السبت , أكتوبر 1 2022
كارولين كامل

الجميلة التي أهانت رجولتهم في الأتوبيس .

بقلم كارولين كامل

في رحلة غير اعتيادية استقللت الأتوبيس المتوجه إلى شارع السودان من ميدان التحرير، قبل الواحدة ظهرًا بنصف ساعة يغزوني رعب وتوتر من اقتراب موعد انتهاء الدوام المدرسي، وخروج الطلبة بكل ما تحمله مراهقتهم من سخافة واستظراف واستعراض، لم أجد كرسيًا شاغرًا فقررت التمسك بالعمود المعدني لمقعد “الكمسري” في مؤخرة الأتوبيس؛ نظرًا لقصر قامتي وعدم قدرتي على التشبث بالعمدان المعلقة بالأعلى. دقائق قليلة وحضر العفريت الذي أخاف منه وما ينفك أن يظهر لي، 6 “مُسوخ” يصنفهم القانون بـ “أطفال”، يقفزون في الأتوبيس ويبدو أنها رحلتهم المعتادة وأتوبيسهم المفضل، بناطيلهم ملتصقة بأجسادهم وكأنها مرسومة، يتدلى نصفها العلوي فيمكن تمييز ملابسهم الداخلية الملونة، شعور رأسهم مصففة لتبدو كعرف الديك الأهوج، أو كما أتخيلها دائما تشبه خوذة المحاربين الرومان المعدنية بتلك “الشرشوبة” الملونة التي تتطاير من منتصفها. بالطبع كنت لهم محفزًا كافيًا لإثارة مراهقتهم المتفجرة، وبدأت مغازلاتهم المثيرة للغثيان ولسان حالي “يا بني ارحمني منك له..

أنا لو كنت اتجوزت كنت خلفت عيال أدك”، وكان الكمسري في ملاحقتهم بطلب الأجرة التي لا يدفعونها يوميًا، مشددا على أنهم اليوم إن لم يدفعوا عليهم النزول، وهكذا من الاستظراف عليَّ تارة وعلى الكمسري تارة أخرى يتناوب فيها “المُسوخ” الأدوار في مباراة من أكثرهم “ظرفًا”. في الواقع انعكس “ظُرفهم الماسخ” بالإيجاب، بعد أن التفوا حولي في انتظار أقرب “مطب” أو “حفرة” يتلوى فيها الأتوبيس وتنزلق عجلاته وتدفعني لأحضانهم، ولكن قرر أحد الرجال أن يفسد خطتهم البادية من نواياهم، وتخلى عن مقعده لأجلي، شكرته كثيرًا، فهز رأسه وفي عينيه اعتذار رقيق مفاده “كان لازم أقوم من بدري.. معلش”. تزايد صراخهم ومحاولات لفت انتباهي، خاصة وأني كنت الفتاة الوحيدة في مؤخرة الأتوبيس، ولكن يبدو أن سيدة سودانية جميلة في الأربعينيات كما يبدو، تجلس في الميكروباص بجوارنا لفتت انتباه “المُسوخ” وقرروا أن يستغلوا فرصة التوقف في الإشارة لممارسة “رذالتهم” عليها، فألقوا بالمناديل التي تعمدوا مسح مخاطهم فيها عليها من الشباك، وما أن سقطت المناديل علي وجهها حتى صرخت في سائق الميكروباص “اقف هنا عشان أنزل اجيب ولاد المتـ.. دول”. راهن “الظرفاء” على فتح الإشارة قبل أن تصل إليهم، ولكنها كانت الأسرع، قفزت السيدة علي السلالم يسبقها صوتها القوي معلنًا عن غضب عارم ونية واضحة للانتقام “مين فيكوا يا عـ.. يا بن اللبـ.. منك له إللي رمي برابيره عليَّ”، انطلقت حناجر “المسوخ” تدافع عن نفسها وتنفي التهمة، ولكن لم يحول ذلك دون أن توجه السيدة الجميلة لكل منهم صفعة لفظية، “انت عارف يا ع.. منك له، إن أمك معـ.. وأبوك عارف، وهو خ.. يا بن المـ.. يا ولاد الحرام يا ولاد الزا..”. كانت خطة السيدة واضحة من البداية، وهي خدش رجولتهم بإهانة أمهاتهم ونسبهم وشرفهم، الأمر الذي دفع السائق للتوقف والمجيء لمؤخرة الأتوبيس، وفور علمه تنهد غضبًا وعاد مرة أخرى لمقعده، وعادت السيدة للميكروباص الذي انتظرها، وفقد “المُسوخ” ثباتهم للحظة اختلت فيها أفكارهم بعد أن عجز أي منهم عن الرد على إهانات “الجميلة”. يبدو أن الصدمة شلت هؤلاء “المسوخ”، لكن لم يكن هذا هو حال باقي الركاب الذي أدى المشهد لاشتعال الأحاديث، أيد موقفها عدد كبير من النساء والرجال، وأستطيع القول أن ابتسامتي كانت بادية وأردت أن أصفق لها عقب انتهاء “وصلتها” ولكن خشيت غضبها إذا ربما تتخيل أني أتهكم عليها، صارت الهمهمة في مقدمة الأتوبيس لم أتبين معظمها، ولكن سمعت بوضوح ما قاله رجل يجلس علي الكنبة الأخيرة برجولة مفرطة “إزاي الست دي تطلع تشتم العيال بقباحة كده واحنا قاعدين.. هو احنا مش رجالة ولا إيه؟!”، التف له الرجل الذي يجلس علي الكرسي خلفي مباشرة وقال بتلقائية “لو كنا رجالة مكانش العيال رمت مناديلهم علي الست في الميكروباص”. في لحظة نادرة أحسد نفسي عليها وجدتني أخاطب “المُسوخ” وجها لوجه، ربما لأني شعرت للمرة الأولي بأني في مركز أقوى منهم “أنا من زمان نفسي أسأل المتحرشين أمثالكم.. إيه شعورك بعد ما أم كل واحد فيكم اتهانت في كرامتها وشرفها وأخلاقها بسببكوا”، تسارع كل واحد ينفي عن أمه الإهانة وأنه غير المقصود، ابتسمت وعاودت الحديث “لا معلش.. أم كل واحد فيكم اتشتمت واحنا سمعنا ده.. محدش فيكم بيزعل لما بنشتم أهلكم كده؟!.. وعلى فكرة اللى بتعملوه فينا بيتعمل في أمهاتكم كمان.. يعني في كل الأحوال سواء في البيت أو بره أمهاتكوا بتشوف إهانة”. أيد كلامي الرجل الذي يجلس خلفي “كلامك صح يا بنتي.. جبتي من الآخر.. عيال سو”، ثم فاجأني الرجل الذي سبق وتساءل عن رجولتهم الُمهدرة تحت أقدام “الجميلة” التي أهانت “المُسوخ” في حضورهم، باشتراكه في الحديث بمثل “العيل الخرا.. يجيب لأهله النعيلة”. توقف الأتوبيس فجأة عند الإشارة الموجودة قبل شارع التحرير، تحدث السائق مع أمناء الشرطة، وسمعت صراخ سيدة من شباك الأتوبيس “احنا قرفنا والله.. تعالوا خدوهم من هنا”، في لحظات كان أمين في مقدمة الأتوبيس وآخر بجوار الكمسري، وقبل أن ننتبه كانوا قد أمسكوا اثنين من “المسوخ” من الياقات وبدأ صراخهم “معملناش حاجة والنبي، حتى اسأل الركاب”. وجه الأمناء سؤالهم للجميع، قال سائق الأتوبيس بعصبية “مهو مش كل يوم تعملوا لي مشاكل.. يا باشا كل يوم من ده.. أنا عايز أعمل لهم محضر تعطيل.. دول هيجيبوا لي مصيبة مرة”، أيد كلامه عدد من النساء والرجل الذي يجلس خلفي والكمسري وأنا بالطبع، ولكن قبل أن تكتمل فرحتنا بنزولهم مذلولين، ألقت سيدة بنفسها عليهم “والنبي والنبي دول عيال.. وبعدين بيلعبوا عادي يعني.. والنبي ما تلطم أمهاتهم عليهم.. عيال بتلعب”. وكان هذا هو نموذج النساء والأمهات اللواتي يستحققن ضرب النار أو “الجزمة”، قاومها باقي الراكبات والركاب مصرين على أن ينال هؤلاء درس، حتى ظهر رجل طويل عريض المنكبين يضع سلاحه في جنبه ويرتدي ملابس مدني، عرفنا في ما بعد أنه ضابط مباحث، سأل الجميع عما يحدث، واستطعت تبين الرعب في وجوه “المُسوخ” التي بدت طفولتهم للمرة الأولي وهم يبللون سراويلهم، “عارف ياض منك له لو شفت وش واحد فيكم على الخط ده تاني هعمل فيكم إيه.. النهاردة آخر يوم أشوف خلقتكم”، واصطحب الأمناء ونزلوا. اهتز الأتوبيس مرة أخرى معلنا استكمال رحلته واستمرار الهمهمة، عادت السيدة التي سبق ودافعت عن “المُسوخ”، الذين ربما ذكروها بأطفالها الممسوخين، ومالت عليهم برفق وحنان “متخافوش محدش هيعملكوا حاجة.. خليكوا براحتكوا وانزلوا المحطة بتاعتكوا عادي.. والعبوا بشويش بعد كدة بلاش مشاكل”، رمقتهم بحنان وربتت على أكتافهم مشجعة لهم بأن يستمروا في سلوكهم ذاته. قبل أن أصل محطتي بمحطتين، تعالت ضحكات رفيعة لصغيرات يركضن ليستوقفن الأتوبيس، وما أن وطأت أقدامهن مؤخرته، حتى أصابهن الرعب من أن يتقدما خطوة واحدة، وقررن الوقوف مكدسات بالقرب من الباب، حاول الكمسري إقناعهن بالتقدم والابتعاد عن الباب ولكنهن فضلن الوقوف هكذا. في ثوان معدودة كان الرجل الذي يجلس خلفي وسبق أن أيد كلامي انتفض هائجًا “يدخلوا ازاي يا أشرف.. مش شايف العيال المعر.. اللى قاعدين ومستنينهم.. ونسيوا اللى حصل لهم من شوية عشان الحريم المتـ.. اللي دافعوا عنهم.. عدوهم يا ولاد اللبـ.. منك كله.. جتكوا القرف، احنا عرفنا اللى بتعملوه في بناتنا وحريمنا.. خلاص كله انكشف.. الواحد بقى يخاف عليهم يركبوا أتوبيسات من أشكالكم”. غضب أحد “المُسوخ” وصرخ “احنا معملناش حاجة بقى، المرة دي حرام عليكوا” وللمرة الثانية ظهرت طفولة في صوته المهتز الذليل ورغبته في البكاء، وترك مقعده وقفز من الأتوبيس وهو متحرك، رغم إصرار وإلحاح أصدقائه بأن يبقى، اقتربت محطتي تركت مقعدي وتقدمت، للمرة الأولى أعبر صفين من “المتحرشين” وهم ينظرون للأرض بخزي، بينما أسير أنا بثقة وعدم خوف من أياديهم العابثة. مال عليَّ الرجل الذي يجلس خلفي وقال بهدوء خجل “يا بنتي احنا بناتنا خلاص مبقوش يتكسفوا يحكوا لنا اللى بيحصل لهم.. وبقينا نقرا اللى بتكتبه الستات كل يوم عن التحرش.. مكناش بنصدق وبنقول أهو ده رغي ستات.. لكن كل يوم كل يوم نفس الحكايات والكلام عن التحرش يخلي مخ الواحد يتلخبط ويقول لأ، الموضوع ده بجد وبيحصل”، هززت رأسي وشبح ابتسامة يلوح على شفتاي ولسان حالي “اسألني أنا يا حج.. أنا كتبت وبكتب في الموضوع ده بإصرار يومي، والناس بيتهموني إني سيكوباتية”. نزلت من الأتوبيس، ولأول مرة يحدوني أمل وسعادة.

شاهد أيضاً

نبيل شرف الدين أشكر الله لرفض تأسيس نادى عيون مصر

في البداية أرجو أن تتسع صدورنا لمناقشة موضوعية هادئة دون تعصب أو تشنج، ولا ينكر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *