوت يومه، لن يكف الجشع وتخفّ الأطماع الخفية في النفوس. كيف يرضى الشعب أن تحلق في أجوائهم غربان من طيور الظلام؟! كيف تتسيد الضبابية والعدمية وتفرض بؤسها على حياة الشعوب العربية التي أصبحت أفقر وأجهل شعوب الأرض ؟!

Nana Gawargious

شاهد أيضاً

ماذا لو كنت أنا قبطياً مسيحياً ؟

ماذا لو كنت أنا قبطيا مسيحيا في مصر المعاصرة؛ فهل كنت سأتحمل الحياة المغموسة في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *