الإثنين , يوليو 22 2024
مختار محمود

إلهاء شاهين!

مختار محمود

العنوان يخلو من الخطأ الإملائي. أقصد “إلهاء” وليس “إلهام”. الإلهاء هو عنوان المرحلة. شَغل الرأي العام عن القضايا الضاغطة والمصيرية إستراتيجية لا تستغنى عنها حكومات العالم الثالث.

المطلوب دائمًا وإبدًا إبعاد الشعوب عن الشأن العام.

حكام العالم الثالث لا يوقرون رعاياهم ولا يقدرونهم حق تقديرهم.

يتعاملون معهم باعتبارهم العامة والدهماء؛ ومن ثمَّ..يتفننون في الاستعانة بأدوات ووسائل معلومة للفت انتباههم في مناطق أخرى، أو ما يتم تسميته شعبيًا وصحفيًا بـ: “شوفت العصفورة؟!” لم تستوعب تلك الحكومات بعدُ أنَّ ما كان يصلح قبل 30 و40 عامًا في خداع الشعوب لم يعد صالحًا في زمن الفضاء الإلكتروني والتطور التكنولوجي الرهيب، وهذا يعكس في الوقت ذاته خللاً عقليًا عندها، وجب عليها تداركه، والبحث عن أدوات أكثر قدرة على الخداع والتمويه والتضليل.

يعيش المصريون سنوات عجافًا؛ السد الإثيوبي يهدد أمنهم المائي، والغلاء يسود البر والبحر، ونسب الفقر تترى وتزيد يومًا وراء يوم، والمستقبل غامض.

ورغم وكل ذلك وغيره، وبدلاً من أن تتبع حكومة الدكتور مصطفى مدبولي نهجًا من الشفافية والصراحة والصدق، فإنها لجأت ولا تزال تلجأ طوعًا أو كرهًا إلى أساليب وطرق عفا عليها الزمن.

السيدة الهام شاهين، صاحبة التاريخ الفني الناصع والأدوار المهمة في أفلام تجسد علامات بارزة في تاريخ السينما المصرية والعالمية مثل: “الهلفوت” و”سوق المتعة” و”دانتيلا” وغيرها، تعتبر رأس حربة الإلهاء في الفترة الأخيرة.

هذه حقيقة، سواء رضيت المذكورة أو رفضت، ليس لها من الأمر شيء. شخصية إلهام شاهين تختلف جذريًا عن فنانات جيلها مثل: يسرا وليلى علوى؛ فهي عاشقة لإثارة الجدل والكلام حولها.

أوهمها بعض الماكرين من المشتغلين بالتنوير بأنها “المهدية المنتظرة”، فصدقت الكذبة أو انطلت عليها، أو صادفت هوىً مريضًا في نفسها. “إلهام”.. تكاد تطوف على الفضائيات كل مساء، تارة تدافع عن فيلم هابط فنيًا وأخلاقيًا، وتارة ثانية تهين عالمًا جليلاً، وتارة ثالثة عن رواية تافهة، وتارة رابعة تصطدم بالأزهر الشريف.. وفي كل المرات لا يفوت الفنانة الستينية أن تزدري الغاضبين والمنتقدين والرافضين، وتنعتهم بأشد الأوصاف رداءة وقبحًا. “إلهام شاهين “.. لا تفقه كثيرًا مما تقول، ولكنها تردد ما تؤمر به.

تشبعت “إلهام” كذبًا ووهمًا حتى ظنت نفسها مدافعة عما أسمته “الإسلام الحقيقي”، كما ذكرت في مداخلة متلفزة مع عمرو أديب، الليلة الماضية، في سياق دفاعها عن الهجوم الكاسح الذي تعرض له بوستر مسلسلها الرمضاني. الإسلام الحقيقي الذي تقصده بطلة فيلم “جنون الحياة” هو إسلام “السداح مداح”، إسلام يسقط جميع المحرمات، إسلام يقر الفوضى والقبح..”إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والاخرة”. الفضاء الألكتروني شهد خلال الأيام المنقضية حملات موسعة لمقاطعة المسلسل ومنتجات الإعلانات المعروضة خلاله.

“إلهام”.. تُدلِّس على عمرو الذي قدم لها العون والدعم اللازمين كعادته في مثل هذه المناسبات، وتًدلِّس على المشاهدين، وتُدلِّس على نفسها، عندما تقول إن من يهاجمون المسلسل دواعش أو متعاطفون معهم! هذا كذب صُراخ؛ فالمصريون لم يقاطعوا مسلسلات شبيهة في الأعوام الماضية، بل حرضوا على متابعتها، ولكنهم غاضبون هذه المرة؛ بسبب شعار التوحيد الذي تحيط بطلة فيلم “لحم رخيص” به رقبتها بجوار اسم المسلسل: “بطلوع الروح”، وكأنَّ طلوع الروح مرتبط بـ”لا إله إلا الله/ محمد رسول الله” في المُطلق! قبل عشر سنوات..أعدَّ المفكّر الأمريكي نعوم تشومسكي قائمة اختزل فيها حزمة من الإستراتيجيات والطّرق والوسائل التي تلجأ الحكومات والانظمة الحاكمة إليها؛ للسيطرة على الشّعوب وإخضاعها بأقل مجهود وأدنى تكلفة.

من بين هذه الإستراتيجيات: استراتيجيّة الإلهاء، والتي تطورت فيما بعد لتصبح إستراتيجية الهام شاهين! هذه الاستراتيجيّة.. تتمثل في تحويل انتباه الرّأي العام عن المشاكل المهمة والتغييرات التي تقرّرها النّخب السياسية والإقتصاديّة، ويتمّ ذلك عبر وابل متواصل من الإلهاءات والمعلومات التافهة.

في كتاب معروف وهو: “أسلحة صامتة لحروب هادئة”..نطالع بعضًا من القواعد الحاكمة لإشغال الرأي العام، من بينها: “حافظ على تشتّت اهتمامات العامة، بعيدًا عن المشاكل الاجتماعية الحقيقية، واجعل هذه الاهتمامات موجهة نحو مواضيع ليست ذات أهمية حقيقيّة..اجعل الشعب منشغلاً، منشغلاً، منشغلاً، دون أن يكون له أي وقت للتفكير، وحتى يعود للضيعة مع بقيّة الحيوانات”.

أما الإسراتيجية الثانية فتقع تحت عنوان: “ابتكر المشاكل ثم قدّم الحلول”؛ حيث يتم تصدير أزمة مفتعلة: “مالية/ اجتماعية/ حقوقية” للشعب والتخويف منها، قبل أن يتم التدخل في وقت مناسب لنزع فتيلها، وقد تكون في الوقت ذاته ستارًا لتمرير أمور أخرى.

أما ثالث هذه الإستراتيجيات فهي تقوم على: إبقاء الشّعب في حالة جهل وحماقة، وتنص على ضرورة أن تكون نوعيّة التّعليم المقدّم للطبقات السّفلى هي النوعيّة الأفقر، بطريقة تُبقي الهوّة المعرفيّة التي تعزل الطّبقات السّفلى عن العليا غير مفهومة من قبل الطّبقات السّفلى، وهو ما تشهد مصر حاليًا، حيث يعيش التعليم الرسمى أسوأ عصوره، في الوقت الذي يظهر فيه وزير التربية والتعليم بانتظام وكثافة عبر برنامج عمرو أديب؛ ليس ليبرر عجزه وفشله، ولكن ليُحمل الشعب المسؤولية كاملة عن أوزاره وخطاياه.

الشعب دائمًا وأبدًا –بحسب هذه الإستراتيجيات- يجب أن يظل هو المخطيء والمقصر والعاجز والفاشل.

الإستراتيجية الرابعة تعتمد على تشجيع الشّعب على استحسان الرّداءة والقبح، وهو ما ينطبق تمامًا على أفلام ومسلسلات ومداخلات وتعليقات السيدة الفاضلة المبجلة إلهام شاهين.

شاهد أيضاً

الكنيسة القبطية

هل أنتم رجال بجد ..؟!ا

الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه ..مرت أحداث الكشح بسلام مثا كل مرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.