الثلاثاء , يناير 4 2022
أخبار عاجلة
مختار محمود

أسلحة صامتة لحروب هادئة!

مختار محمود

في لحظة مباغتة.. شغل الإعلامي البارز عمرو أديب الرأي العام المصري بـقضية تهنئة لاعب الأهلي ومنتخب مصر الأول لكرة القدم محمد أبو تريكة بعيد ميلاده الثالث والأربعين. المذيع المثير للجدل اعتبر تهنئة الأهلي للاعبه الأسطوري خيانة وتجاوزًا وخطأ لا يُغتفر.

عمرو أديب مثل أحمد موسى ونشأت الديهي ومحمد الباز ويوسف الحسيني غير مسموح لهم بالتفكير والاجتهاد، بل يقولون ما يُملى عليهم دون اعتراض أو احتجاج.

الطريف.. أن كثيرًا من حاملي ألوية الوطنية هذه الأيام كانوا يعيشون في محميات جماعة الإخوان الإرهابية ومحمياتهم الطبيعية والصناعية، ويأكلون على موائدهم ويُقبلون أيادي وأحذية كبرائهم أمام كاميرات التصوير دون خجل أو وجل.

وسائل الإعلام في دول العالم الثالث تُستخدم طول الوقت ضد الشعب: خداعًا وتجهيلاً وتغيييًا عن الواقع، كما تعتمد الحكومات والأنظمة عليها في إلهاء الشعب وإبعاده عن القضايا المهمة والجادة والضاغطة والحيوية.

قضية أبو تريكة واحدة من تلك الأدوات التي يتم الزج بها مرة واثنين وثلاثًا كل عام؛ ضمن خطة الإلهاء.

طرحَ عمرو أديب هذه القضية في هذا التوقيت؛ ليس بسبب كراهيته للنادي الأهلي المُعلنة والصريحة من جانبه، ولا ردًا على هزيمة فريقه القاسية والمذلة أمام الفريق الأحمر قبل أيام ؛ ولكن بهدف ملء الفضاء الإلكتروني بسجالات وملاسنات لا تنتهي، معظمها يدافع عن أبو تريكة، وقليل منها يندفع في الإساءة إليه.

شخصيًا..لست مشغولاً بإدانة اللاعب أو تبرئته، علم ذلك عند ربي، لا يضل ربي ولا ينسى. حقيقة الأمر تكمن في إلهاء الناس وشغلهم فترة ليست قصيرة بمثل هذه الإشكالية عن واقع بائس وأزمات اجتماعية واقتصادية لا تخطئها سوى العيون الرمداء والضمائر المرفوعة من الخدمة.

قبل عشر سنوات..أعدَّ المفكّر الأمريكي نعوم تشومسكي قائمة اختزل فيها حزمة من الإستراتيجيات والطّرق والوسائل التي تلجأ الحكومات والانظمة الحاكمة إليها؛ للسيطرة على الشّعوب وإخضاعها بأقل مجهود وأدنى تكلفة. من بين هذه الإستراتيجيات: استراتيجيّة الإلهاء.

هذه الاستراتيجيّة.. تتمثل في تحويل انتباه الرّأي العام عن المشاكل المهمة والتغييرات التي تقرّرها النّخب السياسية والإقتصاديّة، ويتمّ ذلك عبر وابل متواصل من الإلهاءات والمعلومات التافهة، كما حدث أمس من عمرو أديب.

إستراتيجيّة الإلهاء ضروريّة أيضًا لمنع العامة والدهماء من الاهتمام بالمعارف الضروريّة.

في كتاب معروف وهو: “أسلحة صامتة لحروب هادئة”..نطالع بعضًا من القواعد الحاكمة لإشغال الرأي العام، من بينها: “حافظ على تشتّت اهتمامات العامة، بعيدًا عن المشاكل الاجتماعية الحقيقية، واجعل هذه الاهتمامات موجهة نحو مواضيع ليست ذات أهمية حقيقيّة..اجعل الشعب منشغلاً، منشغلاً، منشغلاً، دون أن يكون له أي وقت للتفكير، وحتى يعود للضيعة مع بقيّة الحيوانات”.

ولعل إشكالية تهنئة أبو تريكة التي طرحها عمرو أديب وما خلفته وراءها من مظاهرات إليكترونية مؤيدة ورافضة تندرج ضمن أدوات إلهاء الشعب.

الإسراتيجية الثانية تقع تحت عنوان: “ابتكر المشاكل ثم قدّم الحلول”؛ حيث يتم تصدير أزمة مفتعلة: “مالية/ اجتماعية/ حقوقية” للشعب والتخويف منها، قبل أن يتم التدخل في وقت مناسب لنزع فتيلها، وقد تكون في الوقت ذاته ستارًا لتمرير أمور أخرى.

عمرو أديب يؤدي دوره بنجاح أيضًا في هذه الإستراتيجية.

أما ثالث هذه الإستراتيجيات فهي تقوم على: إبقاء الشّعب في حالة جهل وحماقة، وتنص على ضرورة أن تكون نوعيّة التّعليم المقدّم للطبقات السّفلى هي النوعيّة الأفقر، بطريقة تُبقي الهوّة المعرفيّة التي تعزل الطّبقات السّفلى عن العليا غير مفهومة من قبل الطّبقات السّفلى، وهو ما تشهد مصر حاليًا، حيث يعيش التعليم الرسمى أسوأ عصوره، في الوقت الذي يظهر فيه وزير التربية والتعليم بانتظام وكثافة عبر برنامج عمرو أديب؛ ليس ليبرر عجزه وفشله، ولكن ليُحمل الشعب المسؤولية كاملة عن أوزاره وخطاياه.

الشعب دائمًا وأبدًا –بحسب هذه الإستراتيجيات- يجب أن يظل هو المخطيء والمقصر والعاجز والفاشل. الإستراتيجية الرابعة تعتمد على تشجيع الشّعب على استحسان الرّداءة والقبح. عمرو أديب وأقرانه لا يدخرون جهدًا في تنفيذ هذه الإستراتيجية من خلال الاحتفاء الأعمال الفنية المبتذلة مثل: “ملوك الجدعنة”، واستضافة رموز القبح والرداءة وتعظيم شأنهم مثل: محمد رمضان وحموبيكا ومَن على شاكلتهم.

شاهد أيضاً

نفر ما فى كويس !

في عام 2004 وصلت إلى مدينة الأحساء في شرق السعودية للتدريس في جامعتها بقسم الجغرافيا. …