الأحد , نوفمبر 27 2022
الأنبا موسى

الكاتب الكبير نبيل شرف الدين يكتب للأنبا موسى فى مرضه

رجل بسيط يرتدي جلبابًا ينقض عليا أمام مقر نيافة الحبر الوديع الجليل الأنبا موسى، في طريقي لزيارته التي حُرمت منها مؤخرًا بسبب مرضه وسفره للعلاج والخدمة الروحية في شتى أنحاء العالم، وإذا برجال الشرطة يلقون القبض عليه بمساعدة الشباب الذين يخدمون في أسقفية الشباب، لكن نظرة استغاثة بدت واضحة في عيني الرجل واستوقفتني، فاستأذنت قائد الحراسة – كان برتبة عميد ويبدو صارمًا – أن أتحدث مع الرجل فوافق على مضض بعد جدل واتصالات أجراها مع قيادته

سألت الرجل: من أنت، وماذا تريد، ولماذا تهاجمني وتمسك برقبتي وملابسي؟ بكى الرجل بحرقة وقال: أنا بشوفك في التلفزيون وسمعتك تتكلم بالخير في حقنا، وأنا من يومين أحاول مقابلة سيدنا الأنبا موسى لكن الشباب والشرطة يمنعوني ويشتموني ويهددوني بالسجن، وأنا مش همشي لو قتلوني قبل ما أشوف سيدنا ، فقلت له :

لكن رجال الأمن مسؤولون عن السماح أو المنع وأنا مجرد ضيف زيك ، لكن الرجل عنيد وراسه وألف سيف لازم يقابل الأنبا موسى ، وكان معي مستشار من أبناء نيافته وهو الذي يرتب زيارتي له عادة ، وفجأة خرج عن وقاره المعهود ليطلب من رئيس الحرس إبعاد هذا “المعتوه” كما وصفه

وكان العميد متحفزًا فأمر الضباط الشباب والجنود بالقبض عليه وترحيله لقسم الشرطة ، وهذه المرة اضطررت للاتصال برئيس مباحث شرق القاهرة وهو أحد زملائي وعمل معي سنوات طويلة وشرحت له الأمر فطلب من العميد أن يترك لي الرجل مع اتخاذ الإجراءات الأمنية اللازمة

سألت الرجل ماذا تريد من الأنبا موسى؟ فقال: أنا اسمى (م. ج) من قرية (شنرا) التابعة لمركز (الفشن) جنوب بني سويف، وأبي كان يخدم مع سيدنا وقال لي لو وقعت في ضيقة اذهب لنيافته ليصلي لك، سألته: كل ما تريده هو الصلاة فقط أم أن لديك مطالب أخرى؟

فقال: أنا بنعمة ربنا مستور عندي 35 فدان بساتين موالح وزيتون ومعصرتين وخير كتير، ولا يغرك مظهري البسيط فأنا خريج كلية الحقوق ومارست المحاماة سنوات وعندي ابنين وكلاء نيابة، وبنت موثقة في الشهر العقاري وأخرى صيدلانية، لكن بعد وفاة أبي تفرغت لرعاية مصالحي وأرضي فليس لي أشقاء غير أختين متزوجتين ومهاجرتين لأميركا من زمان

كان مرافقي المستشار (س) على آخره من الغضب خلافا لطبعه الهادئ، ويشدني لدخول المقر لعدم تضييع الوقت المخصص لنا مع نيافة الحبر الجليل الذي أحبه كأب روحي، منذ أن قابلته أول مرة في الثمانينات خلال زيارته لدير الأنبا صموئيل المعترف، وسحرتني ابتسامته المشرقة وروحه الطيبة الملائكية وكم دارت بيننا مناقشات استمرت ساعات في مناسبات مختلفة على مدار سنوات طويلة.

انتهى الأمر بأن وعد الرجل أنني سأعرض طلب مقابلته ولو وافق سأخرج لاصطحابه بنفسي بعد إذن الأمن، فقال: أنا بشوفك في التلفزيون وعندي ثقة إنك رجل صادق ومش بتاخدني على قد عقلي، وأنت قد وعدك، فطلبت منه التزام الهدوء وعدم الاحتكاك بأحد وأن ثقته في محلها ، وكل إللي حصل في كفة، وما أحمله هدية لنيافة الأنبا موسى في كفة ، وهي أيقونة قديمة اشتريتها من زمان باعتباري (جامع تحف) مدمن، وآلة (عود) صناعة قديمة بتوقيع (الكيال) ويعرف هواة الموسيقى والآلات مدى قيمة عود يحمل بتوقيع هذا الصانع الشهير، وكان كبار الموسيقيين مثل عبدالوهاب وفريد الأطرش والقصبجي والسنباطي وغيرهم من أشهر زبائنه

وربما لا يعرف البعض أن الأنبا موسى عازف عود ماهر، ودرس النوتة الموسيقية وله باع في تطوير الترانيم الكنسية وإحياء التراث القبطي القديم وفق قواعد علمية تعتمد (الهارموني) بدلاً من الارتجال النشاز، وكثيرًا ما سُئل نيافته عن رأيه في الموسيقى ودائمًا يجيب: «الكتاب المقدس يقول مُرنمين بعضكم بأغانٍ روحية، وبالتالي نحن هنا نتحدث عن الموسيقى الروحية والترانيم التي تمجد الرب وتثير الحماس الوطني وهي مش حرام لأنها تغذي روح الانتماء، أما الأغاني التي تثير الغرائز والخلاعة فهي لا تليق خاصة لو كان بها ألفاظ خارجة وإيحاءات جنسية، وحين سأل عبد الوهاب عن رأيه قال “إن الموسيقى التي تخاطب الغرائز مُبتذلة ولا تليق إلا بالملاهي الليلية وجمهور السكارى، فإذا كان موسيقار مثل عبد الوهاب يرى هذا، ويتفق معه في الرأي الموسيقار الكبير فريد الأطرش فماذا يقول خادم المسيح؟!”.

دخلت صحبة مرافقي فاستقبلنا الحبر الجليل الجميل بحفاوة واحتضنني بمحبة وحنان أب حقيقي، وأخرجت الأيقونة فإذا به يقرأ نقوشها القبطية قائلاً: جبتها منين دي مُكرّسة من عمل آباء قدامى نسمع بهم لكن لا نعرف عنهم الكثير، وقبّلها باحترام ثم قام بنفسه وعلقها

وقال: نحن لا نعبد الصور ولا الأيقونات بل نكرمها، وفي ذلك تكريم أصحابها، حسب قول الرب لتلاميذه “إن كان أحد يخدمني يكرمه الآب” (يو26:12) فإن كان الآب يكرم قديسيه، ألا نكرمهم نحن؟!، سألت نيافته عن معنى (الأيقونة المكرسة) والفرق بينها وبين الصور فراح يشرح، وذكر كتاب البروفيسيور رؤوف حبيب عن فن وتراث الأيقونات القبطية

لكني تذكرت وعدي للرجل فاستأذنته بمقاطعته وحكيت له ما جرى في الخارج وذكرت اسم الرجل واسم والده فابتسم ببشاشة قائلاً : ياه .. إزاي يمنعوه؟! أبوه كان رجل صالح وبار وخدم معي لما كنت طبيب امتياز بقرية (شنرا) وكان من أبناء المتنيح الأنبا أثناسيوس خلوه يدخل فورا، فخرجت واصطحبت الرجل الطيب وسط دهشة رجال الأمن والخُدّام، واستقبله نيافة الأنبا موسى بحفاوة وسأله عن أسرته بالتفاصيل واستغربت أنه يتذكر كل هذه الأسماء رغم مرور سنوات طويلة

فقال: كيف أنسى (رجال الله) الطيبين إللي تربوا على أيادي الأنبا أثناسيوس بني سويف، والأنبا غريغوريوس، والأب متى المسكين، والأنبا متاؤس، والقمص برنابا إسحق «وكيل مطرانية مغاغة والعدوة» وغيرهم كثير من إللي كان لهم أفضال عليا في بداية خدمتي

وسأل الرجل : أنت حزين ليه؟ وقبل أن يرد قال له : ابنك الصغير مزعلك مش كدا؟ سكت الرجل وسالت دموعه، فقال نيافته: ابنك وكيل نيابة معلهش الدنيا واخداه بيشرب وماشي مع شلة من أصدقاء السوء لكن قريب هيعرف طريق ربنا، لا تعاتبه ولا تتخانق معه، ربنا هيمد إيده قريب واطمئن، وانصرف الرجل بسلام.

