الأربعاء , فبراير 1 2023
ماجد سوس

رأس النعامة (١)

ماجد سوس

السوشيال ميديا اليوم أصبحت أمراً واقعاٌ لا يمكن الهروب منه ولا الإفلات من سيطرته على عقول البشر بطريقة أو بأخرى وأصبحت أداةً رئيسية للعولمة الثقافية في نشر الخبر في العالم كله في أقل من دقيقة. هي أخطر وأسرع وسيلة إعلامية ظهرت في التاريخ. وإذا كان المؤرخ الاسكتلندي “توماس كارليل” في القرن التاسع عشر أطلق على الإعلام مصطلح السلطة الرابعة أنا أرى أنه منافساً قوياً للسلطة الأولى لأنه أصبح أداة مؤثرة في يد الشعوب بلا تمييز.
إن بدا الأمر جيداً من حيث يُسرة الاتصال، التواصل والتقارب بين الناس وبعضها ولا سيما الأحباء الذين فقدنا الاتصال بهم من قبل وسط مشاغل الحياة، إلا أن الواقع العملي أفرخ لنا كوارث حقيقية اصطدمنا بها بين رواد هذه الوسائل، ففي وسط العلماء والمفكرين تعالى صوت الجهلاء ومغتصبي الفكر ووجدنا أنفسنا أمام الكثير من المزيفين، الكل علماء، محللين، نقاد، لاهوتيين، الكل عالم ببواطن المرور والكل متخصص في كل شيء.


وتأثير تلك الوسائل قوي وخطير ويصعب السيطرة عليه، وقد امتد هذا التأثير إلى تحريك الثورات والانقلابات والاحتجاجات في الكثير من المناطق في العالم وفي انتخابات الدول وغيرها، كما تسببت بكل أسف في التشهير بالكثيرين وفي محاكمات البعض وإقالات البعض، كما أن هناك من يستخدمها لتخوين الآخر وتكفيره أو هرطقته وهناك من أنشأ مجموعات ولجان إلكترونية للهجوم على بعض الشخصيات العامة.


الكنيسة بالطبع لم تأمن من هذا التأثير السلبي الذي جعل تلك الميديا سلاحاً في يد عدو الخير وتكونت في داخلها تحزبات وشللية ومن لبولس ومن لأبولس وكُسرت الكثير من وصايا الكتاب، فيه فتجد الديانين، الشتامين، الكاذبين والمحرضين وأخطرهم من زعم أنه يدافع عن الإيمان فسقطت منه المحبة متناسياً قول الرسول: “وإن كانت لي نبوة، وأعلم جميع الأسرار وكل علم، وإن كان لي كل الإيمان حتى أنقل الجبال، ولكن ليس لي محبة، فلست شيئا.” (1 كو 13: 2).


التحزبات خَلًقت مبدأ المحاباة والكيل بمكيالين وصار من يختلف مع من تحب مهرطقاً في نظرك، مع أننا تعلمنا من آباء الكنيسة أن الشخص الوحيد غير القابل للنقد والمعصوم من الخطأ هو الثالوث القدوس، فيمكنك أن تنتقد تصرف بطرس أو توما، لكن لا يمكنك أن تنتقد تصرف الرب يسوع معهم. لكن ما نراه على السوشيال ميديا من تأليه وعصمة لبعض الأشخاص أمر غريب فمن الممكن أن تُخطّيء داود النبي أو تنتقد تصرف لموسى النبي العظيم أو تعاتب بولس في خلافه مع بطرس أو تنتقد أي تصرف لأي شخص عظيم في التاريخ إلا الشخص الذي تراه أنت غير قابل للنقد.


وأما عن أدب الحوار واحترام الكبير، حدّث ولا حرج وفي هذا المقام نذكر آباءنا الكبار البابا شنودة والانبا اغريغوريس وابونا متى المسكين، إن اختلفوا فكراً لكنا لم نسمع أو نقرأ لهم من يذكر اسم الآخر بلا لقب وبلا احترام بينما الآن قد تقرأ لشخص يذكر اسم اب كاهن او رجل كبير، بتهكم، دون لقب وهو أمر خطير ينم على قيادة الجسد للروح ولا يحسب لغير المحترم غيرته على الكنيسة لأن عد احترامه إطفاء لعمل الروح.


أما هرطقة الآخر واتهامه بالابتداع أو الطعن في إيمانه، فهو أمر مخيف، لا يدرك خطورته من ينطقه، فآباءنا القديسين أقاموا مجامع وضعت فيها محاكمات عادلة وإعطاء الفرصة كاملة للمدعى عليه أن يدافع عن نفسه وكان يجلس في المجمع قضاة وعلماء، فالهرطقة دون محاكمة عادلة، إثم كبير وخطية وتنشئ مخاصمة تحتاج توبة واعتراف لأن خصومة الآخر حسب قول الرب يسوع تمنع من القربان ولو علم مستخدمو كلمة هرطقة ما عقوبتها فالسماء لندموا أشد الندم.


لذا لم يعد لا من المنطق ولا من العقل الالتفات عن وسائل التواصل الاجتماعي وتجاهلها وتركها أداة في يد عدو الخير، دون أن يكون للحق صوت واضح. إننا اليوم قد نجد الرؤساء والقادة السياسيين والاقتصاديين والدينيين وغيرهم يضعونها في حساباتهم يراقبونها يوميا وقد يستخدموها، وباتت مادة فاعلة تستخدمها وتراقبها مخابرات الدول وأجهزتها الأمنية لأنها أداة قوية في يد المعارضة في كل مجال وفي أي مكان.


خلاصة الأمر، أن السوشيال ميديا لم تعد للتسلية ولم يعد التعامل معها أمراً هامشياً وقد أصبحت جزءا من الحياة وعلى الكنيسة أن يكون لها رد رسمي قوي في صفحة محايدة يديرها متخصصين حتى تتصدى للحروب المعلنة وغير المعلنة وللحسابات الوهمية التي تحاربها وتحارب باباها العظيم، حتى لو اعتبرنا أن الحرب تأتي من نفر قليل، لنحذر حتى لا يضل الكثيرين وتنقسم الكنيسة بسبب اختيارنا الخاطئ بدفن رؤوسنا كالنعام و- للحديث بقية

شاهد أيضاً

الاعلام

الإعلام المصري

الدكتور بهاء خليل هذا الذى صنعتوه وجعلتوه إعلامكم وصوتكم ومرأة الشعب التى ترونا بها لا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

كازينو 888 الكويت