الأربعاء , يونيو 19 2024
مختار محمود

مختار محمود يكتب : التعويض مقابل الموت غرقًا!

بحسبة بسيطة..فإن متوسط أجر أية ضحية من ضحايا معدية أبو غالب لا يتجاوز 3 آلاف جنيه شهريًا، حال عملت الشهر كاملاً دون إجازة أسبوعية، بإجمالي 240 ساعة عمل على الأقل، قابلة للزيادة.

الأجر اليومي لكل ضحية من الضحايا لم يكن يتجاوز 100 جنيه شاملة كل شيء! البرنامج اليومي لفتيات في عمر الزهور يتضمن استيقاظًا

في الصباح الباكر، ثم الانتقال من محافظة إلى أخرى في مغامرة محفوفة بالمخاطر، والعمل تحت لهيب شمس قاسية لا ترحم ساعات طويلة، ثم العودة في نهاية اليوم نظير جنيهات معدودة لا تسمن ولا تغني من جوع

ولكنها من وجهة نظر أصحابها مال حلال، تم كسبه بعرق الجبين.

ورغم ذلك كان الضحايا راضيات بهذا العمل اليومي ويتمنين استمراره دون انقطاع؛ فلكل منها حلم تبغي تحقيقه بهذه الجنيهات القليلة.

ليس أمام الفقراء سوى الرضا طوعًا أو كرهًا، ولا حل ثالث. كان الضحايا، وجميعهن فتيات صغيرات، يتمسكن بتلابيب الحياة، ولكن الأخيرة لفظتهن بقسوة وعنف. الفقراء لا يعيشون حياة فظة غليظة فقط، بل يتم إجبارهن على تركها رغمًا عنهن في نهايات مأساوية حمقاء غاشمة.

ربما كان حلم كل فتاة من ضحايا معدية أبو غالب أن تستمتع قليلاً بإجازتها المدرسية، فلا تبرح منزلها لمزاولة عمل يومي شاق؛ نظير جنيهات هي والعدم سواء.

الوجه الآخر لمأساة ضحايا معدية أبو غالب..هو استعراض بعض الجهات للتبرعات والتعويضات التي تدفعها لأسر الضحايا، وكأنها أعادتهن إلى الحياة مجددًا.

إحدى هذه الجهات دفعت 50 ألف جنيه لأسرة كل ضحية، ونصف هذا الرقم للمصابات.

بعض الجهات الحكومية مثل وزارة التضامن الاجتماعي أعلنت أيضًا دفع تعويضات للمنكوبين، فضلاً عن بيانات النعي والتعازي وإظهار الحزن.

وهنا تظهر بعض الأسئلة المنطقية التي تفرض نفسها في هدوء ومنطقية ومن بينها:

هل كان يجب على هذه الفتيات الفقيرات التي أجبرن على العمل في هذه السن الصغيرة بالمخالفة للقانون

والعدل الاجتماعي أن يغرقن أولاً ويلفظن أنفاسهن في أعماق المياه، حتى تشعر الجهات الرسمية

وغير الرسمية بهن، وتهرع للتعاطف معهن ومع أسرهن

وتدفع لكل منها آلافًا من الجنيهات؟ أين هذه الجهات المتشنجة دومًا مثل: المجلس القومي للمرأة

والمجلس القومي للأمومة والطفولة ومنظمات المجتمع المدني المعنية بالنساء من هكذا حوادث مفجعات

لماذا تضع في كل مرة رؤوسها في الرمال والتراب، في الوقت التي لا تتوقف فيه عن لطم الخدود

وشق الجيوب في وقائع فردية جدًا يمكن التعامل معها بهدوء وحكمة؟

لماذا تتجاهل الحكومة المغرمة بإنشاء المحاور والكباري، بل ودمجهما أحيانًا، على حساب المصانع

والمستشفيات، التعامل الجاد مع ملف المعديات في بر مصر؛ وقفًا لسلسال من الحوادث المفجعة التي تخلف

في كل مرة عشرات الضحايا، أم إنها تتعامل بمنطق: “إسراف هنا وتقتير هناك”؟

حادث معدية أبو غالب يعكس شيزوفرينيا الحكومة وازدواجية معاييرها وضعفها وهوانها وعجزها وفشلها

وعدم قدرتها على تحديد أولوياتها، حتى لو كانت هذه الأولويات تخص فقراء معدمين لا حول لهم ولا قوة

وحلم كل منهم أن يعود في نهاية يومه آمنًا إلى أهله وأسرته.

حوادث المعديات تحديدًا، وما أكثرها في السنوات العشر الأخيرة، لا يجب إخضاعها لمعادلة القضاء

والقدر التي يستسهل كثيرون اللجوء إليها، ولكن يجب ردها إلى الإهمال الجسيم والاستهتار في التعامل

مع كل ما يخص فقراء مصر الذين لم يجدوا حتى الآن من يحنو عليهم، ويشفق لحالهم!

شاهد أيضاً

الكنيسة القبطية

العِميان وبطريرك هذا الزمان

ماجد سوس ما قام به قداسة البابا تواضروس الثاني بطريرك هذا الزمان من تطوير وإصلاح …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.