الأربعاء , يناير 5 2022
أمنحوتب الثالث

الدكتور عاطف معتمد يتحدث عن الأقصر (1)

سافرت إلى الأقصر الأسبوع الماضي، أمضيت خمسة أيام بين شوارع وأزقة مدينة الأقصر التي تسمع في حوانيتها القرآن الكريم بصوت المنشاوي وترى صور الإمام الطيب، شيخ الأزهر، معلقة على الجدران، وركبت المعدية التي تكلفك جنيها واحدا إلى البر الغربي الذي يمكن تسميته “مدينة كبرى لعالم الآخرة”.

لو أن هناك مكانا للراحة والتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب الأفكار فأنصحك أن يكون متحف الأقصر وجهتك، لا سيما أنه يطل مباشرة على ضفاف النيل من الجهة الشرقية.

ولو أن هناك لؤلؤة فريدة في هذا المتحف العظيم يمكنك أن تقف أمامها فلعلني أقترح أن تقف مليا أمام التمثال المرفق صورته.

تتجسد في هذه الأعجوبة أربعة دلالات على الأقل:

1- الجيولوجيا يعد هذا التمثال تحفة فريدة لنوع نادر من الصخور الذي نسميه تجاوزا في مصر “الألباستر” ويسميه علماء جيولوجيا الآثار “الترافرتين”.

وإذا كانت معظم التماثيل قد نحتت من الجرانيت أو الحجر الرملي وقليل من الحجر الجيري فإن الألباستر نادر الوجود في الطبيعة ولا يمكن العثور عليه بسهولة لأنه مدفون في عروق فريدة تحت السطح في مواضع بعينها من صحراء مصر الشرقية فيما بين النيل والبحر الأحمر وفي طبقات دون غيرها من الصخور الجيرية.

حتى في الميدان والبحث الجيولوجي المعمق على الأرض لا يمكن التعرف على هذه الصخور إلا بخرائط جيولوجية تفصيلية كالتي توصل إليها الجيولوجيون والمهندسون والجغرافيون في عهد أمنحتب الثالث قبل نحو 3400 سنة، يقف أمنحتب الثالث الذي نراه على اليمين في هذا التمثال محاطا ببركة وحماية “سوبك” الذي يجسده إنسانا برأس تمساح يحمل على رأسه كل صفات المعبودات الأخرى.

2- المناخ القديم يعبر هذا التمثال عن دلالة منناخ قديم وفير المياه. فصخور الترافرتين (الألباستر ) في حقيقتها نوع من الترسيبات التي احتضنتها بيئات أنهار قديمة وحياة من الكهوف العميقة التي مر عليها عشرات آلاف السنين قبل أن تبدأ الحضارة في وادي النيل.

تقع محاجر الألباستر في عمق صحراء المنيا وأسفل غطاء صخري من الحجر الجيري باهت اللون.

وتؤشر على طبيعة سيادة مناخ الكارست أو مناخ معبر عن مياه جوفية كانت نشطة وأنهار كانت عميقة تختفي وتظهر في الهضبة الشرقية للنيل.

وبصفة شخصية لم أتمكن من معرفة هذه المحاجر في صحراء مصر الشرقية إلا بفضل بعض زملائي من الأثرييين والجغرافيين في مثل هذه الأيام من العام الماضي.

3- لمحة من الدينيبدو في التمثال أحد المعبودات المصرية القديمة الذي يجسده رأس التمساح أو المعبود الشهير باسم “سوبك”.

يعطينا هذا التمثال أهمية عن فكرة التوازن بين الخير والشر.

وإذا كنا هنا في الأقصر فإنه على بعد 160 كم إلى الجنوب سنجد في معبد كوم أمبو شطرا كاملا مخصصا لتقديس معبود الشر ” سوبك” وفق المفهوم الشعبي الذي اشتهر بأنه يلتهم الأطفال ويقتل الفلاحين على ضفاف النيل.

في توزان الشر هنا يقدم سوبك للملك الشاب أمنحتب الثالث علامة الحياة “عنخ” في إشارة إلى حمايته من الموت وضمان الخلود عبر آلاف السنين بل عبر “ملايين السنين” كما يطلق على بعض معابد الأقصر.

ينبهنا علماء الآثار إلى طريقة وضع اليدين التي يقف بها أمنحتب الثالث مستمعا إلى صلوات ومباركة سوبك، يضع أمنحتب الثالث كفيه على الفخذين، تماما كما سيفعل أبناء الديانات الحديثة لاحقا.

4- التكامل الجغرافي:لا يقف هذا التمثال ليعبر عن نقطة موضعية ورقعة محلية بل هو توحيد جغرافي وتكامل مكاني.

لقد عثر على التمثال الحالي بعد آلاف السنين من تشكيله في بلدة أرمنت جنوب الأقصر وذلك في عام 1967. ورأينا كيف جاءت الصخور المرمرية من كتلة وحيدة فريدة من الصحراء الشرقية، ونزل بها العمال إلى نهر النيل في المنيا وصعدوا بها النهر في اتجاه الأقصر واتخذوا دلالات ورموز الجنوب في أثر النيل وسوبك على المعتقدات. ويضاف إلى التكامل المكاني التكامل البشري خاصة أن العمال والفنيين والمهندسين والجيولوجين والجغرافيين الذين أقاموا هذه التحف الخالدة جاءوا من كافة أرجاء المجتمع المصري وعاشوا في مجتمع نادر كشفت عنه التنقيبات الحديثة أسرارا ستغير وجهة نظرنا عن حياة مصر القديمة خاصة في المستعمرة الرائعة المسماة “دير المدينة”، والتي أتممت زيارتها وأرجو أن أكتب لكم عنها في المقبل من الأيام بإذن الله.

شاهد أيضاً

مبادرة انصتوا لجيل الوطن

بقلم سوزان احمد على حلم اسعى لتحقيقه ……مستقبل مشرق لجيلنا جيل المستقبل اصبو لتطبيقه مطلوب فيه الإنصات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *