السبت , يوليو 2 2022
أخبار عاجلة
حجازة

صفحة من التاريخ المنسى لقرية حجازه وصعيد مصر

طه حسين الجوهرى

منذ بداية القرن السابع عشر كان الجو في جنوب مصر والسودان مشبّعا بفكرة المهدية والعيساوية فادعي عدد ليس بالقليل النبوة ومنهم من ادعى العيساوية والمهدية خاصة فيما يعرف الأن بدولة السودان الشقيق وبعض منهم دخل على المجتمع الذي يعيش فيه بمدخل جديد يدعو فيه لتجديد الفكر الاسلامي عبر رسالة ثانية رسولها رجل آتاه الله الفهم وايده بنصره وجعله مباركا في حله وترحاله والاسماء كثيرة وتعج بها كتب التاريخ خاصة تاريخ السودان.

لكن ما يعنيني الان في هذه المقالة التي طلبها الكثيرون ووجدت الحاحا كبيرا من بعض الطليعة المثقفة من أبناء القرية الإجابة على هذا السؤال هل قرية حجازه التي تتبع لمركز قوص كان لها نصيب من هؤلاء المدعين؟ وهل كان وقع هذه الدعوة كبير عليها وعلى غيرها من القري المحيطة ؟ ام ان هذه اساطير يحيكها بعض الناس ممن يدّعون الثقافة والعلم بتاريخ القرية وأهلها.

وهل حقا ظهر من ادعى انه المهدي واتبعه كثيرون؟ .

ورغم أن القرية لها خصوصيتها التي اعلمها جيدا وأدرك مدى اعتزاز أهلها وتفاخر كل قبائلها بنسبها واعراقها العربية الاصيلة و كتب التاريخ التي جاء ذكر القرية فيها شاهده على ذلك .

واعلم علم اليقين أن الذي يمسك بقلمه ليخوض في تاريخ القرية إما أن يكون عالما متمكنا من التاريخ أو ملما بعدد لا بأس به من الوثائق والمستندات التي تؤكد صحة قوله وهذا شرف لا أدعيه وعلما اسأل الله ان يفتح علينا به لان الخائض في هذا التاريخ فهو كالسائر على خيط رفيع معقود بين قمة جبلين شاهقين لأنك امام قرية يمتاز شبابها بالقراءة وسعة الاطلاع وحرص شيوخها على حفظ تاريخ توارثوه من أسلافهم حفظوه ووعوه كابر عن كابر.

والذي دفعني حقيقة للحديث الان هو الالحاح من بعض الطليعة المثقفة من أبناء هذه القرية ومن خارجها في أن أسرد ما جمعته من بطون كتب التاريخ حول الموضوع والسبب الثاني هو الخلط الكبير ممن يتحدثون بين بدايات هذه الهبة الشعبية وشخوصها وأماكنها والتي استمرت فترة ليس بالقصيرة حيث بدأت احداثه في 1819 وظلت حتى 1864 تقريبا وانتهيت بالقضاء التام على شخوصها والسيطرة التامة على القرى التي شاركت فيها من قبل محمد علي واحفاده وشهدت هذه القري تغيرا كبيرا في تركيبتها السكانية والطبقية آنذاك

وكانت المشكلة الكبرى التي واجهتها وانا أتصدي لجمع تاريخ هذه الفترة هي ندرة المراجع والكتب التي كتبها المؤرخون المصريون عن هذه القري واحداثها ولعل السبب يكمن في اعتماد اهل الصعيد عامة على طبيعتهم العربية وعلى ذاكرتهم القوية في حفظ الروايات الشفهية وتناقلها وعدم الاهتمام بالتدوين وكتابة التاريخ إضافة الي أن هناك سمة من سمات العربي أيضا أنه لا يحب لحظة انكساره وهزيمته ويحرص على ان يحفظها في ذاكرة النسيان ولا يرددها لبشاعتها وفظاعة احداثها حتى تتواري تماما من أرشيف ذاكرته

والحقيقة الثابتة أن هذه القرية كان لها دور الريادة والقيادة فيما يسميه بعض الرحالة الثورة المهدية الأولى في صعيد مصر او ما يطلق عليه التمرد الكبير ضد محمد على وهو دور لا يقل في أهميته عن الدور الذي لعبته في قيادة المقاومة ضد جيش نابليون بقيادة الشيخ محمد الجيلاني المدفون في أرضها.

والسبب في نظري ان تتصدر هذه القرية الريادة في هذه الاحداث ثلاثة أسباب الأول هو الموقع الاستراتيجي لهذه القرية وقربها الشديد من تخوم الصحراء الشرقية الواسعة التي تسمح لأي عدد من الناس من الاختباء بين جبالها او الهروب عبر اوديتها والوصول الى ميناء القصير والهروب الى خارج مصر في حال الهزيمة

والسبب الثاني طبيعة قبائلها وهما قبيلتين رئيسيتين حرب وجهينة أصحاب الشهرة الواسعة في التاريخ الإسلامي في الحروب وكان لهما دور كبير في فتح مصر ولهما دور كبير ي التاريخ الحديث والمعاصر

اما السبب الثالث فهو انتشار العلماء والفقهاء واهل التصوف خاصة التصوف المغربي الفردي والمؤسساتي في هذه القرية لقربها من عاصمة مصر الاولي في العلم والثقافة ومدينة العلماء مدينة قوص كذلك مرور الكثير من العلماء المغاربة من كبار اهل التصوف بأرضها قاصدين ميناء القصير للذهاب لأداء فريضة الحج.

تبدأ فصول هذه الرواية التاريخية في بداية القرن التاسع عشر ومع ظهور عدة طرق صوفية انتشرت وازدهرت في جنوب مصر وشمال السودان ومع ظهور هذه الطرق ظهرت مرتبة دينية جديدة من مراتب الولاية تفوق رتبة القطب ودون المهدي في القدسية والولاية وهي رتبة الوزير

او ما يعرف بوزير المهدي و وبرزت شخصيات كبرى تصدرت مشهد التصوف في هذه الفترة ابرز هذه الشخصيات شخصية محمد السمان والشيخ احمد الطيب البشير والسيد احمد بن ادريس واخذ بعض الاتباع من العامة يلقبون بعضا من هذه الشخصيات بلقب وزير المهدي وكما ورد في كتاب الثورة المهدية في السودان في الصفحة 14 في وصف الشيخ محمد السمان” هو من فحول الرجال وانه خامس الأربعة ووزير المهدي من غير جدال” وهذه الرتبة هي الأعلى في الولاية ولا يعلوها الا المهدي وهذه الرتبة تظهر مدى تأثر بعض اتباع التصوف في صعيد مصر بكتابات ابن عربي خاصة كتابه الفتوحات المكية ، حيث تحدث عن وزراء المهدي وصفاتهم ورتبهم.

قال على مبارك” وقد ظهر من هذه القرية (السليمية) وهي قرية تابعة لمحافظة الأقصر الان فى سنة ست وثلاثين ومائتين وألف رجل اسمه الشيخ أحمد، يدعى الصلاح، وأقام بناحية حجازة من بلاد قفط واجتمعت عليه الناس وصار يعطيهم بعض العهود، وكثر أتباعه حتى بلغوا نحو أربعين ألفا على ما قيل، فاغتر بذلك وأظهر الخروج على الحكومة ورتب من أتباعه حكاما كحكام الديوان، وضرب على البلاد الجرائم ونهب الأموال وما فى الأشوان من غلال الميرى وما عند الصيارف من النقود، وأكثر من الإفساد برا وبحرا وخافته البلاد والحكام.

ويقول محمد حاكم في كتابه أيام محمد علي : التمايز الاجتماعي وتوزيع فرص الحياة ص 180″ نقلا عن على مبارك في خططه التوفيقية ” وظهر في عام 1236هـ رجل اسمه الشيخ احمد يدعي الصلاح أقام بناحية حجازه من بلاد فقط واجتمع عليه الناس وصار يعطيهم الوعود وكثر اتباعه حتى بلغوا أربعين الفا علي ما قد قيل فاغتر بذلك واظهر الخروج علي الحكومة ورتب من اتباعه حكاما كحكام الديوان وضرب على البلاد الغرائم ونهب الأموال وما في الاشوان من غلال الميري وما عند الصيارف من النقود واكثر الفساد برا وبحرا وضاقته البلاد والحكام وتمادي على ذلك ننحو شهرين ثم ارسل له الباشا تجريدة فتقابلوا معهم ناحية الخربة فمن اول طلق المدافع فروا هاربين ومات منهم خلق كثيرون وفر هو هاربا الي القصير ثم لحق بالحجاز وخفي خبره”

كما ورد في الخطط التوفيقية لعلي مبارك ج12 ص44 ويتوافق مم ذكره صاحب الخطط التوفيقة مع ما كتبه الرحالة والمستشرقين في هذه الفترة والذين يتحدثون عن عالم مغربي سموه احمد الوزير كان له بالغ الأثر في عقول اهل الصعيد اطلقوا عليه اسم احمد الوزير أي وزير المهدي وقالوا بانه هو المؤطر الأول والمنظر لتلك الاحداث التي بدأت في عام 1820 ضد محمد علي في صعيد مصر، ومنهم قنصل فرنسا التجاري في هذا التوقيت والمراجع كثيرة.

عاش هذا الشيخ الذي لقب بأحمد الوزير في كتب المستشرقين كثيرا في حجازه وارتبط بأهلها وارتبطوا به ومن هنا بدأت فصول القصة والتي سأتناول احداثها تفصيلا ومجريات الأمور بها في مقالات لاحقة

شاهد أيضاً

سلسلة مقالات “حياة أفضل تُعاش”

القس أرنست نادي أهداف مُحيية(4) مواصفات الهدف الذكي في الحلقات السابقة من سلسة مقالات “أهداف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *