السبت , مايو 15 2021
ماجد سورس

حين لبس الأقباط المسوح

ماجد سورس

في القرن السادس الميلادي ضرب الوباء مدن نينوى وأربيل وكركوك بمنطقة العراق الحالية وكان هذا في أيام مار سبر يسوع أسقف هذه الإيبارشية الآشورية وقد لقى الكثير حتفهم جراء هذا الوباء الذي استمر قرابة أثنى عشر عاما وكانت مار سبر يصلي بلجاجة فظهر له ملاك الرب وذكره بشعب نينوى الذي تاب في القديم في أيام يونان النبي فرفع الرب غضبه عنهم بسبب توبتهم وقال الملاك إن لم يتوب الشعب لن يُرفع الوباء عنهم فأعلن هذا الأسقف عن صوم ثلاثة أيام منادياً ان يكون صوم للتوبة كصوم أجدادهم في نينوى وبالفعل رفع الرب عنهم هذا الوباء بعد اليوم الثالث .


في القرن العاشر الميلادي اختارت العناية الإلهية شخص سرياني يدعى إبراهيم بن زرعة ليكون بطريركا على الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بالإسكندرية بعد أن استقر في مصر وذاعت فضائله فسيم بطريركا باسم إبرام بن زرعة وهو من أضاف صيام يونان إلى الكنيسة وقد حدثت في أيامه معجزة نقل الجبل المقطم وهي معجزة مذهلة حيث عاصر حكم الفاطميين وكان يرأس الدولة في مصر الخليفة الفاطمي المعز لدين الله وكان لديه وزيرا يهودياً يكره المسيحيين بشدة اسمه يعقوب بن كلس أوعز للخليفة في البداية أن يناظر المسيحيين أمامه ليفضحهم أمامه فدعا الأنبا ابرام ليباحث اليهود في مسائل الدين في حضرته، لبى البطريرك الدعوة مصطحباً معه العالم الأسقف الأنبا ساويروس بن المقفع.


لم يستطع اليهود محاورة الأنبا ساويرس فأثار ذلك غضب بن كلس الذي قرر البحث في الإنجيل على ثغرة لا يستطيعون معها الرد أو التصرف، فانتهى في بحثه إلى آية في العهد الجديد يخاطب فيها المسيح تلاميذه ” لو كان لكم إيمان مثل حبة خردل، لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقل من هنا إلى هناك فينتقل، ولا يكون شيء غير ممكن لديكم.” (مت 20:17). عرض الوزير تلك الآية على الخليفة وطلب إليه أن يجبر المسيحيين إثبات زعم كتابهم هذا، راق اقتراحه للخليفة الذي كان يريد التخلص من الجبل الكائن شرق القاهرة، ومن ناحية أخرى فإن تملُص المسيحيين من تحقيق الآية الإنجيلية سيكون دليلا على بطلان دينهم ومعتقداتهم.


ويذكر كتاب “الخريدة النفيسة ” جزع الأقباط لهذا النبأ ولبس كبارهم وصغارهم المُسوح وفرشوا الرماد وذروا التراب على رؤوسهم وصرخ الشيوخ والأطفال إلى الرب وألقت الأمهات المرضعات صغارهن بلا رضاعة بالكنائس وصعد العويل والصراخ إلى الرب من كل حدب وصوب”، ففعلوا كما فعل شعب نينوى في القديم .
وكان فى حصن بابليون (مصر القديمة) مجموعة من رهبان وادى هبيب (وادى النطرون) فأمرهم البابا ألا يرحلوا إلى ديرهم ويمكثوا لمدة ثلاث ايام لمداومة الصلاة فى كنيسة السيدة العذراء بقصر الشمع المعروفة بالكنيسة المعلقة ليلاً ونهاراً فظلوا ثلاثة أيام ولياليها فى صوم وصلاة .


أما البطريرك صام صوماً إنقطاعياً فى الكنيسة المعلقة ولم يفطر طيلة النهار من الليل إلى الليل يأكل خبزاً وملحاً وماء يسير وظل واقفاً فى صلاه يبكى وتنهمر دموعه بين يدى الرب كل تلك الأيام ولياليها وفقد القوة على الحركة ولكنه جاهد فى الصلاة أكثر وفى صباح اليوم الثالث سقط البطرك القديس على الأرض من تعبه وحزن قلبه وصيامه الشديد وغفى غفوه قصيرة فرأى السيدة العذراء الطاهرة مارت مريم وهى تقول له بوجه فرح: “ما الذى أصابك “، فقال لها: “أنظرى حزنى يا سيدتي فإن ملك هذه الأرض هددني قائلاً إن لم تفعل آية ومعجزة وتنقل الجبل سأقتل جميع النصارى فى مصر وأبيدهم من خلافتي جميعاً بحد السيف..”.


فقالت له السيدة العذراء: “لا تخاف فإني نظرت إلى دموعك التي ذرفتها وسكبتها في كنيستي هذه، قم الآن وأترك المكان وأخرج من باب درب الحديد الذى يؤدى إلى السوق الكبير وفيما أنت خارج ستجد إنسان على كتفه جرة مملوءة ماء وستعرفه من علامته أنه أعور العين فأمسكه فهو الذى سوف تظهر عليه العلامة على يديه”، فاستيقظ البطريرك وذهب في الطريق الذى ذكرته السيدة العذراء فوجد الرجل الذي يدعى سمعان الخراز وخبره بما قالته السيدة العذراء مريم عند ظهورها له فعرف منه قصته وطلب سمعان منه ألا يحكى لأحد عنه لأنه ليس له مقدرة على تحمل مجد الناس بل الذى أقوله لك افعله أخرج أنت وكهنتك وشعبك كله إلى الجبل الذى يقول لك الملك عنه ومعكم الأناجيل والصلبان والمجامر والشمع الكبير وليقف الملك وعسكره والمُسلمين في جانب وأنت وشعبك في الجانب الآخر وأنا خلفك واقف في وسط الشعب بحيث لا يعرفني احد واقرأ أنت وكهنتك وصيحوا قائلين: يا رب ارحم.. يا رب ارحم ساعة طويلة ثم اصدر أمراً بالسكوت والهدوء وتسجد ويسجدون كلهم معك وأنا أسجد معكم من غير أن يعرفني أحد وافعل هكذا ثلاث مرات وكل مرة تسجد وتقف ثم ترشم الصليب على الجبل فسترى مجد الرب”، فلما قال هذا القول هدأت نفس البطريرك بما سمعه .


وجمع البطريرك الشعب وذهبوا إلى الخليفة المعز وقالوا له: “أخرج إلى الجبل “فأمر جميع عسكره ومشيريه وحكماؤه ووزراؤه وكتبته وجميع موظفين الدولة بالخروج وضربت الأبواق وخرج الخليفة ورجاله وفعل البابا كما قال سمعان الدباغ ووقف المعز ورجاله وصرخ الشعب من القلب يارب ارحم مرات كثيرة ثم أمرهم البابا بالسكوت وسجد على الأرض وسجدوا جميعاً معه ثلاث مرات وكل مره يرفع راسه يرشم الصليب على الجبل كان الجبل يرتفع عن الأرض وظهرت الشمس من تحته فإذا سجدوا نزل الجبل والتصق بالأرض وحدثت زلزله فخاف المعز خوفاً عظيماً وصاح المعز ورجاله: ” الله أكبر لا إله غيرك”، وطلب المعز من البطرك أن يكف عن ذلك لئلا تنقلب المدينة رأساً على عقب، ثم قال المعز بعد ثالث مرة يا بطرك عرفت أن دينكم هو الصحيح بين الأديان، فلما سكن الناس وهدأوا التفت البابا خلفه يبحث عن سمعان الدباغ الرجل القديس فلم يجده.
آمن بعدها المعز لدين الله الفاطمي وتنصر في معمودية مازال الأقباط حتى يومنا هذا يطلقون عليها معمودية السلطان موجودة في كنيسة أبي سيفين بمصر القديمة. اختفى المعز وترك الحكم لابنه ولا أحد يعرف قبر إلى الآن وتضاربت الروايات عنه وقال أنه أصيب بالجنون في آخر أيامه .
الأمر الذي أود أن أشير إليه من هذين الحادثتين سواء للقضاء على الوباء أو لنقل الجبال بالإيمان أن الله أعطى لشعبه النصرة على كل شيء إن تاب توبة حقيقية كتوبة أهل نينوى. كل عام وحضراتكم بخير

شاهد أيضاً

اليقين

بقلم : فيليب فكري يشغلني دائمًا ذلك اليقين الذي يتولد عند البعض بكل أريحية وسهولة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *