السبت , مايو 15 2021
القبطي

محمد السيد طبق يكتب التأثير القبطي في اثيوبيا.

 

ترتبط الكنيستين الٌقبطية والأثيوبية بروابط تاريخية قوية ؛ فمن الثابت تاريخيا أن أول من بشر بالمسيحية في أثيوبيا هو القديس فرومنتيوس وذلك عندما ذهب إلي هناك وبشرهم بالسيد المسيح ؛وعندما عاد إلي مصر رسمه القديس أثناسيوس بطريركا علي أثيوبيا تحت أسم “الأنبا سلامة “. وقصة فرومنتيوس كما هي مذكورة في كتب التاريخ تقول أنه كان يقوم برحلة هو وأخيه في البحر الأحمر ؛فتوقفت سفينتهم في أحدي المواني الأثيوبية ؛فأنقض عليهم الأهالي وأسروهم وقدموا الأخوين إلي الملك الأثيوبي ؛ فقربهم إليه وعينهم في مناصب هامة بالمملكة ؛وتوفي الملك بعد ذلك ؛فطلب الأخوان العودة إلي بلادهما ؛ ولكن الملكة طلبت منهما البقاء حتي يكبر أبنها ؛فوافق الشقيقان علي ذلك ؛وعمل فرومنتيوس في هذه الفترة علي نشر الديانة المسيحية بقدر ما يستطيع في أثيوبيا . وعندما كبر الطفل سمحت الملكة لفرومنتيوس بالعودة إلي بلاده ؛فتقابل مع البابا أثناسيوس الرسولي البطريرك العشرون من بطاركة الكنيسة القبطية وشرح له مدي احتياج المجتمع المسيحي هناك للخدمة والرعاية ؛فقام البابا أثناسيوس برسامته مطرانا علي الكنيسة الأثيوبية تحت أسم الأنبا سلامة ؛ وسمح له بالعودة إلي أثيوبيا لرعاية شعبها ؛ففرح به الأثيوبيون جدا .ولقد أستمرت الكنيسة المصرية بعدها في إرسال المطارنة المصريين إلي كنيسة أثيوبيا كلما أخبرهم ملوك أثيوبيا بوفاة المطران وطلب تعيين مطران آخر بدلا منه . وفي أواخر القرن الخامس الميلادي رحل مجموعة من الرهبان المصريين إلي أثيوبيا وأخذوا ينشئون الأديرة علي قمم الجبال الأثيوبية .وهكذا نمت الخدمة تدريجيا في البلاد الأثيوبية ورسخت .وفي القرن الثالث عشر حدثت حركة ترجمة ضخمة دفعت بالفكر الديني الأثيوبي إلي درجة عالية ؛ وكان هناك عاملان أساسيان ساعدا علي هذه النهضة ؛ العامل الأول التطور السياسي الداخلي في أثيوبيا ؛ أما العامل الثاني فلقد كانت الكنيسة المصرية تشهد نهضة ثفافية كبري في ذلك القرن انعكست بالتالي علي ربيبتها الكنيسة الأثيوبية .وفي تلك الفترة ظهر المطران “سلامة الثاني” الذي قام بحركة ترجمة واسعة للتراث القبطي إلي اللغة الأثيوبية ؛وكان أهم كتاب ترجم في هذه الفترة هو كتاب “المجموع الصفوي ” لابن العسال ؛ وهو كتاب يبحث في القوانين والمعاملات بين المسيحين بعضهم البعض مما دفع الأثيوبيون أن يتخذوه دستورا لحياتهم الدينية والمدنية معا . وكان من الطبيعي في ظل ذلك التأثير الثقافي الكبير أن تنتقل معه العديد من العادات والتقاليد القبطية إلي أثيوبيا منها الأحتفالات بالأعياد والأصوام . وأستمر الحال حتي القرن السادس عشر ؛ ففي ذلك القرن حكم أثيوبيا مجموعة من الحكام الصغار لم يستطيعوا السيطرة علي الدولة وشئون الحكم ؛ مما أدي إلي دخول المملكة في سلسلة طويلة من الحروب الأهلية أستمرت حوالي خمسين عاما نتج عنها تدهور شامل في أحوال الدولة ؛ وفي هذه الفترة ظهر الإمام “أحمد جراني ” أمير هرر ؛ وأجتاح الأمبراطورية الأثيوبية ودمرها تماما ؛ كما قام بحرق الكنائس والأديرة والكتب المسيحية ؛ كما ظهرت الأطماع البرتغالية في تلك الفترة ؛فأرسل الملك البرتغالي حملة عسكرية ضخمة أستطاعت القضاء علي أحمد جراني وقتله ؛ وهنا بدأ التوغل الكاثولويكي في المنطقة ؛فبدأ الرهبان اليسوعيون في تأليف عدة كتب باللغة الأثيوبية يشرحون فيها العقيدة الكاثولوكية ؛وفي أوائل القرن السابع عشر تولي أمر البعثة الكاثولوكية راهب يسوعي يدعي ” بدروبايز” ؛ وكان ذو مهارة عالية في اللغات والعمارة فأستقبله الأمبراطور الأثيوبي استقبالا حسنا ؛وقام بأعمال معمارية باهرة أستطاع بها أن يجذب بعض الأثيوبين إلي جانبه إلي درجة أن تحول الأمبراطور الأثيوبي نفسه إلي المذهب الكاثوليكي . مما أثار غضب الشعب فثاروا علي الأمبراطور وقتلوه ؛ علي أن خليفته أستمر في عقيدته الكاثولوكية بل فاق سلفه حتي أصدر منشورا ملكيا يقضي بإبعاد كل من يعارض العقيدة الكاثولوكية ؛وكان من جراء ذلك أن أندلعت الثورات ضده حتي أسقطوه وتولي أبنه الحكم ؛ وبمجرد تولية أبنه الحكم ؛قام بإتخاذ عدة إجراءت لتصفية وجود اليسوعين في البلاد ؛ومنها إعدام العديد من القساوسة الأثيوبين الذين أعتنقوا الكاثولوكية . ولكن في القرن التاسع عشر دخل البروتستانت في الصراع ؛وذلك عندما زار أثيوبيا أثنان من المبشرين البروتستانت في عام 1829 ؛ وبعدها بعشر سنوات أستطاعت البعثات التبشيرية الكاثولوكية أن تقيم لنفسها عدة مراكز تبشيرية في أثيوبيا . و بعدها ودخلت أثيوبيا في سلسلة طويلة من الصراعات اللاهوتية وصلت إلي ذروتها منتصف القرن التاسع عشر ؛ وفي وسط كل هذه الصراعات قام البابا بطرس السابع المعروف ببطرس الجاولي ( 1809- 1852 ) بإرسال القس داود الانطوني الذي صار فيما بعد البابا كيرلس الرابع المعروف بأبي الإصلاح ( 1816- 1861 ) إلي أثيوبيا وكان ذلك عام 1851م ؛ وقام القس داود بدور كبير في رأب الصدع الذي حدث في الكنيسة الاثيوبية . وفي عهد البابا كيرلس الخامس تولي عرش أثيوبيا امبراطور يدعي يوحنا الرابع (1872- 1889 ) . ففي عهده توطدت العلاقات مع الكنيسة القبطية كثيرا ؛إلي الحد الذي جعله يطلب من البابا كيرلس الخامس إعادة رسامة مطران قبطي لأثيوبيا ؛كما قام بطرد جميع المبشرين الكاثوليك والبروتستانت . ثم جاء الأمبراطور هيلاسلاسي الذي طلب من البابا يؤانس التاسع عشر رسامة أساقفة أثيوبين ؛فتمت رسامة المطران القبطي الانبا كيرلس في يوم 2 يونية 1929 ليكون هو المطران القبطي رقم 110 في سلسلة المطارنة الأقباط علي أثيوبيا ؛ كما رسم معه أربعة أساقفة أثيوبين ؛ وجعلهم يشاركون المطران القبطي مهامه الدينية في رسامة الكهنة وتكريس الكنائس … الخ وذلك تمهيدا لأن يكون مطران الكنيسة الأثيوبية من الأثيوبين بعد وفاة الانبا كيرلس . ولقد أستمر الأنبا كيرلس مطرانا علي أثيوبيا حتي توفي في 22 أكتوبر 1950 وقد عاني خلالها اكثيرا سواء من الأمبراطور الأثيوبي أو من سلطات الاحتلال الإيطالي لأثيوبيا . وبعدها تمت رسامة الأنبا باسيليوس كأول مطران أثيوبي علي أثيوبيا وكان ذلك في يوم 14 يناير 1951 حيث أزدحمت البطريركية بكلوت بك بكبار رجال الدولة وسفير أثيوبيا في القاهرة ؛ وفي عهد قداسة البابا كيرلس السادس (1959-1971 ) تمت ترقية الأنبا باسيليوس إلي درجة “بطريرك جاثليق ” وجائليق كلمة يونانية معناها “متقدم الاساقفة ” أو “بير الأساقفة” وهو من درجة البطريرك إلا أنه يليه ا في الكرامة . وتم توقيع بروتوكول تعاون بين الكنيستين القبطية والأثيوبية جاء في المادة الرابعة منه رفع مطران أثيوبيا إلي درجة بطريرك جاثليق ؛وأن يختار وفقا لتقاليد الكنيسة القبطية ؛ وأن يكون من الرهبان الأثيوبين ؛ ومنحت المادة السادسة من البروتوكول هذا البطريرك الجاثليق حق رسامة مطارنة وأساقفة علي الأماكن التي تري الكنيسة الأثيوبية أنها تحتاج إليهم فيها ؛ وذكرت المادة العاشرة تبادل التعاون العلمي والثقافي في مجال التعليم الديني بين الأساتذة والطلبة . وبموجب هذا البروتوكول تم منح كنيسة أثيوبيا الاستقلال الذاتي ؛ وبالفعل تمت رسامة الأنبا باسيليوس بطريرك جاثليق في يوم 28 يونيو 1959 في حفل مهيب حضره الأمبراطور هيلاسلاسي . ثم توفي الأنبا باسيليوس في 24 اكتوبر 1970 ؛ ولم يتم رسامة خلف له حيث توفي البابا كيرلس السادس بعده بحوالي 6 شهور في 9 مارس 1971 . وجاء بعده قداسة البابا شنودة الثالث البطريرك الحالي (أطال الله حياته ومتعه بالصحة والعافية ) فقامت الكنيسة الأثيوبية برسامة “بطريرك ” وليس “بطريرك جاثليق” حسب أتفاقية 1959 ؛ كذلك تمت بمعرفتهم بدون مشاركة بابا الإسكندرية حسب نص الأتفاقية أيضا . وعندما قامت الثورة الشيوعية في أثيوبيا أطاحت بالأمبراطور هيلاسلاسي ؛وسجنت البطريرك الأثيوبي ؛وطلبت من قداسة البابا شنودة الثالث رسامة بطريرك جديد بدلا من البطريرك المسجون ؛ فرفض البابا شنودة هذا الطلب لأن البطريرك المسجون مازال علي قيد الحياة ؛كذلك لم تتم محاكمته وثبوت أدانته . ولم تأخذ حكومة أثيوبيا برأي قداسة البابا شنودة وقرروا رسامة بطريرك جديد ؛مما أدي إلي حدوث قطيعة بين الكنيستين . وأستمرت هذه القطيعة حتي شهريوليو 2007 حين توسط بطريرك أرمنيا الكاثولوكيوس آرام الأول بين الكنيستين من أجل عودة العلاقات مرة أخري . وبالفعل تم الصلح وتم عقد ثلاثي بين البطاركة الثلاثة في الكاتدرائية المرقسية بالعباسية في شهر يوليو 2007 . كما قام البطريرك باولس بزيارة القاهرة ولقاء البابا شنودة في شهر فبراير 2010 . والجدير بالذكر أن هناك خمسة من باباوات الكنيسة القبطية قد قاموا بزيارة أثيوبيا علي مدي التاريخ . وهؤلاء الخمسة هم :- 1- الزيارة الأولي قام بها البابا ميخائيل البطريرك ال 67 من بطاركة الكنيسة القبطية ؛ وذلك في عهد الخليفة المستنصر عام 1036م ؛فلقد أنخفض فيضان النيل لعدة سنوات الامر الذي أثر علي الزرع وحدثت مجاعة عظيمة في البلاد ؛فطلب الخليفة المستنصر من البابا ميخائيل أن يسافر إلي أثيوبيا ويبحث الأمر مع الملك هناك ؛ وبالفعل سافر البابا ورحب به الملك كثيرا ؛ وهناك فاتحه البابا في موضوع نقص فيضان النيل علي مصر ؛فما كان من الملك إلا أن أمر بفتح السد الذي يجري منه الماء إلي الديار المصرية من أجل خاطر الأب البطريرك ؛ فجرت المياه إلي أرض مصر وزاد النيل بمقدار ثلاثة أذرع في ليلة واحدة حتي أرتوت أرض مصر . كذلك قام البابا ميخائيل بدور كبير في توطيد العلاقات بين الخليفة المستنصر وملك الحبشة 2- الزيارة الثانية هي التي قام بها الراهب داود الأنطوني السابق ذكرها 3- الزيارة الثالثة قام بها البابا يؤانس التاسع عشر خلال الفترة من 21 ديسمبر 1929 حتي 19 يناير 1930 ؛وفي هذه الزيارة قام برسامة مطران خامس لأثيوبيا 4- الزيارة الرابعة قام بها البابا كيرلس السادس؛ عندما رآس قداسته مؤتمر بطاركة الكنائس الآرثوذكسية الذي أنعقد في أديس أبابا خلال الفترة من 15 – 21 يناير 1965 ؛كما قام الأمبراطور هيلاسلاسي بزيارة مصر أكثر من مرة أشهرها عند افتتاح الكاتدرائية المرقسية الجديدة بأرض الأنبا رويس بالعباسية في 25 يونيو 1968 5- الزيارة الخامسة قام بها قداسة البابا شنودة الثالث البطريرك الراحل خلال الفترة من 11 – 13 أبريل 2008 إلي أديس أبابا .

شاهد أيضاً

مولد سيدى الراهب المشلوح

بقلم الدكتور عماد فيكتور سوريال في الحقيقة لم اعد انتظر للغد لموعد مقالتي بهدوء لأكتب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *