الجمعة , مايو 31 2024
الموت

لله في موت الشباب حكمة وعظة!

الموت أكبر عدو للإنسان

ليس كأس أمر من كأسه.

ولا سلطان أقوى من سلطانه.

يغتال الكل على السواء الكبار والصغار.

الأغنياء والفقراء يهجم على الملوك في قصورهم كما يخطف المساكين من أكواخهم.

لا يراعي حرمة كبير ولا يشفق على صغير.

لا يرأف بالشباب. ولا يرق للأجسام النضرة.

ولا ينظر إلى دموع الأمهات ولا يراعي شعور الأولاد.

ولا ينعطف إلى وداد الأصدقاء.

ومن يستطيع أن يصف مقدار الأحزان التي جلبها الموت على البشر.

ما أكثر الآلام التي يجلبها كل يوم.

فهوذا أصوات البكاء والعويل والنحيب تتصاعد في كل مكان على توالي الزمان.

وكل ذلك مسبب وناتج في الأصل عن الخطية.

لأن الله تعالى عمل كل شيء حسنًا.

ولكن خطية آدم ومعصيته جلبت الموت على الجميع.

قال الرسول بولس “من أجل ذلك كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم وبالخطية الموت وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع” (رو 5: 12).

ولا يخفى أن العالم الذي نحن فيه مملوء بالأوجاع والأحزان والنكبات والشرور، فأينما توجهنا وحيثما التفتنا نرى مشاهد الفقر والأمراض والرزايا والأحزان.

وكيف يقاسي أصحابها المشاق والأكدار ولم يبطل صوت النحيب والولولة من العالم لحظة واحدة

وكل ذلك مصدره في الأصل الخطية، فكم هي دنسة ومكروهة تلك الخطية التي جلبت كل هذه الشرور والويلات.

ولولاها لما شاهدنا هذه المناظر المؤلمة المحزنة.

فهذه هي أحوال العالم منذ القديم إلى الآن في عالم انقراض الحياة، لا مكان لتعييرها ولا سبيل للفرار منها بل نحن عائشون في عالم ملآن بالأوجاع وكله بطلان.

وهذا ما يعلمنا أن نعمل للحياة الباقية ولا نضع آمالنا في هذه الدنيا الفانية.

الفقيد كان شابًا- أذوى المنون غصنه الغض وهو لا يزال في مقتبل العمر وفجر الحياة.

والموت لا يظهر في معظم قساوته أكثر مما يظهر وقت اغتياله الشبان وهم في شرخ الصبا.

فموت الطفل الصغير باكرًا يبعث إلى الحزن والأسى، ولكن عندما نبصره مدرجًا بأكفانه، ونلتفت إلى وجهه الملائكي.

ونتأمل حياته القصيرة الطاهرة المنزهة عن كل عيب.

نتعزى ونبارك العناية الإلهية التي مدت يدها وانتشلته من عالم الإثم قبل أن يتلطخ بأوزار وأقذار العالم، وخلصته من أتعاب وجهاد الدنيا.

لينجو من شرور ومخاطر العالم ونقلته إلى ديار السعادة والهناء.

كذلك عندما نرى شيخًا صالحًا راقدًا في تابوته ليشيع إلى بيته الأبدي تكف عيوننا عن الدموع.

لأننا نفكر في جهاده وتعبه من السفر في غربة هذه الدنيا.

وأنه شبع أيامًا وتعب فيها وأصبح مشتاقًا للراحة ويتوقع الانطلاق إلى وطنه الدائم: ولسان حاله يقول مع سمعان الشيخ: “الآن تطلق عبدك يا سيد حسب قولك بسلام لأن عيني قد أبصرتا خلاصك” (لو 2: 29).

ولكن عندما يهجم الموت ويختطف من هم في عنفوان الشباب يحسب ذلك مصيبة أليمة.

ليس هذا بالأمر النادر الوقوع فإننا نرى الموت في كل يوم يهجم على بني البشر.

ويحصد بمنجله الحشيش اليابس والعشب الأخضر ويختطف شبانا وشابات في زهرة الصبا.

الموت مسلط على الجميع كبارًا وصغارًا وهو يختطف الشيوخ والشبان والأولاد والأطفال.

وحياتنا ما هي إلا بخار يظهر قليلًا ثم يضمحل (يع 4: 14) قال المرنم: عرفني يا رب نهايتي ومقدار أيامي كم هي فاعلم كيف أنا زائل. هوذا جعلت أيامي أشبارًا وعمري كلا شيء قدامك.

إنما نفخة كل إنسان قد جعل إنما كخيال يتمشى الإنسان. (مز 39: 5و6) وقال أيوب الصديق أليس جهاد للإنسان على الأرض وكأيام الأجير أيامه (أي 7: 1) الإنسان مولود المرأة قليل الأيام وشبعان تعبًا يخرج كالزهر ثم ينحسم ويبرح كالظل ولا يقف (أي 14: 1، 2)

وقال الرسول بطرس: كل جسد كعشب وكل مجد إنسان كزهر عشب.

العشب يبس وزهره سقط (1بط 1: 24) ليتنا ننصب تمثال الموت أمام عيوننا ونذكره كل حين فان الافتكار فيه حكمة بالغة لئلا ننساه ونسكر بخداعات وغرور هذه الحياة.

اننا غرباء على هذه الأرض. ومسافرون إلى طريق الأبدية فهل يليق بالمسافر أن يتوانى في طريقه ولا يفتكر كل حين في السبيل الموصل إلى وطنه.

لقد حكم علينا كلنا بالموت.

وسمعنا صدور الحكم ورأينا تنفيذه في كل الذين سبقونا.

وكخطوة بيننا وبين الموت فطوبى لمن نظر إلى آخرته وعمل لمستقبله.

فإنه يكون كالبحَّار الماهر الذي يجلس في مؤخر سفينته ويمسك دفتها لكي تسير حسنًا وفي أمان.

أيها الشيخ الكبير الذي وقفت رجلاه على أبواب الأبدية.

اذكر أن الموت قريب منك: فاستعد للقاء ربك.

وأنت أيها الشاب لا تنس أن الموت كل يوم يختطف شبانًا لا يزالون في عنفوان قوتهم، واذكر أن قوتك ستفنى وجمالك سيذبل، وجسدك الصحيح سوف يأكله الدود، وأولئك الذين يحبونك ويشفقون عليك سوف يقدمونك إلى القبر، حينئذ لا شيء ينفعك إلا فضائلك وأعمالك.

إن الموت يأتي كلص فيجب الاستعداد له، إننا لا نعرف متى نفارق هذه الحياة.

في سن الشباب أم الشيخوخة.

أما رأينا كثيرين ممن كانوا أصحاء أقوياء عاجلهم الموت على غرة بدون أدنى إشارة أو مرض، وكان لسان حال الموت يقول لكل منا: هذه نهاية كل حي وعما قليل ستكون نهايتك. فاستعد للقاء إلهك (عا 4: 12) والسيد له المجد حذرنا كثيرًا وقال: اسهروا إذًا لأنكم لا تعلمون في أية ساعة يأتي ربكم، واعلموا هذا أنه لو عرف رب البيت في أي هزيع يأتي السارق لسهر ولم يدع بيته ينقب. لذلك كونوا أنتم أيضًا مستعدين لأنه في ساعة لا تظنون يأتي ابن الإنسان (مت 24: 42- 44) وساعة الموت هي ساعة مجيء الرب، وفي تلك الساعة تنتهي حياة الإنسان على الأرض وتبتدئ حياته الأبدية.

أما في سعادة دائمة أو في شقاء أبدي.

إن الإنسان في حالته الطبيعية وهو بعيد عن معرفة الله لا يقدر أن يستعد للموت لأنه لاصق بالتراب، وعقله منشغل في الدنيا.

وقلبه متعلق بالأباطيل، ولكن الموت يفاجئه بغتة، وفي ذلك اليوم نفسه تهلك أفكاره (مز 146: 4) “وحينما يقولون سلام وأمان حينئذ يفاجئهم هلاك بغتة كالمخاض للحبلى فلا ينجون” (1تس 5:3) فإن ذلك الغني الذي قال لنفسه: يا نفسي لك خيرات كثيرة موضوعة لسنين كثيرة.

استريحي وكلي واشربي وافرحي.

سمع الصوت يقول له: يا غبي في هذه الليلة تطلب نفسك منك. فهذه التي أعددتها لمن تكون؟ لو (12: 19، 20) ويا له من أمر مزعج ومخيف إذا جاء الموت لإنسان وهو على هذه الحالة. فإنه يفصل بينه وبين كل آماله في الدنيا وحينئذ لا يرى إلا ظلمة كثيفة تعقبها دينونة مخيفة، وما هو رجاء الفاجر عندما يقطعه الله عندما يسلب الله نفسه (أي 27: أما المؤمن الملآن بالنعمة، السالك في طريق الرب، الحافظ وصاياه.

فإنه متى جاءه الموت لا يرعبه بل يخلصه من أتعابه ويدخله إلى الراحة الأبدية فيستطيع أن يقول من ملء قلبه وهو ناظر إلى الرب يسوع: الآن يا سيد أطلق عبدك بسلام لأن عيني قد أبصرتا خلاصك (لو 2: 30) “إذا سرت في وادي ظل الموت لا أخاف شرًا لأنك أنت معي” (مز 23: 4).

فطوبى لذلك العبد الذي إذا جاء سيده يجده مستعدًا لقدومه. لذلك كونوا أنتم أيضًا مستعدين لأنكم لا تعلمون في أية ساعة يأتي ربكم.

المسيح المعزي الوحيد الذي عليه نلقي رجاءنا.

وهو قادر أن يعزينا في أوقات ضيقتنا لاسيما في وقت الأحزان فهو ينظر إلينا دائمًا ويتحنن علينا ويرى كل قلب وما فيه من الأوجاع يعرف كيف يجرح ويعصب: يسحق ويداه تشفيان، وليس لنا محب شفوق ومعز رءوف يعرف أوجاعنا ويشعر بآلامنا نظيره، وهو حي إلى الأبد في السماء يرثى لضعفاتنا فلنأت إليه بالإيمان وندعوه ليخفف أوجاعنا. أنه مستعد دائمًا لأن يكون طبيبًا لأمراضنا، معزيًا لأحزاننا، شافيًا لجراحنا.

جابرًا لمنكسري القلوب. وحبيبًا وصديقًا يهبنا كل شيء.

القديس حبيب جرجس ..

شاهد أيضاً

الكنيسة القبطية

مَسَاكِين: اِسْتِشْهاد مائَة واِثْنان وأَرْبَعُون صَبِيًّا وثُمَانِيّ وعِشْرُون سَيِّدَة مَنْ أَهْل أَسْيُوط!

القمص بيجول السرياني طبقًا لما ورد بالسنكسار القبطي لسير الشهداء والقديسين؛ حدث في مثل هذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.