الأحد , يونيو 23 2024
الكنيسة القبطية
كتاب القديس بولس الرسول

عرض كتاب: القديس بولس الرسول «حياته * لاهوته * أعماله» للأب متى المسكين[6] ـ حادث دمشق ـ

كمال زاخر

واقعة الظهور المباغت من الرب يسوع لبولس تؤكد أن تدبير الرب لبيعته لم ينقطع أو يتوقف بعد أن أتم للبشرية خطة خلاصها، ولم يرُد آدم إلى رتبته الأولى وحسب بل منحه حياة ابدية، وحول العقوبة ـ الموت ـ إلى خلاصاً بحسب تعبير القداس الإلهى، هى واقعة تكشف أن المسيح مازال هو الراعى الحقيقى الذى يختار خدامه، ويدعوهم.

يصحبنا الكاتب إلى تلك اللحظة وذاك المكان “كان يوماً مشهوداً، السماء صحو والوقت ظهيرة والشمس فى قيظ الصيف فى أشد لمعانها، والرحلة من أورشليم بلغت نهايتها إلا قليلاً، فقد ترك بولس ورفاقه شواطئ بحيرة طبرية بجوها اللطيف وخضرتها الداكنة، ودخلوا إلى مرتفعات الجليل الأعلى (الجولان) بطرقها الصخرية وصحرائها القاحلة.

فكان الحدث الذى ارتجت له حياة بولس”.

ويورد الكاتب نص ما سجله بولس عن هذا اللقاء وأيضاً ما سجله باقتضاب القديس لوقا عن ذات الحدث، فى سفر الأعمال، وكيف لم تحتمل عينا بولس النور المبهر “وإذ كنت لا أبصر من أجل بهاء ذلك النور اقتادنى بيدى الذين كانوا معى فجئت إلى دمشق” (أعمال 22)، “وكان ثلاثة أيام لا يبصر، فلم يأكل ولم يشرب” (أعمال 9).

يعلق الكاتب على أن الذين كانوا مع بولس “نظروا النور وارتعبوا ولكنهم لم يسمعوا صوت الذى كلمنى”، يعلق الكاتب موضحاً “معروف أنه فى انكشاف الحقائق السماوية، لا يمكن أن يرى كل واحد ما يراه الآخر أو يسمع ما يسمعه الآخر، لأن الاستعلان بالرؤية يعتمد أساساً على مقدار وعمق وعى الإنسان الروحى، حيث لا يتساوى اثنان فى المدارك الروحية، ول يتفق اثنان على معنى واحد، لذلك نجد فى وصف هذا الاختبار تعدد الشهادات من حيث الرؤيا والسمع والإدراك” (راجع اعمال 7:9 و 9:22).

ويلفت الكاتب النظر إلى أن الرب يسوع يظهر فى نفس الوقت فى رؤيا لحنانيا وهو من التلاميذ «قُمْ وَاذْهَبْ إِلَى الزُّقَاقِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْمُسْتَقِيمُ، وَاطْلُبْ فِي بَيْتِ يَهُوذَا رَجُلاً طَرْسُوسِيًّا اسْمُهُ شَاوُلُ . لأَنَّهُ هُوَذَا يُصَلِّي، وَقَدْ رَأَى فِي رُؤْيَا رَجُلاً اسْمُهُ حَنَانِيَّا دَاخِلاً وَوَاضِعًا يَدَهُ عَلَيْهِ لِكَيْ يُبْصِرَ». فَأَجَابَ حَنَانِيَّا:«يَارَبُّ، قَدْ سَمِعْتُ مِنْ كَثِيرِينَ عَنْ هذَا الرَّجُلِ، كَمْ مِنَ الشُّرُورِ فَعَلَ بِقِدِّيسِيكَ فِي أُورُشَلِيمَ. وَههُنَا لَهُ سُلْطَانٌ مِنْ قِبَلِ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ أَنْ يُوثِقَ جَمِيعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ بِاسْمِكَ». فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ: «اذْهَبْ! لأَنَّ هذَا لِي إِنَاءٌ مُخْتَارٌ لِيَحْمِلَ اسْمِي أَمَامَ أُمَمٍ وَمُلُوكٍ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ. لأَنِّي سَأُرِيهِ كَمْ يَنْبَغِي أَنْ يَتَأَلَّمَ مِنْ أَجْلِ اسْمِي». فَمَضَى حَنَانِيَّا وَدَخَلَ الْبَيْتَ وَوَضَعَ عَلَيْهِ يَدَيْهِ، … فَلِلْوَقْتِ وَقَعَ مِنْ عَيْنَيْهِ شَيْءٌ كَأَنَّهُ قُشُورٌ، فَأَبْصَرَ فِي الْحَالِ، وَقَامَ وَاعْتَمَدَ».توقفت كثيراً أمام هذا الترتيب، وتوقيتاته، الله عندما يدعو من اختاره للخدمة لا يتركه وحيداً بل يهيئ كل ما ـ ومن ـ حوله، ليتمم خدمته، كاناء مختار.

ويرد الكاتب على من ذهب الى أن بولس كان يسمع صوت الرب فى داخله وحسب، أو هو تنويعة على الإنفعال النفسانى، وبعضهم حسبه مرضاً عصبياً، ليفرد سطوره بخبرة الناسك الباحث المختبر، لشرح درجات الاستعلان وأصوله واستعداداته، فى سياحة داخل اروقة الكتاب المقدس، يجمع الاستعلانات التى تتراوح بين ما يكون أشد من البوق، وبين ما يأتى خفيفاً ليناً، ومن الاستعلانات ما يأتى والإنسان يصلى ، ومنها ما يأتى فى الرؤيا والإنسان شبه نائم يرى ويسمع ويتكلم، “وقد اختبر القديس بولس درجات الاستعلان جميعاً”.

ويستحضر الكاتب شهادات من تعاملوا مع القديس بولس فى هذه الواقعة وما تلاها، حنانيا وبرنابا، فالأول الذى كلفه الرب يسوع بالذهاب الى بولس، يسجل شهادته «أَيُّهَا الأَخُ شَاوُلُ، قَدْ أَرْسَلَنِي الرَّبُّ يَسُوعُ الَّذِي ظَهَرَ لَكَ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي جِئْتَ فِيهِ، لِكَي تُبْصِرَ وَتَمْتَلِئَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ». فيما “أَخَذَهُ بَرْنَابَا وَأَحْضَرَهُ إِلَى الرُّسُلِ، وَحَدَّثَهُمْ كَيْفَ أَبْصَرَ الرَّبَّ فِي الطَّرِيقِ وَأَنَّهُ كَلَّمَهُ، وَكَيْفَ جَاهَرَ فِي دِمَشْقَ بِاسْمِ يَسُوعَ.”ومع ذلك واجه القديس بولس حالة من الإرتياب من الكنيسة، يرصدها الكاتب برشاقة وحرص:”نظر ـ بولس ـ حوله فوجد الكل مرتاباً ووجلاً، ودخل فترة من أعصب فترات حياته، فما كان يظن أبداً أن يأتى اليوم الذى يقف فيه موقف المنبوذ !، فلا المسيحيون جرأوا أن يقتربوا إليه، ولا اليهود رضوا أن يقترب منهم، أما المسيحيون، فمناظر وعلامات التعذيب كانت لا تزال على اجسادهم، وأخبار الذين طرحهم فى السجون كلها ليست قصص الأمس البعيد، بل قصة اليوم، ولا تزال جروحهم عليهم، وأما اليهود فلما سمعوا شهادته بالمسيح فزعوا وأخذتهم الحيرة والدهشة … وَأَمَّا شَاوُلُ فَكَانَ يَزْدَادُ قُوَّةً، وَيُحَيِّرُ الْيَهُودَ السَّاكِنِينَ فِي دِمَشْقَ مُحَقِّقًا «أَنَّ هذَا هُوَ الْمَسِيحُ». (أعمال22:9).

يرصد الكاتب تربص اليهود تجاه القديس بولس، حتى أنه انطلق إلى العربية (المنطة المتاخمة للبحر الميت، من جهة الشرق حيث قبر موسى، وتنتهى عند خليج العقبة) لكى يتوارى عن أعين المتربصين من جانب، وبالأكثر لإعادة بناء إيمانه من جانب أهم. ويظن الكاتب مرجحاً أن تحالفاً قام بين رؤساء الكهنة ووالى دمشق لإيذاء بولس الرسول والقبض عليه، فبيما “تَشَاوَرَ الْيَهُودُ لِيَقْتُلُوهُ، فَعَلِمَ شَاوُلُ بِمَكِيدَتِهِمْ. وَكَانُوا يُرَاقِبُونَ الأَبْوَابَ أَيْضًا نَهَارًا وَلَيْلاً لِيَقْتُلُوهُ. فَأَخَذَهُ التَّلاَمِيذُ لَيْلاً وَأَنْزَلُوهُ مِنَ السُّورِ مُدَلِّينَ إِيَّاهُ فِي سَلّ.” (أعمال 9: 23 ـ 25) و “فِي دِمَشْقَ، وَالِي الْحَارِثِ الْمَلِكِ كَانَ يَحْرُسُ مدِينَةَ الدِّمَشْقِيِّينَ، يُرِيدُ أَنْ يُمْسِكَنِي، فَتَدَلَّيْتُ مِنْ طَاقَةٍ فِي زَنْبِيل مِنَ السُّورِ، وَنَجَوْتُ مِنْ يَدَيْهِ.” (2 كو11: 32 ـ 33).

بقى القديس بولس فى منطقة العربية لنحو ثلاث سنوات، “وكانت فترة مراجعة وتوبة ودراسة على يد الروح القدس وانفتاح وعى الإيمان على أعلى وأعمق إمكانياته”يتوقف الكاتب طويلاً أمام حوار الرب يسوع المسيح مع بولس وأثاره على فكر بولس، ويعلق: “حينما أطل المسيح فى مجده على بولس من السماء؛ أدرك بولس الزمن السمائى المعد للخليقة الجديدة للذين يموتون فى المسيح ويحيون له من الآن، أدرك نوع الحياة الممجدة التى سيحياها مُتَّقوُه، أدرك حتمية زوال هذا العالم الحاضر، بعد اكتمال التبنى فداء الأجساد لقبول مجد الحياة الأبدية . أدرك أن الرجاء الذى نرجوه الآن بالقيامة من الأموات يستمد اليقين من المسيح الناظر إليه من السماء.

يعود الكاتب فيقتفى آثار عمل المسيح فى القديس بولس، وكيف كان التغيير يتم على مراحل حسب تعبير ق. بولس “وَنَحْنُ جَمِيعًا نَاظِرِينَ مَجْدَ الرَّبِّ بِوَجْهٍ مَكْشُوفٍ، كَمَا في مِرْآةٍ، نَتَغَيَّرُ إِلَى تِلْكَ الصُّورَةِ عَيْنِهَا، مِنْ مَجْدٍ إِلَى مَجْدٍ، كَمَا مِنَ الرَّبِّ الرُّوحِ.” (2كو18:3).

وكيف ظل المسيح يبنى هذا الرسول لحساب خلاص الأمم، وكيف اكتمل منهجه الروحى الذى استلهمه من المسيح نفسه، عبر استعلانات متتالية وكثيرة، وهو ما نعرفه من دفاعه عن صدق انجيله ودرايته بسر المسيح.

ويكشف الكاتب أن “قيام بولس الرسول بالخدمة الرسولية بين الأمم ذوى الغلفة هكذا بأمر الرب وتدبيره وبموافقة الرسل وإعطائه يمين الشركة، انفتحت الكنيسة على العالم كله.وهنا يليق بنا جداً أن نتفكر ملياً، كيف أعد الله بولس الرسول ليكون فريسياً، متعصباً للناموس، ليقود حركة دخول الأمم الغُلف للإيمان بالمسيح بدون ناموس ولا سبت ولا ختان ولا أى عادة من عادات اليهود، آخذاً على نفسه حمايتهم من سطوة الفريسيين، بما له من دراية وعلم ومقدرة للدفاع والإقناع. هذا أمر يَدهِشُ له العقل حقاً”.

ثم يأخذنا الكاتب إلى لجج وأمواج خدمة القديس بولس فى عرض “مسيحية القديس بولس”، وهو ما سنعرضه فى المقال القادم.

شاهد أيضاً

الكنيسة والأقباط …. معضلة المجتمع المدني القبطى

بمناسبة عيد ميلادى فاحب اثير معاكم الجدل و البلبلة و العب فى الثوابت و اتكلم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.