مرت سنوات لا أذكر عددها فإذا باتصال من شخص مجهول قال لي : أنا المستشار (فلان) ابن (المقدس فلان) من (شنرا) لم أتذكر وقتها فراح يذكرني بقصة والده مع الأنبا موسى، حينها تذكرت كل شئ وإذا به يدعوني لإلقاء محاضرة بكنيسة مهمة في المنيا، فقلت له إنني لا يمكن أن أذهب إلا بدعوة الحبر الجليل نيافة الأنبا مكاريوس، فقال: طيب لحظة خليك معايا على الخط، وإذا بصوت (أسد الصعيد) ضاحكًا: تعالى وعليك الأمان، أنا قلت للمستشار إنك لن تأتي إلا بدعوتي يا رجل يا طيب، هروح معاك (جبل الطير) وهانسق مع سيدنا الأنبا بفنوتيوس مطران سمالوط

ضحكت وتذكرت زيارات كثيرة تشرفت بها منذ سنوات وقلت لنيافته: من فضلك اسمه (اللورد بفنوتيوس) – لأنه سليل عائلة عريقة – فضحك الحبر الجليل الذي أحبه وأحترم مواقفه كثيرًا الصلبة كثيرًا وبالفعل زرت المنيا وسمالوط وقتها.

عرفت بمرض نيافة الأنبا موسى ، ولا أملك سوى أن أسألكم الصلاة من أجله ، وسلامتك أيها الحبر الجميل الجليل ، ولله والتاريخ أشهد أنه على مدار خدمته الطويلة كان ولم يزل “إطفائي الحرائق” بوداعته وحكمته وسعة صدره وروحانيته ، ولم يكن يوما طرفا في أزمة ، بالعكس طالما احتوى الكثير منها بصمت وصبر ودبلوماسية ، فضلاً عن احتواء أجيال من الشباب داخل مصر وخارجها ، وظلت روحه شابة متجددة منذ توليه مسؤولية خدمة “أسقفية الشباب” كأول أسقف في تاريخ الكنيسة المصرية يُكلّف بهذه المهمة ، واستطاعت الأسقفية في عهده أن تمد خدماتها إلى خارج مصر، وتعمل على ربط الأقباط بوطنهم

وأذكر أنه رغم شعبيته الكاسحة ، ومحبة الملايين له طالبه كثيرون بالترشح للكرسي الباباوي خلفًا للبابا شنودة ، لكنه رفض ذلك بحاسم وتعفف وتأدب ، وحين جمع عدد كبير من الأساقفة توقيعات لتزكية ترشحه ، لكنه فضّل الاكتفاء بدوره الخدمي ، وقطع على الجميع الطريق باتصاله بنيافة الأنبا باخوميوس الذي كان “القائم مقام” حينها قائلاً له : “الرب يختار الراعي الصالح الذى يرعى شعبه ببر وطهارة قلب واتضاع ، ونصلي جميعا من أجل أن تعبر بكنيستنا بر الأمان” وأكد له أنه ليس مسؤولا عن جمع توقيعات للترشح فهو آخر من يفكر بذلك الأمر .. سلامتك يا سيدنا وعناية الله ترعاك أيها الحبر الجليل النبيل.

شاهد أيضاً

الأقباط رواد التعليم ..المدرسـة الصناعية القبطية الكبرى ببولاق

فكر الأقباط لأول مرة فى تاريخ مصر فى إنشاء مدرسة للتعليم المهنى فى المناطق الشعبية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *