السبت , سبتمبر 18 2021
العدل

حكاية السيدة العجوز التي أبكت القاضى

بصوت جهوري قام الحاجب بالنداء على القضية رقم ٢٠، دخلت إلى القاعة امرأة عجوز في العقد الثامن من عمرها أو يزيد، تتوكأ على عصاها وتسير بخطوات مثقلة، وكأنها تجر خلفها أيام تصرخ من قسوة سنواتها الماضية، يتحسس لها الطريق طفل دون العاشرة.

أمر القاضي بإحضار كرسي، جلست المرأة العجوز تنظر إليه، وعيناها تتحرك في كل اتجاه كأنها فقدت السيطرة عليهما، أو أنها تبحث عن شيئ، وبصوت هادئ يطلب منها القاضي أن تتحدث قائلاً: طلباتك إيه يا ست فاطمة.

انذرفت الدموع على وجنتيها تسبق كلماتها قائلة: منذ سنين طويلة لا أعرف عددها توفي زوجي، وتركني وكنت لم اتجاوز الخامسة والعشرين من عمري وريعان شبابي، بكيت وصرخت حزنا عليه، وخوفا من المستقبل، وبعد أن عدت إلى منزلي فتشت عبثا في ملابسه قد أجد شيئا ما أقتات به ولداي الصغيرين، وأقسمت أن أكمل مشواري معهما، ولم أتركهما، ورفضت كل من تقدم للزواج مني، وعملت أجيرة في الأراضي الزراعية بمبالغ قليلة، ودبرت لهما المأكل، والملبس، وبعد فترة تقدم بي السن، ولم أعد أقوى على العمل في الأراضي، وغيرت نشاط عملي وتوجهت إلى العمل في المنازل كي أمكنهما من إكمال تعليمهما، وانتقلت من بيت لآخر أدبر لهم ثمن الكتب، والكراريس، والأقلام.

مرت سنوات أخرى، وأنهى ولداي التعليم، وعملا بالتجارة، وتزوجا لكنهما نسياني تماما، وتركاني دون مورد رزق بعدما قعدت تماما عن العمل، وعشت على صدقات الجيران، بينما هما يكنزان الأموال، وبصوت يشوبه حزن قالت: أنا لا أحقد عليهما، لكنني تركت كل مغريات الحياة من أجلهما، وهذا واجبي نعم، لكن أين واجبهما هل أموت جوعاً؟ وكل ما أريده هو مبلغ قليل ثمنا لدوائي، وطعامي، وسكتت الأم العجوز عن الكلام وبلا مقدمات وقعت من فوق الكرسي مغشيا عليها.

على الفور رفع القاضي الجلسة وطلب إحضار طبيب، وسط ذهول الجميع الذين أشرأبت أعناقهم، وتعالت، وتعاظمت الدهشة على وجوههم عندما أخبرهم الطبيب بأنها توفيت، وصعدت روحها إلى بارئها، بكي القاضي، وانذرفت دموعه بغزارة شديدة.

وبالرغم من مرور سنوات عدة على هذه الواقعة إلا أن المستشار أحمد أبو السعود الذي كان قاضيا يترأس هذه الجلسة بمحكمة بني سويف مازال يبكي عندما يتذكر حكاية الست فاطمة.

شاهد أيضاً

إثيوبيا تستغيث بأمريكا

لم تمض سوى ساعات قليلة على العقوبات التي أعلنت أمريكا  فرضها على الحكومة الإثيوبية في إقليم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *