الجمعة , مايو 31 2024
الكنيسة القبطية
المجدلية

تحليل أدبي لشخصية رسولة الرسل (4)

بقلم /عصام الجوهري

ما إن وصلت النسوة إلى القبر حتى انتزعت المفاجأة منهن صرخات غير متوقعة ؟ وجحظت عيونهن لتبصر أكثر لعل الدموع أعاقت الرؤية .

فكيف يمكن لعقولهن أن تعي ذلك ؟

وكيف يمكن لمداركهن أن تفهمه؟

فها هوذا الحجر الضخم الذي كان يسد باب القبر مدحرجاً بعيداً عن الباب ، إن مكانه يدل على أن زحزحته جاءت بقوة غير طبيعية ، فمن هذا الجبار الذي أزاله ؟

وماذا فعل في قبر الحبيب ؟

وتقدّمت النسوة والمشهد يكاد يقضي عليهن ، مالت المجدلية وهي واقفة على باب القبر لتنظر

وكان النور الغريب الموجود في غير موضعه كاشفاً كل خبايا هذا القبر الفريد العجيب ، فنظرت

وتبينت أن من جاءت لأجل تكفينه ليس بموجود ، حتى الجسد الذي جاءت تطلب فيه السلوان والعزاء هو أيضاً قد اختفى .

وكأن الحزن قد صار قدرها المحتوم ، وكأن السماء ما لها رغبة في أن تتعزى .

وراحت المجدلية تنوح وهي تخاطب من تحبه نفسها :

أين أنت يا من أعطيت الحياة للذين في القبور ؟

هل صرت مجرد جثة هامدة ينقلونها حيث شاؤوا ؟

ماذا فعلوا بك ؟

أين أخذوك ؟

أين وضعوك ؟

يا صوت الأجيال الصارخ ؟

أين صوتك ؟ ولم تحتمل المجدلية أكثر من هذا ، فولّت ظهرها ناحية القبر وانطلقت وأطلقت لساقيها العنان ، وراحت تبغي علية يتواجد فيها هؤلاء الذين اختارهم سابقاً وجعلهم تلاميذ وأحباء .

أليس عليهم الآن حق البحث عن جسد سيدهم ؟

أليس من حقه عليهم أن يعرفوا ماذا حدث له ؟

إندفعت المجدلية نحوهم فوجدت إثنين ، إن لم يهتز العالم كله لما سترويه لاهتز قلبيهما :

أَخَذُوا السَّيِّدَ مِنَ الْقَبْرِ، وَلَسْنَا نَعْلَمُ أَيْنَ وَضَعُوهُ!»تعال يا من كنت تود أن تموت معه فها هو قد مات وحده يا ابن يونا وحتى جسده قد سرقوه ، وأنت يا من كنت تتكىء على صدره لقد أخذوا جسد من كان يحبك

تعال إبحث معي لئلا يمزقوا صدر الحبيب .

قريبك يا بن زبدي وركض كلاهما في طريق القبر وسبق من كان السيد يحبه ، نظر إلى القبر فوجده فارغاً والمحبوب ليس فيه فلم يجرؤ على الدخول ، يدخل لمن ؟

وأين الصدر الذي يتكئ عليه ؟

هل تصلح صخرة القبر لهذا ؟

فَنَظَرَ الأَكْفَانَ مَوْضُوعَةً، وَلكِنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ.وأما ذاك فالسرعة طبعه والتسرع طبيعته ، دخل وبحث عمن أنكره لعله إن حافظ على جسده ينال غفراناً لا يطمع فيه .

ولكن كلاهما لم يجيبا تساؤلات المجدلية بل لقد زاداها تعقيداً ، لم يجيبا تلك الأسئلة المضطربة في رأسها بل ليسألا معها :

أين ذهب ؟

ومن أخذه ؟

ما دور صالبيه في كل هذا ؟

لقد آمنا أنه ليس هنا ولكن أين يمكن أن يكون ؟

وذهب كلاهما ولكن ليس كما جاءا فقد كان كلاًّ منهما يحمل آلاف الأسئلة وموضوعات فكر مدمر .

أهكذا هان كل شيء يا معلم حتى تصبح أنت شيئاً يسرق ؟

ذهل التلميذان وسار كلاهما مبهم الخطوات ينظر إلى اللا شيء ، لا يدري كيف جاء إلى القبر وما الذي حدث لجسد المحبوب ؟ وعادا إلى عليتهما .

أما تلك التي ملأت هذه القضية حياتها وملكت عليها تفكيرها فراحت تحاول في القبر ودموعها تتسارع وتصارع أفكارها ، راحت تحاول أن تجد شيئاً لم تجده من قبل ، راحت تتبع خطوات الجسد المسروق علّها تصل إلى مخبئه الأخير ، ولكن ما إن نظرت في القبر حتى رأت ما لم تصدق فظلت تمسح عينيها بيديها أكثر من مرة ، من هذان الرجلان ومن أين جاءا ؟

ولما هما في داخل القبر ؟

من يكونا ؟ ولماذا يجلسان هكذا ؟

من أنتما ؟

ولماذا أتيتما ؟أجئتما لتزيدان الحيرة في نفسي ؟

هل جئتما تشمتان فيّ بعد سرقة جسده ؟

لكن صوت أحدهما غيّر مسار التفكير في نفس المجدلية ، فكان صوته العذب الحنون وهو يخاطبها :

«يَا امْرَأَةُ، لِمَاذَا تَبْكِينَ؟»كان صوته كأنه صدى لصوت لم ينطق بعد ، ما أشبه صوتك بصوت كنت أعرفه ، ها هو يرفق بدموع امرأة وبضعف نفس حزينة جاءت تطلب جسداً في القبر .

لماذا تبكين ؟

أتخاف عليّ من الدموع ؟

إذاً سوف تساعدني كي تتوقف دموعي هذه ، سأخبرك إن كنت تشفق عليّ فتساعدني

«إِنَّهُمْ أَخَذُوا سَيِّدِي، وَلَسْتُ أَعْلَمُ أَيْنَ وَضَعُوهُ!» ولم تكد تنتهي من قولها حتى حدث ما لم تكن أبداً تتوقعه ؟

لتحدث مواجهة كبرى وأولى وأخيرة من نوعها ؟

فمإذا حدثث ؟ولماذا غير هذا الحدث تاريخ المجدلية بل تاريخ المسيحية كلها ؟

انتظرونا في الحلقة الخامسة

شاهد أيضاً

الكنيسة القبطية

مَسَاكِين: اِسْتِشْهاد مائَة واِثْنان وأَرْبَعُون صَبِيًّا وثُمَانِيّ وعِشْرُون سَيِّدَة مَنْ أَهْل أَسْيُوط!

القمص بيجول السرياني طبقًا لما ورد بالسنكسار القبطي لسير الشهداء والقديسين؛ حدث في مثل هذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.