الأحد , مايو 16 2021

ماجد سوس يكتب : رجل أسطورة ، صنع تاريخاً

  • هناك شخصيات عظيمة عاصرتها و بكيت كثيرا على فراقها فما زالت أتذكر جنازة ابونا القديس بيشوي كامل و كيف بكينا بحرقة و نحن صغار ثم بكيت و رثيت أبي العلامة القمص متى المسكين باعث النهضة الرهبانية في مصر ثم أبي الذي رباني القمص كيرلس داوود هؤلاء تركوا علامات قوية في حياتي و بالطبع في حياة الكنيسة في كل مكان و أعتبرهم شامخين كشموخ الأهرام . أما اليوم هو أيضاً من أصعب أيم حياتنا فلم يخطر على قلبي انه سيأتي يوماً سأمسك بقلمي لأرثي أحد الرجال العظام في تاريخنا ، لا لأنه لا يستحق الرثاء ، حاشا ، بل هو الشعور بالضآلة و العجز الذي يتملكني عند الكتابة عن رجل أسطورة عاش بيننا و أكثرنا تتلمذ على يديه و نهلنا من علمه ، نعم أسطورة أنت أيها العظيم في البطاركة البابا أنبا شنودة الثالث. لقد أقامك الله علينا على كرسي القديس العظيم مرقس الرسولي أبا ، قائداً ، معلماً ، مرشدا و اليوم طلبك الله لتجلس معه و لكن القلب يتمزق من لوعة الفراق . أتذكر بعد سماع دوي الخبر بإنتقالك للسماء ، بكيت و بكي معي الأقباط جميعهم عليك يا أبي كمن يفقد أثمن ما يملك . فأنا أعتبرك مفجر نهضة الكنيسة القبطية في العصر الحديث ، صائراً بما قدمته و بما يفوق طاقة البشر و كأنك من عجائب الدنيا السبع التي يقف أمامها الإنسان في عجب و ذهول من قدرة الخالق على صنع انواع من البشر هم قادرون على صنع التاريخ . تذكرت يومها كيف مسكت بقلمي الكتابة بعد مضي ساعات قليلة من انطلاق روحك الطاهرة الى باريها . ما أصعبها لحظات لا أعرف كيف كتبت أو عن ماذا أكتب ومن أين أبدأ و ان تحتاج الى مجلدات لتكتب فيها سيرتك و اعمالك . القلم إرتعش في يديى، الدموع إنهمرت من عينيى ، خفقات قلبي سمعها كل من كان من حولي . يوما كنت أتمنى أن يوقظني أحداً فأنتفض من كابوسي يوم ان شعرت شعر الشعب القبطي معي أن أباهم القريب منهم المهتم بكل شئونهم تركهم فشعروا باليتم . المشهد كان مهيباً خرج الناس في الشوارع بالملايين خلف جثمان الطاهر فسمعنا صراخ و عويل ، يومها كان لسان حال كل قبطي في هذه اللحظات المؤثرة للغاية يقول : لقد ذهب أبي عني ، لقد رحل سندي و معضددي ، اتركوني ، لا تمنعوني من البكاء أو الصراخ و الآنين ، دعوني أبكيه ، فالفراق صعب فيسوع إلهي بكى على العازر حبيبه وتساقطت دموعه الطاهرة و أيضاً فعلت الكنيسة حينما ارتمى شعبها في حضن بولس الرسول باكين مقبلين عنقه حينما قال أنه ذاهب ولن يروه . أيا كنيستي المجيده ، واحبيبتاه ، لا تمنعي نفسك ايتها العروس من أن تتشحي اليوم بالسواد و أنت ِ تودعين حبيبك راعيك . اتشحي بالسواد كما اتشح شعب الله بالسواد يوم إنتقال موسى النبي بعد خدمة أربعين عاما في التيه . لقد اتشح شعب الله بالسواد على داود النبي العظيم حينما أنتقل بعد أن اعتلى عرش مملكة شعب الله أربعين عاما ، واليوم باباكي المعظم رحل بعد اربعين عاما في خدمة شعبك وأولادك . هل تتذكرين الرقم أربعين و مدلوله الروحي ؟ انها ليست مصادفة أن تكتمل خدمته بعد أربعين سنة ففي قصه الفيضان الذي دام 40 يوما، نجد بان البشريه قد تغيرت من حالة العصيان الى الحياة الجديدة.الشعب العبراني، تتغير حالته من العبوديه الى حالة التحرر بعد مروره 40 سنه بالصحراء. اهل نينوى تتحول من حالة الفجور والكفر الى حاله الاهتداء خلال 40 يوما.ايليا النبي يتحول من شخص عادي الى واحد من اعظم الانبياء بعد قضاء رحلته مدة 40 يوما.اما يسوع فينتقل من الحياة السريه الى الخدمة العلنيه بعد صيامه واعتكافه مدة 40 يوما. هكذا نجد بان الرقم 40 ليس رقما زمنيا فقط بقدر ما هو رقما روحيا. رقم يدل على التغيير والتحول والانتقال من حالة الى حالة الى حالة أكتمال الجهاد والسعي. هكذا حبيبنا الراحل البابا شنوده اليوم و بعد سفر مثلث الرحمات البابا المعظم الأنبا شنوده الثالث الى السماء ، أستطيع أن أسجل اعترافي بأنني و رغم كتابتي لعدة مقالات سابقة عن وطنيته و عن بعض ارائه في مجال الاحوال الشخصية الا أنني كنت أرفض المديح والثناء الزائد عملا بقول آبائي تعلمته في صغري بئلا تمتدح أحد في وجهه أو في ظهره . في وجه لئلا تأتيه ضربة يمينية فأكون انا المتسبب فيها أو في خلفه فتهيج عليه الشاطين وأتحمل أنا وزر ذلك أيضا. أما الآن وقد أنطلقت روحه الطاهرة الى السماء أستطيع أن أسجل عن الرجل البار كل ما أتصف به و يزيد . نعم ، هو أحد معلمي المسكونه ، التي أضاءت تعاليمه الدنيا كلها من مشارق الشمس الى مغاربها و من الشمال الى الجنوب ، لذا أسماه البعض ذهبي الفم . وعن النهضة فقد أصلح و عمر القلوب والنفوس و الكنائس و الأديرة وأنشأ أبراشيات في كل بقاع الأرض لذا أسماه البعض الآخر أبو الإصلاح كالقديس كيرلس عامود الدين . وعن الإيمان القويم فقد دافع عنه ، قدر رؤيته ، و جهاده بكل قوة و أحتفظ لنا بتعاليم وتقاليد آبائية جيدة و في عهده سجلت نوتة موسيقية لكل ألحان الكنيسة موجود منها نسخة في مكتبة الكونجرس ، لذا نجد من أطلق عليه لقب حامي الإيمان كأثناسيوس الرسولي البابا العشرون. أما الكرازة في كل المسكونة و البشارة و دخول غير المؤمنين الى الإيمان فكنائس هذا عددها و قد إمتلئت بغير المصريين من كل القبائل و الأمم والشعوب و قد أنشأ اسقفية خاصة بشئون الكرازة ، لذا فحق علينا أن نناديه بشنوده المبشر الرسولي . لا يسعفني الوقت أن أتحدث عنه كعبقري فيلسوف ، أديب ، شاعر ، صحفي ، مفكر ، مرشد ، مدرس ، وفوق الكل ناسك ، عابد .أما صفاته كحكيم ، متزن ، شديد الذكاء ، قائد عملاق . يهتم بشعبه جدا و لاسيما الفقراء وكان يقود بنفسه لجنة البر في القاهرة و الأسكندريه و كان يعطي الفقراء بسخاء و بكل حب و حنان . نعم الرجل أسطورة ، يجمع صفات عدة أشخاص في شخص واحد ، رجل من القرن الرابع وضعه الله في زماننا ليكون آية لنا .أرثيك يا أبي بدموع الفراق و لوعة الفقدان على أنني على يقين أن أنحلالك من قيود الجسد وجلوسك في حضن المسيح سيجعلني محور طلباتك وشفاعاتك لأجلي و أخوتي .. الى أن نلتقي أطلب من يسوع أن يكون لي نصيب معك يا صانع التاريخ .

شاهد أيضاً

أبونا صرابامون الشايب ظاهرة إنسانية

جميل نصري امين من الصعب جدأ أن تقول كلمة وداع لرجل مثل أبونا صرابامون الشايب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *