الأحد , سبتمبر 19 2021
مجلس الأمن

أمريكا مع إسرائيل.. وروسيا مع إثيوبيا !

عاطف معتمد

في عام 1956 هددت موسكو بقصف عدد من العواصم الأوروبية إن لم ينسحب العدوان الثلاثي من قناة السويس وسيناء. المدهش أن القوى الاستعمارية انصاعت للمطلب السوفيتي مرعوبة من التهديد النووي وانسحبت من القناة وسيناء وخرج جمال عبد الناصر أمام جموع المصريين بطلا قوميا خرافيا مع إخفاء حقيقة الدور الروسي وإخفاء سيستمر لاحقا أننا كنا نراهن ونغامر ونقامر على التنافس بين الأقطاب العالمية. ليلة أمس من شهر يوليه عام 2021 تعجب الناس من أن روسيا لم تؤيدنا في مجلس الأمن في قضية أزمة سد النهضة، التي لا تقل خطرا عن احتلال سيناء. السؤال هو: لماذ توقعنا تأييدا من روسيا؟

1. يخلط المصريون بين السياسة والإعجاب المتبادل بين الشعبين المصري والروسي وافتنان الرجال المصريين بفتيات ونساء روسيا. حين كانت هناك سياحة في مصر وكان يأتي 4 ملايين مهووس روسي بجمال الطبيعة المصرية وهوائها وبحرها كان الناس يعتقدون أن هذه الملايين تعبد مصر دون سواها. الحقيقة أن الروس يذهبون أيضا إلى إسرائيل وإلى فيتنام وتايلاند وإلى تركيا وإلى قبرص واليونان.

لا يتعلم الروس من المصريين على البلاجات في شرم الشيخ والغردقة أي شيء حضاري ولا يتأثرون بالثقافة المصرية بل يقعون أسرى ورهائن لمرشدين سياحين مستغلين ويعانون الأمرين من تعاملات لا تليق بدولة تزعم أنها صاحبة حضارة من آلاف السنين. مصر بالنسبة لروسيا مقصد سياحي رخيص وليست قبلة سياحية بالمعنى الاحترافي الحضاري للكلمة.

2. الرئيس الروسي الحالي فلاديمير بوتين صاحب مقولة شهيرة مفادها أن اكبر خسارة منيت بها روسيا في تاريخها هو “انهيار الاتحاد السوفيتي”. دعونا نتجرأ ونقول إن مصر ساهمت في سبعينيات القرن العشرين في عهد السادات في واحدة من مشاهد هذا التفكك حين بدأت في طرد الخبراء السوفيت وإخراج النفوذ الروسي من مصر وتمهيد المشهد للتفرد الأمريكي في الشرق الأوسط، حدث كل هذا بينما الأسلحة السوفيتية والخطط السوفيتية والخبرات الفنية السوفيتة وحرب أكتوبر تدار بأسلحة روسية! حدث هذا والسد العالي (سد نهضة مصر آنذاك) يحمي مصر من الفيضانات ويوسع الرقعة الزراعية بسبب ما قدم الاتحاد السوفيتي من دعم لا نظير له.

3. ثم ساهمت مصر في تحالفها مع السعودية خلال الغزو السوفيتي لأفغانستان في تقديم غطاء شرعي لما عرف باسم المجاهدين العرب إلى أفغانستان. كانت الأوامر أمريكية والتمويل سعودي والتغطية الإعلامية والثقافية مصرية.

4. في التسعينيات والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين لم يكن لمصر أن تفعل شيئا وروسيا في حالة تفكك وتتعرض لأزمة داخلية واقتصر الأمر على زيارات باردة للرئيس حسني مبارك.

حين كان مبارك ينزل من الطائرة كان الإعلام الروسي يمهد لزيارته بعشرات العناوين التي تؤكد للشعب الروسي أن رئيس بلد الأهرامات الذي تلقى تعليما عسكريا في أكاديمية “فارونيش” قرب موسكو عاد إلى زيارتنا.

مبارك لم يغير شيئا من المعادلة التي خسرتها روسيا في مصر والشرق الأوسط بسبب السادات، استمر الرجل يؤكد في كل مرة أنه “ورث” هذا الوضع ولم “يخلقه”.

5. استقبلت روسيا الرئيس محمد مرسي بكل شك وريبة بنفس الطريقة التي كانت تستقبل بها قادة حماس، وهو استقبال مغاير تماما لاستقبال قادة إيران الإسلاميين الأكثر استدامة والأبعد في التحالف وأعداء الولايات المتحدة الدائمين. نجاح تجربة الإخوان في مصر كان يعني انتصارا لتركيا: عدوة روسيا عبر التاريخ.

6. استبشرت روسيا – وإن لم تعلق آمالا كبيرة – على التغير الذي حدث في مصر منذ الرئيس السيسي خاصة أن الزيارات المصرية كانت مكثفة ومتعددة إلى موسكو في وقت كانت علاقات مصر مع الغرب في أسوأ حالاتها.

كانت موسكو هي القبلة تقريبا في سنوات 2014/ 2016 وكادت روسيا تستثمر هذا الموقف في تقديم مقترحات بوجود روسي على “الأرض” في مصر ، وجود “استراتيجي” فعلي وليس سياحي على الشاطئ والبلاجات.

لم يستمر الأمل الروسي أكثر من عامين، سرعان ما حدثت انفراجة بين مصر والغرب برعاية خليجية وعادت تيارات الاتصال ساخنة بين مصر والولايات المتحدة إلى سابق عهدها. راقب الروس ما يجري في مصر وتأكدوا أن العلاقات المصرية –الأمريكية أو المصرية –الأوروبية أقوى بكثير من العلاقات المصرية – الروسية وأن شيئا لم يتغير تقريبا منذ زمن السادات.

7. تمثل إثيوبيا لروسيا أرضا بكرا يصلح فيها الاستثمار والحضور الجيوسياسي كما تمثل ورقة ضغط على مصر في أية علاقات ثنائية مقبلة في أي مجالات استراتيجية أو جيو استراتيجية.

الاستثمار الروسي في إثيوبيا أكثر فائدة على المدى الطويل، مصر في عيون روسيا دولة تشكلت بوصلتها تماما (لا أقول شاخت جيوسياسيا) مصر دولة صار انتظار خروجها من الاستحواذ الأوروأمريكي أمرا بالغ الصعوبة وغير منتظر ولا متوقع تغييره في المستقبل المنظور.

8. روسيا الجديدة على علاقة وثيقة بإسرائيل ولا توجد أية تجارب عداء أو مشاكسات، هناك مليون مواطن إسرائيلي من أًصل روسي لهم إعلامهم وأحزابهم, روسيا مؤثرة أيضا في إسرائيل وتكشف الداخل بوضوح. ولا يوجد أي موانع من تعاون إسرائيلي روسي في أي قضايا في اقتسام النفوذ في إفريقيا الشرقية خاصة مع حضور تركي في بعض موانئ السودان ومحاولات للحضور أكثر في شرق إفريقيا أيضا.

هل أدهشنا مجلس الأمن؟ المدهش أن نندهش حقا! لا أحد يقدم أي شيء في عالم اليوم بدون مقابل، المواقف التي تتخذها الدول في مجلس الأمن أقرب إلى المواقف التي يتخذها الأفراد في مجلس القسم أو مجلس الكلية أو مجلس الإدارة في شركة أو مصنع.

الناس لا يدخلون هذه الاجتماعات ليفكروا في ماذا سيفعلون وأية المواقف سيتخذون؟ التكتل والتحالف و”التربيط” يتم قبل الاجتماع. لا يأحد يذهب إلى الاجتماعات وهو يقول “يارب انصرني”.

روسيا لم تفعل أي شيء مدهش، روسيا تصرفت بكل براغماتية وحسابات المصالح المراوغة إيمانا بانه مضى زمن التحالف الأيدولوجي لنشر الشيوعية والتبشير بيسوعية الحل الروسي لمشاكل العالم النامي، الآن تؤمن روسيا بان لكل شيء ثمن، ادفع أولا كي أقدم لك دعما “.

ما حدث ليلة أمس كشف للمصريين عن حقيقة بدهية: أمريكا تناصر إسرائيل، وروسيا تقف بجوار إثيوبيا..ما العمل؟يدهشنا أن السؤال الأخير “ما العمل؟” هو أحد أشهر الأسئلة الوجودية في روسيا، بل هو عنوان أحد أشهر مؤلفات زعيم الثورة على الملكية فلاديمير لينين قبل 100 سنة، لم ينته هذا السؤال في روسيا ولن يختفي من أي دولة في العالم .هنا في مصر لا بد أن نفكر ونتصرف بعد أن نجيب بشكل صحيح على السؤال:

ما العمل؟

شاهد أيضاً

محاكمة فتاة الفستان

بقلم / د. رفعت رشدي كالغزال بين أضراس الضباع سحقاً لعصابة الرعاع أوقعوها فى الشراك …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *