الأربعاء , مايو 29 2024
الكنيسة القبطية
ماجد سوس

أنت صحيح بتحبني

ماجد سوس

كان القائد يبحث عن رجال أوفياء يساعدونه في مهمته التي جاء من أجلها إلى المدينة لينقذ شعبها من الأسر والسبي والجهل أيضاً.

كان من المنطقي والطبيعي أن يختار الأقوياء لحمايته وحماية من معه والأغنياء لسد احتياجات المهمة

وفي النهاية المثقفين لنشر الوعي المجتمعي والإنساني ورجال الدين المتبحرين في الشريعة والعلوم الدينية

لتنشيط الجانب الروحي للشعب. تمشي القائد على الشاطئ ووجد مركباً صغيراً قديما ًمتهالكاً لا يقدر على مقاومة الرياح ولا على ارتفاع الأمواج.

يعمل عليه صيادون فقراء بسطاء يبحثون عن أرزاقهم بأدوات بدائية وشباك قديمة بالية مخرّقة

يقومون بترقيعها وإصلاحها كي تعمل لصيد اسماك قليلة يشكرون الله.

في اليوم التالي، دخل القائد إلى المدينة بلا حراسة أو موكب أو بروباجندا وبدأ يلتقي بكل طوائف الشعب، بالعظماء والأغنياء ورجال الدين والمثقفين والفقراء والمشردين والمرضى والمأسورين، تكلم مع الجميع، تحاور مع الكل

بلا تعالي أو تشامخ أو تكبر، رغم مكانته وقدرته التي تجعله يأمر فيطاع، ولكنه قرر أن يعيش وسط الناس لفترة،

يستمع لمشاكل ويسدد احتياجاتهم، حتى لو كلفه هذا عناء الطريق واحتمال الرافضين له والمتذمرين عليه دون أن يظهر أو يستخدم قوته أو سلطانه.

عاد إلى الشاطئ مرة أخرى وهناك اتخذ قراره العجيب، غير المنطقي، سيكون رجالي من هؤلاء الصيادين.

قال له أحدهم ماذا، هذا غير معقول. كيف أيها القائد الغني تقبل أن يكون رجالك بهذا الفقر، أنا لا يهمني المال وسأغنيهم، هكذا أجاب السائل.

كيف تطلب من جهلاء أن يقوموا بتعليم الشعب هكذا تساءل البعض، فأجاب، أنا سأرسل لهم مُعلم يكون معهم دائماً،

يقوم بتدريبهم وتعليمهم بل ويعطيهم ما يقولون . ياسيد، هؤلاء ليسوا من انساب العظماء والأنبياء، بلا تاريخ يا سيدي.

عزيزي، أنا لا يهمني ماضيهم أو تاريخهم أنا أريدهم أن يبدأوا تاريخهم وأنسابهم معي من الآن.

أنا أريدهم جهلاء مزدرى وغير موجود. أيها القائد العظيم، هؤلاء الصيادين غير متدينين، لا أراهم في إجتماعاتنا ولا يطيلون في الصلوات مثلنا ولا يظهرون تدينهم امام الناس، لا أتذكر أني رأيتهم هناك ولو مرة واحدة.

الأفضل ايها القائد أن تختار من يعرفون الله ويعبدونه ويراهم الناس.

عزيزي، معرفة الله قلبية، خفية، لذلك أنا لاأهتم بالمظاهر الخارجية والشكليات والعبادة المظهرين أمام الناس .

اختار القائد هؤلاء الصيادين وبدأ يأخذهم معه في عمله وأثناء العمل بدأت تظهر عيوبهم أمامه وأمام الآخرين.

أحدهم كانت تظهر عليه علامات الشك في الكثير من المواقف، فهو لا يؤمن إن لم ير بعينيه، والشك يعبر عن ضعف الإيمان.

الآخر عصبي متهور، رفع يوما سيفه على آخر بحجة أنه يدافع عن قائده، فنهره القائد وقال، رد سيفك إلى مكانه.

لأن كل الذين يأخذون السيف بالسيف يهلكون! أنا جئت بالحب لا أحارب ولا أنتقم جئتُ لاغياً لمبدأ العين بالعين

والسن بالسن ووضعت بدلا منه مبدأ محبة الأعداء، ولا أريد من أحد أن يدافع عني لا بالشجار ولا بالسلاح أو التكفير.

ومشكلة هذا الصياد، الذي اختاره القائد، أيضا لم تقف عن التهور بل امتدّت إلى الاندفاع بلا تفكير ، الأمر الذي جعل المعلم ينهره يوماً متهماً إياه انه يردد كلمات الشيطان وتسرع هذا الصياد ايضاً كان يجعله يعد ولا يفي فمن أكبر

وعوده التي انكلها هي وعده للمعلم انه لو تركه الجميع أنه لن يتركه ابداً، وللأسف حين قبض الأعداء على القائد وقدموه لمحاكمة ظالمة، أنكر هذا الصياد معرفته بالقائد. بعد انتهاء المحاكمة وانتصار القائد على أعدائه تصور

الجميع أن أول شيء سيفعله القائد أنه سيقيل كل رجاله الذين تخلوا عنه وتركوه وخاصة هذا التلميذ

الذي انكره ثلاثة مرات امام الجميع، لكن ما حدث كان أمراً غريبا، فقد التقى القائد بهذا التلميذ الذي لم يعاتبه سوى بنظرة بعينيه كانت أقسى من العتاب ولم ينفعل عليه ولم يعاقبه ولم يحاكمه وهو القاضي العادل

ولم يتهمه بالخيانة أو الازدراء لكنه سأله سؤالاً واحداً وحيداً: أتحبني؟! يا معلم، أهذا هو ما يشغلك، ان كانيحبك أم لا.

وهو من أخطأ في حقك و أنكرك، ولم يحتمل أن يقف بجانبك اثناء محاكمتك الظالمة. وهل تصدقه إن قال لك أنه يحبك.

نعم، أصدقه، فالحب يا بني، لا يمنع الضعف والشك، الحب إن كان صادقاً يظل ثابتاً لا يتغير ولا يسقط أبداً.

يا معلم، اسمح لي بسؤال أخير، حتى بعد أن عرفت أنه يحبك، وهذا جيد، هل ستتركه يقود الشعب وهو بهذا الضعف.

أظن أنك ستختار آخر، بلا ضعفات، ليساعدك في مهمتك ويكمل مسيرتك ويحقق ما تتمناه لرعيتك .

في الحقيقة سأختار نفس الشخص لأني أبحث عن ضعيف يحتمل الضعفاء، عن خاطي يقبل الخطاة وأنا سأتولى تصحيح كل مساراته وأخطاءه وسأصنع منه قائداً عظيماً.

عزيزي القارئ المبارك، أعرف أنك عرفت هوية هذا القائد من السطور الأولى، أردت فقط أنا آخذك لتلتقي معه في حديث خاص في مخدعك، لا تنشغل فيه بخطيتك وضعفاتك وتقصيرك معه، ولا حتى باحتياجاتك الأرضية

بل تنشغل بهذا التساؤل الذي يوجّهه لك يوميا منتظراً إجابتك، أنت صحيح بتحبني.

شاهد أيضاً

المغرب

الثـريدراما بين المونو والديو!!

نجيب طلال بالواضح: مبدئيا، كما يعرف من يتابع أو كان يتابع خطواتنا منذ سبعينيات ( …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.