الأربعاء , نوفمبر 30 2022
نانا جاورجيوس

الربيع العربى في ذمة داعش

فجأة أصبحت داعش الفزاعة التي تهدد أمن دول الخليج بعد إستيلائهم على آبار النفط و سيطرتهم على مدن و محافظات عراقية بأكملها وعلى قواعد عسكرية ليصبح أغنى تنظيم إرهابي بالعالم، وبتمويل أغلبه سُني سعودي لمحاربة الشيعة ممثلين في نور المالكي و القضاء على العلوية ممثلة في بشار الأسد!

ولأن الخيانة دائماً تبدأ من الداخل فقد قويت شوكة داعش بمليشيات سُنية مسلحة وعناصر من ضباط وجنود الجيش العراقي السُني المنشق بقيادة البعثي السُني عزت الدوري الرجل الثاني أبان حكم صدام حسين، ذلك الجيش الذي فككته أمريكا قبل تركها العراق على جمر من نار! قامت تركيا بدور الوسيط للتوفيق بين البعثيين وداعش للسيطرة على المناطق السُنية والشيعية حتى بات إستيلائهم على بغداد قريب لتسليم الحكم لقوة سُنية.

مسلسل تدميري العراق وسوريا، تقوده تركيا وشخصيات ثرية سعودية ما بين أساتذة جامعات و رجال أعمال وقيادات دينية. تزامناً مع تصريحات السيناتور الجمهوري جون ماكين بأن الكثيرين من السعوديين يمولون مليشيات داعش. و بالإضافة لتصريح المالكي في نوفمبر2013 بأن السعودية هي الدولة العربية الوحيدة التي تقف ضد العراق! وتصريح أخر في يونيو2014 بأنه يحمل السعودية مسؤولية الدعم المالي، لداعش، فكل الأحداث والتصريحات تؤكد أن السعوديين يمولون مجاهدي داعش بالإتفاق مع المخابرات الأمريكية وقطر كما ذكر نبيل نعيم مؤسس جماعة الجهاد سابقاً.

فلن نحتار كثيراً إذاً إن سألنا لماذا تمنحنا السعودية ريالاتها النفطية وعاونتنا على التخلص من الإخوان؟! بالتأكيد ليس لمحاربة شيعة مصر وهم قِلة و ليس حباً فينا لأجل سواد عيوننا، ولكن لأن الطريق أمامها أصبح مُمهداً لتجليس متسلفتها بني وهاب كوريث طبيعي و شرعي للإخوان! ملايين من البترودولار لنشر فكرهم الوهابي بالمؤسسات الدينية وفرض مناهجها وفتاويها و سلطاتها الدينية على حساب المرجعية الأزهرية المعتدلة، ليفرخوا بالمجتمع كل عامٍ مئات من الشيوخ البرهامية الجهادية !

ذلك التيار المتشدد الذي ستغزوا به المرحلة القادمة لتكملة الأهداف التي عجزت دولة الإخوان عن تحقيقها لتحقيق حلم الخلافة الرمادي! مليارات تضخ بالمجتمع ليُقسَّم شبابه ما بين جهاديين يحملون قنبلة الفكر التكفيري وبين تيار الملحدين الذي بدأت ظاهرته تغزو المجتمع المصري بقوة كنتيجة طبيعية لما ذاقوه من تطرف فكري لتيارات الإسلام السياسي أثناء ثورات الحريق العربي!

فدولة «داعش السُنية» هي وجه بلا رتوش لـ « السلفية الوهابية» فهل هؤلاء المليشيات سيجدوا دعماً أقوى لإستمراريتهم حتى يقودوا الحرب المذهبية القادمة لتفتيت المنطقة بمصادر تمويل من جيوب النفط السعودي والخليجي والأمريكي؟ فالإثنين وجهين لعملة واحدة و الهدف واحد وهو بسط النفوذ المذهبي على شبه الجزيرة والعراق والشام! حتى أن غونتر ماير مدير مركز أبحاث العالم العربي في جامعة ماينز الألمانية

صرح مؤخراً بأن السعودية تدعم مقاتلي داعش ضد بشار لوعيها بالمخاطر التي قد تنتج لو عاد مجاهدي داعش السعوديين وإمكانية إنقلابهم على النظام السعودي نفسه. ويرى ماير أن مصدر التمويل ليس من الحكومة السعودية نفسها وإنما من شخصيات سعودية ثرية. والآن إرتد السحر على الساحر وأصبحت داعش على بُعد 100 كيلومتراً من الحدود السعودية بل إقترابها يشكل خطراً أيضاً على الحدود الأردنية العراقية

لهذا هرع ملك السعودية لمصر في إجتماع طارئ مع الرئيس السيسي على متن طائرته الملكية، يستنجد به ضد مليشيات داعش، فمن الذي هيأ لإجرام هؤلاء الجهاديين وأمدهم بالمال والأسلحة لإشاعة مزيد من المذابح والإرهاب في سوريا و العراق، للحفاظ على عرشهم ضد المد الثوري للربيع العربي؟!

في أول أغسطس2013 أغلقت الولايات الأمريكية سفاراتها بعدد كبير من الدول العربية والإسلامية بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا ومنها مصر وحذرت رعاياها من فوضى عمليات إرهابية لتنظيم القاعدة بشبه الجزيرة، بعد سقوط حكم الإخوان في 30 يونيو، وقرأنا بالصحف أن المخابرات الأمريكية بمساعدة عناصر من الموساد قاموا بضرب السجون وإطلاق الآلاف من سجناء القاعدة بالعراق وليبيا وباكستان و تهريبهم لمصر وسوريا لمساعدة الإخوان على إسترداد الحكم فيما أسموه بالحفاظ على الشرعية و لتدمير الجيش المصري والسوري. وبعد أن قامت قواتنا المسلحة بالقضاء عليهم فرّ الباقين لمعقلهم على الحدود العراقية- السورية ليحولوا البلدين لحمامات من الدماء على أساس الهوية، ولينضم إليهم أصحاب الرايات السوداء الداعشية الذين يهددون الآن أمن دول الخليج وعلى رأسهم أمن السعودية.

وأتت زيادة ملك السعودية لمصر تزامناً مع الزيارة التفتيشية لجون كيري لمصر للضغط عليها بشأن أحكام الإعدام ضد 183 إخوانياً والذي وصفها بأنها إنتكاسة للتحول السياسي بمصر، ولم تستوف المعايير الدولية للمحاكمة العادلة! وإنتقاد الأحكام الصادرة على 11 متهما ومطالبته لمصر بالإفراج عن 3 سجناء صحفيين يعملون بقناة الجزيرة القطرية في القضية المعروفة بإسم «خلية ماريوت»

والتي وصفها كيري بأنها أحكام سياسية و وحشية تقشعر لها الأبدان! ليطير بعدها لعمان فالعراق فالسعودية! كل هذه الجولات لأجل التهويل والتضخيم من فزاعتهم الداعشية والذين يستمدون تمويلهم من السعودية ودول الخليج ومايصلهم من دعم أوباما للجيش السوري الحر! داعش التي يمكن لأمريكا أن تمحوها في نصف ساعة لا أن تطلق لهم سراح مجرمي القاعدة من سجونهم! داعش التي لا تحتاج لفركة كعب من كيري

ولكنها أيضاً داعش التي تتخذها أمريكا ذريعة للضغط على نور المالكي ليشكل حكومة جديدة لفشل حكومته، و وفقاً لتقرير أمريكي نشرته التايم الأمريكية مؤخراً كشفت فيه عن تفتيت العراق لثلاثة أقاليم فيدرالية سُنيِّة وشيعية وكوردستان! وهو تقرير يصب في نفس الإتجاه الذي عرضه كيري على المالكي .

داعش الفزاعة التي أطلقتها أمريكا على دول الخليج، وهي ذاتها أمريكا التي صرحت سفيرتها السابقة آن باترسون «أن مرسي رئيس منتخب والقيادة الأمريكية تعارض الحكم العسكري في مصر». ولكنه أيضاً كيري الذي صرَّح بأن أمن إسرائيل هو أعلى سلم أولوياته وأمنها هو ما يهم أمريكا! فإن كان اليهودي الفرنسي برنار هنري هو مهندس ثورات الربيع العربي من الجانب الإسرائيلي، فإن كيري هو العراب الأمريكي المساند له بالمنطقة لتسهيل مهمة التقسيم وفقاً لما ورد بمشروع الكونجرس الأمريكي لعام 1983 والمعروف بمشروع « د. برنارد لويس »

وإن كان زبغنيو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي الأسبق لجيمي كارتر؛ هو مؤسس صناعة مجاهدي القاعدة، فإن إدارته الأمريكية الآن هي من صنعت مجاهدي داعش وقامت بتسليحهم بالتعاون مع البترودولار السعودي، بعد أن فشل المخطط الأمريكي – الإخواني بمصر! لتتحقق مقولة هيلاري كلينتون « لن يكلفنا غزو العرب شيئاً بعد الآن، سنقضي عليهم بأيديهم»

وفي مقابلة لأوباما بقناة « سي بي أس» قال بالحرف « المشكلة الحالية هي أن مقاتلي تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام يزعزعون إستقرار العراق، لكن يمكنهم أيضا التوسع نحو دول حليفة مثل الأردن» جملة كهذه إستحالة ينطقها إعتباطاً رئيس أكبر دولة بالعالم! فهي عبارة تحمل تحذيراً ولو تلميحياً للمملكة السعودية، فداعش الآن تزحف نحو السعودية والأردن.

في الوقت الذي دعى فيه تقرير للتايمز البريطانية إلى ضرورة دفع حكومة المالكي لتأليف حكومة فيدرالية، وهو ما سعى إليه كيري في زيارته الأخيرة للعراق. لتصبح العراق في النهاية أقاليم فيدرالية وهذا يحملنا إلى ما حدث من تفتيت باليمن السعيد! إنها البداية الطبيعية لتفتيت المنطقة على أسس طائفية ومذهبية وعرقية كما يهدف مخطط التقسيم.

و المملكة السعودية الآن هي حلقة الوصل بين أمريكا التي تمدها بالنفط وبين مصر التي سلامتها و أمنها تستمده من أمن مصر لتحافظ على عرشها النفطي وأمريكا تعلم هذا جيداً.

فهل تحرك داعش بإتجاه السعودية والأردن للضغط على مصر لحماية السعودية ودول الخليج؟ لينزلق جيشنا في فخ المعركة ضد داعش والقاعدة، يا إما تمتنع مصر وتتحاشى الفخ الأمريكي فيتم قطع الدعم السعودي والخليجي لمصر وتتدخل أمريكا وحلف الناتو كما غزوا سابقاً العراق بحجة حفظ الأمن بالمنطقة و حماية المصالح الأمريكية والأوربية بالخليج؟! وهل باتت المسألة مسألة وقت وفي كلتا الحالتين ستنفجر شرارة الربيع الدموي الداعشي ولكن هذه المرة ربيعاً سعودياً خليجياً ؟!

علينا كمصريين ألا نلتفت إلا لمصلحة وطننا والدفاع عن كل ذرة من ترابه، و لنعتمد على أنفسنا في تدبير مصادرنا التمويلية وفق إرادة شعبية نلتف فيها حول زعيم وطننا الذي إخترناه بإرادة شعبية واسعة، في تمويل مشروعاتنا بسواعد أبنائنا. إستمراراً لخارطة المستقبل وثورة التصحيح التي أجهض فيها مشروعهم الصهيوأمريكي- الإسلامي الذي ما يزال تلتف حوله أمريكا وإسرائيل وبني وهاب ليدعمون الحكم الديني ولو بالسلفية الوهابية الداعشية

شاهد أيضاً

زعيمٌ يعيد لها قواعد المجد

ماجد سوس سواء تتفق أم تختلف مع كل أو بعض سياسات الرئيس عبد الفتاح السيسي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *