الأحد , يونيو 23 2024
د. محمد أبو بكر حميد

أحداث ونجوم ليلة عرسه (صلى الله عليه وسلم)

بقلم د. محمد أبوبكر حميد

اتفق آل عبدالمطلب بن هاشم مع آل خويلد الأسدي بن كلاب، بناءً على رغبة محمد صلى الله عليه وسلم وخديجة، أن يكون حفل الزواج بسيطاً يسيراً مفتوحاً لكلِّ طبقات الناس، لا تكشُّف فيه ولا ابتذال ولا خمر، ولا إسراف أو بذخ في الطعام، ولا لهو أو عبث أو مجون في السهر، كذلك الذي يحدث في حفلات زواج أثرياء مكة وكبرائها.

ورغم اعتراض البعض من الأُسرتين بأنّ هذا الحفل البسيط الذي يُكتفى فيه بوليمة وضرب الدفوف فقط، لا يليق بمحمد صلى الله عليه وسلم، صاحب الشرف الهاشمي الرفيع ولا بخديجة ذات الثراء الطويل العريض، لكن محمداً صلى الله عليه وسلم وخديجة أصرّا على رأيهما في زواجهما، وأعلنت خديجة أنّها ستبذل ما يمكن أن ينفقه أكبر أثرياء مكة في حفل عرس في ليلة واحدة على الفقراء والمساكين والمحتاجين، ولقي هذا الرأي استحساناً من أبي طالب لأنّ خديجة ستبذل من المال ما لو كان لديه مثله أو أكثر منه لبذله على هؤلاء، فهو ابن عبدالمطلب سليل المجد الأثيل وصاحب القلب الذي يفيض عطفاً ورحمةً وسخاءً وكرماً.

ولا شكّ أنّه صلى الله عليه وسلم مثله مثل أي عريس في مثل هذه الليلة المميّزة في حياته، وهو الوفي الحصيف، سيتأمل وجوه الناس الذين حضروا ليلة عرسه، فيرى كبار قريش في الصفوف الأولى، أعمامه جميعاً يميلون برؤوسهم تيهاً وفخراً بمحمد الأمين، يتصدّرون الصفوف الأولى

في مقدمتهم الشقيقان أبو طالب والزبير ويليهما العباس وضرار وحمزة والمقدم وعبدالعُزَّى (أبولهب) والحارث والغيدان .. تسعة إخوان، وما كان ينقصهم إلاّ العاشر أبوه عبدالله بن عبدالمطلب أخوهم الأصغر.

ولا شكّ أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّت على ملامحه سحابة كدر تمنى فيها لو كان والده حيّاً لكان أسعدهم جميعاً به في هذا اليوم. ولكن مثله في وفائه لا يمكن أن ينسى حب عمه أبي طالب له الذي لم تفتر عيناه عن النظر إليه ومتابعته منذ بدأت مراسم العرس.

ولكن خاطر العريس الصادق الأمين لا بدّ أن يهدأ حين يتذكّر أنّ أباً لا يمكنه أن يحب ابنه أكثر من محبة عمه أبي طالب له، فهو قد فضّله على أولاده الذين من صُلبه. ولا بدّ لعريس مثله في مثل هذه الليلة أن يتجه بنظره إلى وجوه أهل العروس،

فوجد صلى الله عليه وسلم في مقدمة الرجال من أهل خديجة عمها عمرو بن أسد وابن عمها ورقة بن نوفل بن عبدالعزى، ولاحظ أنّ نظرات ورقة لا تفارقه، ومثلما قرأ في نظرات عمه أبي طالب إليه كل الحب، قرأ في نظرات ورقة بن نوفل إليه كل الإعجاب والاعتزاز،

فهو الوحيد بين القوم أجمعين الذي لديه علم من التوراة والإنجيل يشير إلى أنّه قد أطل زمان ظهور آخر الأنبياء، وأن الإرهاصات جميعاً تجتمع في هذا العريس الشاب الذي يجلس أمامه الآن.

ولا شكّ أنّه تنقّل صلى الله عليه وسلم بنظره بين الصفوف، فوجد أبناء جده الأكبر قصي قد حضروا بفئتيهم، فئة من أطلق عليهم (المطيَّبُون) وهم بنو عبد مناف ومن حالفهم من بني أسد بن عبدالعزى وأبرزهم ورقة بن نوفل الذي جعله موقعه من خديجة يجلس في طليعة القوم، وبني زهرة وبني تيم وبني الحارث بن فهر، ثم انتقل صلى الله عليه وسلم ببصره إلى الفئة الثانية التي تسمَّى (الأحلاف) وهم بنو عبد الدار ومن حالفهم من بني سهم وجمح ومخزوم وعدي.

ومثل محمد صلى الله عليه وسلم في حيائه وأدبه العظيم، فإنّه إذا اصطدم نظره بجموع النساء لا يمكن إلاّ أن يغض بصره إلاّ عن وجوه محارمه، فهناك عماته الست يتصدَّرن جموع سيدات قريش،

وقد بدت على ملامحهنّ الفرحة والسرور، وهنّ: صفية وأم حكيم وعاتكة، وأميمة وأروى وبرة. ولكن ثلاث نسوة أخريات كنّ أكثر سعادة، ورأى العريس محمد صلى الله عليه وسلم أنّ الدموع تكاد تطفر من عيونهنّ من فرط الفرح، إنّهن أُمّهاته الثلاث: مرضعته حليمة السعدية ومربيته أم أيمن بركة بنت ثعلبة كادتا تطيران من الفرحة وهما تسعيان بين الصفوف لخدمة الناس،

أمّا الثالثة فهي أُمه التي أغدقت عليه حبها وحنانها منذ وفاة أُمه إلى يوم عرسه، إنّها زوجة عمه أبي طالب فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف القرشية التي كانت تمر بيدها على خديها تمسح منهما دموعاً تتساقط فرحاً من

حين لآخر لم تقو على حبسها، وهي تتنقّل ببصرها الحنون بين وجه محمد صلى الله عليه وسلم الذي رأته يشعُّ نوراً يخترق القلوب ويملأ المكان، ووجه عروسه خديجة الذي لم تره يوماً أكثر وضاءة ورضاً واطمئناناً من هذا اليوم.

وقد لاحظت فاطمة وكثير من الحضور أن خديجة كانت تسرح ببصرها بين الفينة والفينة وتتطلّع إلى السماء وكأنها تبحث عن شيء فما أن تراه حتى تعود إلى الأرض تتأمل وجوه الناس حولها بوجه مشرقٍ كالقمر.

وكان ابن عمها ورقة بن نوفل أكثر الناس مراقبة لها، فكان كلما نظر إليها في حال سرحانها ارتدّ بصره عنها وعلى ثغره ابتسامة ذات مغذى، ما كان لأحدٍ من الحضور أن يفهمه إلاّ خديجة

فقد كانت في تطلُّعها إلى السماء تستعيد الرؤيا التي رأت فيها أنّ شمساً تهبط في بيتها فتملأه نوراً يضيء الكون كله، وأنّ هذا النور – كما فسّره لها ورقة بن نوفل – هو عريسها محمد صلى الله عليه وسلم الذي فاض نوره على القمر والنجوم فأشرقت به ظلمة الليل البهيم التي بدت لأنظار الناس كأنها إشراقة صبح

وما أن انفض السامر، وانتهت مراسم الزواج، حتى شعر أبو طالب أنّه قد أكمل رسالته مع ابن أخيه الذي أحسن تربيته ورعايته وأحاطه بسور عظيم من عطفه ومحبته حتى رآه رجلاً يأكل من كسب يده، وهو اليوم، يوم عرسه فخور به أكثر من أبنائه جميعاً

إذ طارت سمعة خلقه وأمانته في آفاق مكة فلا يوجد بها مخلوق إلاّ ويحترمه لذلك احتراماً علا به قدر بني هاشم فوق علوِّه، وزواجه اليوم من سيدة قريش الطاهرة خديجة بنت خويلد التي خطبها أكابر رجال عصرها فردّتهم

أصبح حديث الناس في مكة، وهم جميعاً، السعيد منهم والحاسد، يتفقون على أهليّة محمد صلى الله عليه وسلم وأحقيته وكفاءته خلقاً ورجولة ونسباً لسيدة نساء عصرها التي غدت بزواجها منه صلى الله عليه وسلم خير نساء العالمين.

كان هذا الخاطر يجول بذهن أبي طالب ليلة زواج ابن أخيه، وما رآه أحدٌ في مكة في ذلك اليوم إلاّ وعرف أنّ هذا أسعد أيام حياته، كان كسا وجهه البشر، والناس تتقاطر عليه من أنحاء مكة يباركون له زواج محمد الصادق الأمين

هكذا ظنّ أبو طالب في ذلك اليوم أنّه قد أدّى رسالته كاملة نحو ابن أخيه وآن له أن يرتاح من هذه المسئولية الكبيرة، وما كان يدري أنّ هذا الظن غير صحيح، وأنّ محبته لمحمد صلى الله عليه وسلم قد تأصّلت في سويداء قلبه، وأنّه سيظل يحدب عليه طوال سنوات عيشه مع خديجة قبل دعوته بالإسلام، وأنّه عندما يُبعث نبياً سيكون حربة الدفاع المستميت عنه .. وأنّه سيقف في صفه رغم أنّه لن يُسلم – ينصره ويؤازره ويردّ عنه كيد المعتدين حتى يتوفاه الله.

ما كان أبو طالب يدري ما يطويه له ظهر الغيب من كلِّ ذلك. أمّا من كان ينافس أبا طالب في محبته لمحمد صلى الله عليه وسلم منافسة شديدة، فكنّ أمهاته الثلاث اللاتي رأينا مدى فرحتهنّ دون غيرهنّ من الناس، أولاهنّ – حسب ترتيب ظهورهن في حياته لا حسب ترتيب محبتهنّ له صلى الله عليه وسلم – مرضعته الأولى وهي حليمة بنت عبدالله بن الحارث بن شجنة بن جابر بن رزام بن ناصرة بن قبيصة بن نصر بن سعد بن بكر بن هوازن الملقَّبة بالسعدية

جاءت من مضارب بني سعد تصطحب ابنتها الشيماء أخت الرسول صلى الله عليه وسلم بالرضاعة لتشاركا في فرحة هذا الابن البار والأخ الحبيب، وقد أكرمتها خديجة بأربعين رأساً من الغنم، وكانت هذه المرة الأولى التي ترى فيها حليمة ابنها محمد صلى الله عليه وسلم بعد أن فارقها صبياً صغيراً.

أول بيت نزل فيه وحي السماء ودخله جبريل الأمين كانت بركة بنت ثعلبة بن عمرو بن حصن بن مالك بن سلمة بن عمر بن النعمان الحبشية (أم أيمن) مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم المرأة الثانية التي نافست أبا طالب في محبته ابن أخيه ليلة عرسه، ولها في نفسه مكانة وذكرى؛ فهي الإنسان الوحيد الذي شهد ذلك المشهد الحزين الذي أسلمت فيه آمنة بنت وهب الروح بالأبواء وهي تحتضن طفلها محمداً، فكانت أول مَن احتضنه بعد أمه

وظلَّت تحضنه وتمسح دموعه طوال الطريق إلى مكة، وأصبحت له أماً لا تفارقه أبداً.

وقد مرّ هذا الشريط بذاكرتها ليلة عرسه، وتخيَّلت أمه آمنة بنت وهب تضيء المكان بحضورها ليلة عرس ابنها، فأفلتت من عينيها دمعتان، فلما رفعت بصرها التقى نظرها بعين محمد صلى الله عليه وسلم وفهمت أنه ربما كان يفكر فيما تفكر فيه، فلا شك أنه تمنَّى حضور أمه في مثل هذه الليلة المميَّزة بين ليالي العمر في حياة كل شاب، ولا شك أنه لا يزال يحتفظ بملامح وجه أمه على رغم أنه كان في السادسة من عمره، وربما ظلّ يستعيده طوال كل هذه السنين، وكانت أم أيمن أكثر مَن يذكِّره بأمه،

وعلى رغم تعدُّد الأمهات حوله إلا أن أمه آمنة بن وهب كانت حاضرةً معه في كل لحظات حياته، وهي هذه الليلة أكثر حضوراً وتألقاً وفرحاً من كل الحضور!.

هذا ما شعرت به أم أيمن وهي تتأمل في عينيه المشعَّتين بالنور، وهي تحاول قراءة ما يدور في خاطر صاحبهما، وكان من أهم أحداث ليلة عرسه صلى الله عليه وسلم تكريم أم أيمن بعتقها لوجه الله، وكان قد عرض عليها هذا مراراً فرفضت خشية أن تبعد عنه

فقد كانت تجد حريتها في القرب منه، أما وقد تزوَّج فلا مناص من البعد عنه، فلم تملك إلا أن تقبل بعتقه لها وهي مطمئنة أنه سيجد في أحضان خديجة الطاهرة إخلاص الزوجة، وحنان الأم، وحكمة المستشار.

وقد قرَّت عين محمد صلى الله عليه وسلم بخطبة عبيد بن الحارث الخزرجي لها بعد عتقها، فتزوجته بعدُ.

ولم تلبث أن حملت وأنجبت ابنها أيمن وعاشا بالقرب منه ومن خديجة ينعمان بالكرم والمروءة والوفاء.

أما المرأة الثالثة التي نافست أبا طالب في محبَّته محمداً صلى الله عليه وسلم فهي زوجته فاطمة بنت أسد بن هاشم القرشية.

ولا عجب في ذلك؛ فهي التي أوى محمد إلى بيتها في الثامنة من عمره فاكتنفته بحنانها وأنزلته في منزل أبنائها. وقد لاحظ أبو طالب فرحتها الغامرة في كل حركاتها وسكناتها حتى يكاد من يقترب منها يسمع خفقان قلبها الذي يودّ الخروج من صدرها لاحتضان محمد صلى الله عليه وسلم في يومه المشهود.

وقد سُرَّ أبو طالب بهذا سروراً عظيماً، وأحسّ بالفخر والاعتزاز بمثل هذه الزوجة النادرة المثيل؛ فقليل من الأمهات هن اللاتي يستطعن تقبُّل ومحبة غير فلذات أكبادهن.

أما فاطمة بنت أسد الهاشمية فكانت تقدِّم محمداً على أولادها في كل شيء؛ لما رأته فيه من حب وطاعة وسكينة ورزانة لم تجدها في ولد غيره قط.

وعندما أقبلت أم جميل بنت حرب بن أمية بن عبد شمس زوجة أخيه عبد العزى (أبو لهب) لاحظ أبو طالب أن زوجته فاطمة ازورَّت منها قليلاً قبل أن تتصنَّع ما يقضيه الواجب في الترحيب بها وهي العاقلة الحصيفة، ويتفهم أبو طالب موقف زوجته، ذلك لأن أم جميل تختلف عن جميع زوجات إخوانه بشراسة الطبع؛ فهي حمقاء وقحة هوجاء بها شيء من الصلف والغرور بالثراء الذي يزيد به زوجها على إخوانه المتوسطي الحال

وقد سمع أبو طالب أم جميل تقول لزوجته فاطمة – بصوت مرتفع ليسمع الحضور – إن زوجها عبد العزى الذي أعتق ثويبة الأسلمية يوم بشَّرته بمولد محمد – ابن أخيه – يريد في يوم زواجه أن ينحر الجذور ويذبح الذبائح لللات والعزى وبقية الآلهة على الكعبة، لكن محمداً وخديجة رفضا ذلك رفضاً شديداً، ثم قالت بصوت منخفض مستنكرةً: لما تعلمين من موقفهما من آلهتنا هداهما الله!!.

أما ثويبة الأسلمية (أم مسروح) التي أرضعت محمداً صلى الله عليه وسلم في الأيام الأولى لولادته قبل تسليمه حليمة السعدية فقد كانت تتحدث مسرورةً مع مرضعة أخرى له صلى الله عليه وسلم تُدعى خولة بنت المنذر، وكان موضوع حديثهما عن مدى التوفيق الذي حالف خديجة في الزواج بشاب ممتاز مثله، ومدى التوفيق الذي حالفه في الزواج بخديجة الثرية النبيلة الطاهرة.

ولما كانت مرضعاته يعرفن أن محمداً صلى الله عليه وسلم لا إخوة له ولا أخوات من أمه وأبيه فقد حرصن على حضور إخوانه وأخواته من الرضاعة، فكان مع حليمة السعدية ابنها عبد الله بن الحارث وابنتاها أنيسة بنت الحارث وجذامة بنت الحارث الشهيرة باسم الشيماء، وقد رضعوا جميعاً معه. كما كان مع ثويبة الأسلمية ابنها مسروح الذي رضع معه صلى الله عليه وسلم.

وكان من الطبيعي بحكم تقارب السن أن يقف معهم حمزة بن عبد المطلب عم محمد صلى الله عليه وسلم وأخوه في الرضاعة؛ فأم حمزة هي خالته هالة بنت وهب أخت أمه آمنة بنت وهب، أرضعته في الأيام الأولى لولادته توطيداً للأواصر مع أختها آمنة.

لا عجب أن يحتفي هؤلاء جميعاً بزواج محمد صلى الله عليه وسلم الذي أجمعوا على محبَّته لنبله وخلقه وعفته وعراقة محتده، فلم يكن إلا مسكاً يتضوَّع في حياة كل هؤلاء سواء كانوا من أهله وذوي قرابته أو من أكابر أهل مكة وعامتهم.

ولا عجب أن يكون عرسه مميَّزاً بين أعراس شباب مكة بالبساطة والطهر وباجتماع الأغنياء والفقراء فيه؛ فقد كان محمد صلى الله عليه وسلم محترماً مُهاباً من الأغنياء ومحبوباً قريباً من الفقراء.

ولا عجب أن تسعى أمهاته اللاتي أرضعنه من أماكنهن البعيدة إليه في يوم عرسه وهو الوفيّ صاحب المروءة؛ إذ كان يصلهن ويتفقد أحوالهن ويُحسن إليهن، ويفعل مثل ذلك مع إخوانه وأخواته منهن.

لا عجب أن يكون هؤلاء جميعاً سعداء بزواج محمد صلى الله عليه وسلم فرحين له وبه؛ فلم يعرفوه يوماً مقصِّراً في أداء واجب أو أداء حق، كان أوصلهم لرحمه، أكثرهم تفقداً لهم، وتسامحاً معهم، وإحساناً إليهم.

لم يسمعه أحد يوماً يلوِّث لسانه بغيبة إنسان، أو يعاتب مقصراً في حقه، ولم يره أحد يوماً غاضباً أو ناقماً على مخلوق، كانت قدرته على كظم الغيظ مضرب المثل في الأسرة الهاشمية، ومقدرته على التماس الأعذار للآخرين وسعة صدره من أهم ما حبَّب الناس فيه، فضلاً عن أمانته الذائعة الصيت في حفظ أموال الناس وأسرارهم.

ولم يكن يخطر في بال أحد من هؤلاء الذين احتفوا به يوم عرسه أنه سيأتي يوم بعد خمسة عشر عاماً من ذلك اليوم يختلفون فيه عليه وينقسمون؛ فيؤمن به ويصدقه فريق منهم وهو الأقل، ويكفر به ويحاربه الفريق الآخر وهو الأكثر، ويكون في مقدِّمة الكافرين به جماعة من أهله يتصدَّرهم في كيد العداوة له عمه عبد العزى الذي أعتق جاريته فرحاً بمولده، تؤازره في هذه العداوة زوجه أم جميل.

ولم يدر بخلد أحد أن الله سبحانه وتعالى سينزل قرآناً من فوق سبع سماوات يردّ به كيد هذا العم وزوجته، ويصمهما باسمين يلصقان بهما أبد الدهر، فيُسمَّى عبد العزى (أبا لهب)، وتُسمَّى زوجته (حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد).

وتحدَّث الناس في مكة في ذلك اليوم بإعجاب وإكبار لرجولة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد آثر ألا يعيش مع زوجه خديجة في بيتها الكبير الذي عاشت فيه مع زوجيها السابقين (وموقعه بفوة أجياد الكبير، أسفل جبل خليفة الذي يُطلق عليه الآن جبل القلعة عند مدخل النفق المواجه لباب الملك عبد العزيز بالحرم المكي الشريف).

اشترى محمد صلى الله عليه وسلم بالمال الذي توفَّر لديه من عمله بالتجارة بيتاً من ابن أخي خديجة حزام بن حكيم (ويقع شرقي المسعى على بُعد خطوات من باب النبي الحالي بالحرم المكي الشريف مع ميل قليل إلى الشمال).

وفي هذا البيت ابتنى بها صلى الله عليه وسلم وأنزلها فيه، وقبلت خديجة الثرية مسرورةً بالانتقال من بيتها الكبير إلى هذا البيت الصغير الذي يتفق مع إمكانات زوجها الشاب.

وكانت سعادتها غامرة أن زوجها محمد صلى الله عليه وسلم لم ينقلها بعيداً عن حمى الحرم الذي تحرص على جواره؛ فقد ولدت في ظلّ الكعبة، في دار جدها أسد بن عبد العزى الذي كان مواجهاً للكعبة من الجهة الغربية، بينها وبين الكعبة تسعة أذرع، فكان ظلّ الكعبة يقع على هذه الدار في الصباح، وظلّ الدار يقع على الكعبة في العشيّ، وقد أطلق أهل مكة على دار أسد هذه اسم (رضيعة الكعبة)؛ لشدة قربها منها.

ولا زالت خديجة تذكر من صباها في هذه الدار أن الشجرة التي تقع في فنائها تمتدّ أغصانها إلى جهة الكعبة فتتعلق بها بعض أثواب الطائفين، وظلَّت على ذلك الحال حتى عهد عمر بن الخطاب الذي قطعها وفداها ببقرة، واشترى هذه الدار وهدمها وأدخل أرضها في المسجد الحرام (خديجة، محمد عبده يماني، ص37)،

وكانت تلك أول توسعة تاريخية للمسجد الحرام. وفي البيت – الأخير – الذي اشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسكن فيه بعد زواجه أنجبت له فيه زوجه خديجة جميع أولاده منها، وفيه نزل الوحي من السماء عليه، وتردَّد عليه فيه جبريل الأمين، ومنه انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعوته لنور الإسلام الذي أضاء الخافقين، وأنزل الله عليه فيه السبع المثاني والقرآن العظيم (في موكب السيرة النبوية، الشنقيطي، ص24).

وفي هذا البيت مكث صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة سنة يدعو الناس إلى التوحيد وترك عبادة الأوثان، ومن هذا البيت قدَّم رسول الله نفسه لقريش وللناس أنه مرسل من رب العالمين، ومنه استنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم لتبليغ الرسالة لقريش وللناس كافةً، فنزل عليه فيه: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ}، و{يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً}، وأنزل عليه: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ}، و{وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ}، وقوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا}، ثم إنه نزل في هذا البيت أكثر من ثلثي سور القرآن الكريم.

وخلاصة أقول العلماء هنا هي أن الذي أنزل من القرآن بمكة اثنتان وثمانون سورة، والذي نزل بالمدينة المنورة عشرون، وهذا من دون خلاف، وأن الذي اختلف فيه اثنتا عشرة سورة (المدخل لدراسة القرآن الكريم، محمد أبو شهبة، ص203).

وذكر أهل السِّيَر أن كبار كفار قريش؛ مثل أبي جهل، وأبي سفيان بن حرب، والأخنس بن شريق، كانوا يستمعون خفيةً حول هذا البيت لقراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم طوال الليل حتى الفجر (ابن هشام

شاهد أيضاً

الكنيسة والأقباط …. معضلة المجتمع المدني القبطى

بمناسبة عيد ميلادى فاحب اثير معاكم الجدل و البلبلة و العب فى الثوابت و اتكلم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.