الثلاثاء , نوفمبر 29 2022
راندا الهادي

راندا الهادي تكتب: كَذِبَةُ ماما!!

كَذِبَتْ أمي عندما كانت توقظنا على صوتها وهي تغني لكلٍّ منا باسمه، فاعتقدنا أن الحياة دوما ستوقظنا على السعادة والهناء!! كَذِبَتْ أمي عندما كانت تقول لنا: إننا عندما ننام سنأكل أرزًا مع الملائكة!!

فصُدِمنا عندما وجدنا الكوابيس تطاردنا ليس في الحُلم فقط وإنما بالواقع أيضًا، وأمسى النومُ أملا عزيزا على أجفاننا!! كَذِبَتْ أمي عندما وعدَتْنا بأن لكل مجتهدٍ نصيبًا، فلما كبرنا وجدنا الوساطة والعلاقات أخذت كلَّ الأنصبة!!

كَذِبَتُ أمي، وما أحلى كذبَها! جَعلَنا حتى اليوم نعتقد بأن هناك أملًا في حياةٍ أفضل، في اجتهادٍ يؤدي إلى النجاح والتميز، في صدقٍ يُنجي صاحبَه، في خيرٍ لكل طيبٍ رقيقِ القلب، في سعادةٍ لكل جابرٍ للخواطر، وأخيرًا في دخول الجنة لكلِّ مَن شكرَ نِعَمَ الله عليه، وجَمَعَ سَبْعَ لُقمات وقعت على الأرض!!

( كما كانت تُغني لنا: اللي يِلِمْ سَبَع لُقمات … يبقى له في الجنة قيراط ).

عندما قام العلماءُ بإجراء الدراسات والبحوث حول الشخص الأكثر تأثيرًا في الإنسان على مرِّ سنواتِ عمره، وجدوا أنها الأم سواء كانت متعلمةً أو غيرَ متعلمة، عاملةً أو غيرَ عاملة، حتى أن العلماء والباحثين أجرَوا دراسة دقيقة على نمو الطفل في مراحله الأولى، فوجدوا أن الأيام الألف الأولى في حياة كل إنسان تلعب الأم دورًا محوريا في تحديد مستقبل الطفل ونحت شخصيته، وهنا نتكلم عن الأعوام التي لا يُفارق فيها الطفلُ أمَّه

لذا صدق من قال: ( نحن صنيعةُ أمهاتِنا ).

وكما ذكرت منظمةُ اليونيسيف بإحدى حملاتها للتوعية بطرق تربية الأطفال، حيث أكدت أن القصص والحواديت التي نُلقيها على أسماع أطفالنا منذ ولادتهم تظل في ذاكرتهم مهما كبروا، وتلعب دورًا كبيرا في تحديد ملامح شخصيتهم.

وعندما تدخلَ العلمُ لتقديم التفسير لهذه القوة التأثيرية للأمهات على أبنائهم، وجد أن الأيام الألف الأولى من حياة الطفل، يتطور مخه بشكل هائل، حيث تتشكل روابطُ جديدة بين الخلايا العصبية في المخ بمعدل يصل إلى مليون رابطة جديدة في كل ثانية، وهو معدل لا يتكرر في أي مرحلة عمرية تالية

وبالطبع تلك الفترة يكون فيها الطفل رهين أمه، ملازمًا لها . ومن القصص الفريدة لقوة تأثير الأم وارتباطها بتشكيل مستقبل أولادها، والدةُ الإمام الشافعي _ رحمه الله _ إذ إن والد الشافعي مات بعد أن وُلِدَ ابنه بنحو عامين، فنشأ يتيمًا، وأصبح مصيرُه مرتبطًا بتصرُّف أمه، التي أثبتت _ وبكل جدارة _ أنها من الأمهات الصالحات المجاهدات؛ إذ أهدت للأمة الإسلامية إمامًا عظيمًا، ملأ سمع الأرض والسماء!!

ومن طريف ما يذكره المؤرخون عن والدة الإمام الشافعي أنها كانت ذات ذكاء و بصيرة وتفقُّه في الدين، ودليل ذلك أنها تقدمت هي وامرأة أخرى مع رجل للإدلاء بشهادة أمام قاضٍ، فأراد القاضي أن يفرِّق بين المرأتين، ولكن والدة الشافعي المتصفة بما أسلفنا من شمائل اعترضت على القاضي قائلة:

ليس لك ذلك؛ فالله سبحانه وتعالى يقول: “أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى” ( البقرة _ 282 )؛ فأسقِط في يد القاضي وانصاع لقولها.

وبعد كل ذلك، هل نحاسب أمهاتِنا على تلك القيم التي غَرَسْنَها بنا، ولفَظَها الواقعُ والمجتمع المحيط؟!!

هل نحاسبهم على عدم تنشئتنا كرجال عصابات ومافيا يستطيعون التصرف وسط هذا الواقع القبيح؟!! أم نحاسبهم على نواياهم الحسنة لتربية أبنائهم بما يرضي الله ويرضي نفوسهم الطاهرة؟!!!

أعتقد أن ما سنحاسبهم عليه، هو إخراجنا لهذا الواقع ورحيلُهم بدون سابق إنذار، مع علمهم الكامل بأننا لا نتنفس الحياة إلا داخل أحضانهم، ولا نرى الأمل إلا بعيونهم، ولا نتذوق طعمَ الدفء إلا عند عتبات منازلهم، والصدقُ كُلُّ الصدق في كَذِبَاتِهم.

شاهد أيضاً

الطريق إلى قلب الناس

ربما يسأل الكثيرين: ما هي الأمور التي تجعلني محبوبا ومقبولا لدى الناس؟، أو قل غالبيتهم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *