الأحد , نوفمبر 27 2022
ماجد سوس

بين الخلاف والاختلاف ضاعت المحبة

ماجد سوس

ظاهرة سيئة انتشرت هذه الأيام في مجتمعاتنا وكنائسنا، تنجلي بوضوح في وسائل التواصل الاجتماعي. ظاهرة عانى منها الرسول بولس في كورنثوس “أنا لبولس وأنا لأبولس”، تحزبات وشللية مع فلان لا علان أو العكس، وعليك أن تحسم أمرك مع من تقف،إما مع فريق ضد الآخر أوتصمت. ظاهرة غير كتابية وغير آبائية بل وغير إنسانية.

ليس أحد كاملاً ولو كانت حياته يوماً واحداً على الأرض فقد سجل لنا الكتاب أخطاءً وقع فيها أعظم رجال الله. لذا تعلمنا في دراسة الكتاب المقدس أننا نستطيع أن ننتقد تصرف أي إنسان في الكتاب المقدس مهما كان مركزه ماعدا تصرفات الله له كل المجد. الكل تحت الضعف “الجميع زاغوا وفسدوا معا. ليس من يعمل صلاحا ليس ولا واحد.” (رو 3: 12). “إذ الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله،” (رو 3: 23).

نحب أبونا آدم وأمنا حواء لكن لنا الحق أن ننتقد تصرفاتهما حين سمعا للحية، وحبنا لنوح البار لا يمنعنا من أن ننتقده حين سكَرَ وتعرّى، وعظمة موسى رئيس الأنبياء لا تمنع انتقاده حين قتل المصري أو حين كسر لوحي العهد. من مثل داود النبي وقد نعتب عليه حين ترك شعبه للحرب وزنى بعد أن قتل زوج من زنى معها. أحب بولس الرسول جدا لكني أختلف معه حين أحرج بطرس أمام الجميع وعاتبه علنا وكنت أفضل أن يعاتبه سراً.

الأمثلة كثيرة جدا في التاريخ لآباء عظام نحبهم ونحترمهم واختلافنا معهم في بعض الأمور لا يقلل من خدمتهم وتعبهم ولا يعني مطلقاً أننا على خلاف معهم. فقد قام البابا ثاؤفيلس البابا ال ٢٣ لكنيستنا بحرمان القديس يوحنا ذهبي الفم وكتاباته وقد جاء بعده البابا كيرلس عامود الدين ورفع الحرم المفروض على ذهبي الفم وكتبه واعتبرت الكنيسة الرجلين قديسين.

نحب البابا يوساب الثاني ال١١٥ فقد كان بطريركا عالما عظيما درس اللاهوت في جامعات أثينا زكان يجيد الفرنسية واليونانية والقبطية بجانب العربية وتعتبره كنيسة أثيوبيا قديساً فهو من عين لهم بطريركهم الأول ولكننا من حقنا أن ننتقد ضعف شخصيته والتي تسببت في نفوذ سكرتيره الخاص “مِلك” الذي كان يتلقى الأموال لقاء بيع الرتب الكنسية لغير المستحقين، وهي جريمة خطيرة تسمى بـ”السيمونية” (نسبة إلى سيمون الساحر الذي أراد شراء مواهب الروح القدس بالمال، والقصة مذكورة في سفر أعمال الرسل).

غضب البابا كيرلس السادس يوماً على الأنبا شنودة أسقف التعليم وأجلسه في ديره ومنعه من رئاسة تحرير مجلة الكرازة. وغضب من الأب متى المسكين لأنه أراد التوحد بعيدا عن دير السريان وقام رئيس دير السريان بتجريد الأب متى من رتبته وبعد سنوات قليلة صالح البابا كيرلس الطرفين وأعاد الأنبا شنودة لأسقفيته ومجلته. وأعطى الأب متى دير أنبا مقار ليعمره. هل يقلل هذا من عظمة الثلاثة وهل يمنع هذا من انتقادك لتصرف أيا منهم بروح التقوى والمحبة.

المشكلة يا أحبائي في رأيي الشخصي تكمن في تأليه الأشخاص ووضعهم في عصمة فوق الخطأ والمحاسبة حتى أننا لا نقبل فيمن نحب أن يُنتقد، ولكن نسرع جداً في انتقاد من لا نحب. الأغرب هو رفضنا أن يكون بيننا من يحب الكل ويقف في مسافة متساوية من الجميع .

كانت تربط والدي علاقة قوية جدا بالبابا شنودة والأب متى المسكين في ذات الوقت وقد حررا كلاهما توكيلا لوالدي ثقة فيه وكنت أعمل محاميا مع والدي وكنت امسك بيدي التوكيلين وأقول مازحا سأحرر محضر صلح بينهما وكان البابا شنودة يعلم أننا نحبه ونحب ابونا متى في ذات الوقت وكان يعلم أن دار مجلة مرقس التي يصدرها دير أنبا مقار، كانت يوماً في إحدى غرف مكتبنا وحين زار البابا شنودة دير أبومقار كتبتُ مقالا كبيرا على صفحتين في مجلة روزاليوسف عن علاقة البابا شنودة بالأب متى المسكين وقدمت نسخة من المجلة للمتنيح البابا شنودة وقرأها أمامي وشكرني وقلت له يا ابي رهبان ابومقار يحبون قداستك وقد وضعوا صورة كبيرة لزيارتكم في صالة استقبال الزوار وكان حديثا وديا جميلاً.

البابا شنودة رجلا عظيما ومعلما قديرا، ولكن ما المشكلة إن اختلفنا معه في إدارة ملف المحاكمات الكنسية لقد رفضت الكنيسة ما حدث في محاكمة البابا ديسقوروس في مجمع خلقيدونيا حين تم منعه من حضور محاكمته، بل ومنع القضاة المدنيين من الحضور، وقد كانت المجامع تعطي فرص عديدة للمدعي عليه ليدافع فيها عن نفسه وأفكاره.

البابا ديسقوروس هذا البطل حين قرأ رسالة من أوطاخي يعدل فيها عن هرطقته، أعاده لحضن الكنيسة ولم يلتفت للهجوم عليه وحين عاد أوطاخي إلى هرطقته حكم عليه مره أخرى. هكذا آبائنا كانوا يعدلون عن قرارات من قبلهم طالما قادهم روح الله لذلك.

أعجبني البابا الإصلاحي المحب البابا تواضروس – أطال الله عمره – الذي حين تبوأ الكرسي المرقسي نظر إلى كل الآباء المُعَاقبين والموقوفين من قبل وأعاد الكثيرين إلى حضن الكنيسة معطياً إياهم فرصة جديدة، ولِما لا وهو مسيح الرب الذي يتمثل بالرب المسيح.

أعرفُ أن هناك من يختلف معه في أمر ما أو أكثر وهذا أمر مقبول أيضاً وقداسته يقبل الجميع ويتحمل الكثير ويتحلى بالصبر. رسالتي لمن يختلف معه أن يكون اختلافك بكل تقوى ولياقة واحترام في إطار البنوة الروحية وفي ضوء تعاليم المسيح فهو رئيس شعبك فلا تقل فيه سوء وعليك أولا أن ترسل له اعتراضك بينك وبينه ويمكنك أن ترسل له رسالة برأيك وتذكّر دائماً أنه المسؤول الحالي أمام الرب، عن كل نفس في الكرازة وعلينا أن نعطيه فرصة ليقود الكنيسة كما يقوده روح الله ودون أن نطلب منه أن يكون نسخة من بطريرك آخر.

اِختلف يا عزيزي كما تشاء لكن وأنت تختلف لا تسقط المحبة ولا تظن السوء وأجعله اختلافاً لا خلافاً، احترس لئلا تقع في إدانة أشد خطراً عليك مما تختلف فيه.

شاهد أيضاً

الأقباط رواد التعليم ..المدرسـة الصناعية القبطية الكبرى ببولاق

فكر الأقباط لأول مرة فى تاريخ مصر فى إنشاء مدرسة للتعليم المهنى فى المناطق الشعبية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *