كشفت اللحظة الاولي للسقوط المفاجئ والمهين لنظام بشار الأسد وتجليات هذا السقوط في الأيام القليلة اللاحقة عليه مدي براعة السيناريو المحكم الذي تم وضعه وتصميمة من قبل الأطراف المحركة والداعمة لهذا الحراك والذي تميز واتسم بالخفة والسرعة والدقة واللياقة وفقا لبعض الاوصاف الفنية والرياضية مما ترتب عليه من صدمة ومفاجأة لجل اومعظم المحللين السياسيين والخبراء وتحديدا العرب منهم والذي ذهب البعض منهم للبكاء والعويل علي ضياع وتقسيم سوريا وذهب البعض الاخر للنحيب والصراخ متنبئا ومتوقعا حكم قاعدي داعشي علي الأراضي السورية والمدهش تفرغ الكثير منهم للدخول في متاهة وجحيم التفاصيل المتعلقة
بحكم الشريعة الإسلامية وحجاب المرأة ودورها في سوريا الجديدة شاهرين فزاعة الرعب الطالباني والقاعدي والداعشي وذهب البعض الاخر الي الدعم المطلق والغير محدود لجبهة تحرير الشام ونظام الحكم الجديد
في سوريا علي انقاض سفاحين النظام السابق ودخل الجميع في متاهة العقل العربي المحكوم
بالثنائية التاريخية وبأحادية الرؤية المفرطة في التفاؤل او التشاؤم واصبحنا جميعا محكومين
بهذين الرؤيتين غير الناضجتين لقراءة المشهد الحقيق وما يجري لترتيب الأوضاع في سوريا
وأظن ان ما حدث هو جزء من هذا السيناريو المحكم ان يفقد العقل العربي توازنه ويظل يدور في الحلقات
المفرغة لفهم ما يجري علي أراضي سوريا الجديدة والحقيقة عوضا عن التأمل العميق
في مجري الاحداث التي تجري بشكل يومي في سوريا ظل ولا يزال هذا الجدل العقيم في تناول المسألة السورية
ففي الوقت الذي يتم فيه استنزاف الطاقات الذهنية في تحليل بعض الممارسات الفردية او الجماعية من القائمين علي الحكم في سوريا ومحاولات استكشاف مدي التطرف الديني والتشدد العقائدي في التعاطي مع قضايا المرأة والأقليات وحقوق الانسان يتم الاعداد لسيناريو يتجاوز محنة العقل العربي في التفكير والتقييم
فسوريا مقبلة علي مستقبل محسوب ومرسوم ومعد له من قبل قوي إقليمية ودولية بإحكام منقطع النظير
وقد اسلفنا في مقال سابق في الحوار المتمدن الخطوط العريضة لهذا السيناريو والتي يتأكد رسوخه
وصلابته يوما بعد يوم
لكن ما نود اضافته في هذا المقال هو الملامح الرئيسية للدولة السورية في المستقبل المتوسط والبعيد
وفقا لرؤية ومصالح للاعبين الرئيسيين الجدد في الملعب السوري الولايات المتحدة الامريكية وتركيا وإسرائيل وظني ان الملمح الرئيسي في المرحلة المقبلة هو استكمال قيادة احمد الشرع واعوانه للمرحلة الانتقالية
والتي ستحدد في مارس المقبل طبيعة النظام السياسي القادم لحكم سوريا علي ان تنتهي المرحلة الانتقالية
بأقصى قدر من الهدوء والانسجام مع كافة كافة القوي والتيارات السياسية وكذلك الأقليات العرقية
باستثناء فلول النظام القديم والتي يجب تصفيتها وفقا لاحد بنود هذا السيناريو المحسوب لمستقبل سوريا.
ما بعد المرحلة الانتقالية
سوف تجري الانتخابات العامة في سوريا ومقرر منذ الان ان القادمين وفقا لهذه الانتخابات ووفقا لصندوق نزية وانتخابات حرة اما تيارات إسلامية تمثل جماعة الاخوان المسلمين او تيارات إسلامية اكثر تشددا خارج الجماعة لكنها ستقوم علي الفور بتغيير خطها السياسي وبرامجها وشعارتها لتعكس حكما إسلاميا معتدلا ومتسامحا
ومستعدا لاستكمال حلقات السيناريو الأمريكي التركي الإسرائيلي وفي ذات الوقت لن تمانع الأطراف الفاعلة في المعادلة السورية من قدوم حكم إسلامي بأجندة محددة ومنسجمة مع سيناريو تلك الأطراف ومتوافق علي شروط الانتقال
بما يضمن تحقيق هذه الاجندة وبما يضمن هيمنة تلك القوي الفاعلة إقليميا ودوليا علي النحو التالي
1- بناء او استكمال او توسع القواعد الامريكية علي الأراضي السورية كما وكيفا وفي المناطق الحدودية لقطع الطريق علي أي تمدد إيراني او لبناني في سوريا من جديد ولاستكمال الهيمنة الامريكية الإسرائيلية علي محاور المقاومة القديمة وتوسيع النفوذ الأمريكي في مواجهة المد الروسي والصيني
2- التخلي نهائيا عن المطالبة بأراضي الجولان السورية المحتلة وعدم المطالبة بها وتوسع إسرائيل في بناء المستوطنات الإسرائيلية والبنية التحتية في الجولان
3- اتفاقيات سلام مع إسرائيل وربما تطبيع يضمن معه ان تغلق إسرائيل نهائيا بوابات الصراع التاريخية مع الجانب السوري والتي امتدت لعقود طويلة وبذلك تؤمن إسرائيل علي اتفاقيات كامب ديفيد مع الدولة المصرية من جهة واتفاقيات سلام مشابهة مع سوريا من الجانب الاخر ويمتد هذا التوجه لإنجاز اتفاقيات ابراهيمية
وتطبيع مع المملكة العربية السعودية وكافة الدول العربية بأنظمتها الحالية
4- حسم الصراع التركي الكردي نهائيا والتي مثلت سوريا القديمة حجر الأساس في هذا الصراع لدعمها المباشر وغير المباشر لحزب العمال الكردستاني تاريخيا وستتم تفاهمات واسعة حول المسألة الكردية وذلك بالرغم من الدعم الأمريكي الهائل لقوات سوريا الديمقراطية قسد إما باقتطاع جزء من الأراضي السورية لحكم ذاتي كردي
علي غرار كردستان العراق وإما بالانخراط الكامل للمجموعات والتيارات الكردية في حكم فيدرالي سوري يضمن لهم الحقوق السياسية والثقافية كما حدث مع الامازيغ في دولة المغرب وإما بتخلي الولايات المتحدة الامريكية عنهم كعادتها التاريخية في التخلي عن حلفائها ( باستثناء إسرائيل )
وتركهم لقمة سائغة في الفم التركي المتشبع للخلاص منهم باي ثمن سياسي
هل هذا السيناريو قابل للتطبيق 100%
هذه هي الترتيبات التي أعدتها اطراف إقليمية ودولية في المعادلة السورية الراهنة وقد تم الاعداد المحكم لكل ارقام هذه المعادلة السياسية باستثناء احد الأرقام الصعبة والتي لم تعيرها الأطراف الفاعلة في الازمة السورية أي تقدير او اهتماما وهو الشعب السوري بكل طوائفه العرقية والدينية والقوي السياسية والاجتماعية
وظني ان السؤال حول انعكاس هذه الترتيبات واثرها علي الشعب السوري لابد وان بدر الي أذهان المصممين
لهذه العملية السياسية لكنه واعتمادا علي الأفق المعرفي لسيكولوجيات الشعوب التي رضخت للاستبداد
والقمع والقهر لعقود طويلة والتي أيضا لم تعرف أي اشكال احتجاجية طوال تاريخها والمرة الوحيدة
التي عرفت طريقا للاحتجاج
دفعت ثمنا غاليا وفادحا هي في الحقيقة شعوب لديها القدرة علي التكيف مع الحد الأدنى من الحقوق والحريات
ولن تغامر بمصيرها مرة اخري بشكل غير محسوب والتشبيه مع الفارق فقدان المصريين القدرة
علي أي اشكال احتجاجية برغم مضاعفة الظروف الصعبة التي يعشيها الشعب المصري قياسا لعهد مبارك
وذلك ايمانا من تلك الشعوب المصري والسوري والليبي واليمني والتونسي بأن النتائج الفادحة
والاحباطات الناجمة عن الثورات والانتفاضات كارثية ولا يجب تكرارها اما وان حدثت المفاجأة
خارج اطار الصندوق والتحليل التقليدي
وقرر الشعب السوري تغيير ذلك السيناريو والعبث باللعبة الإقليمية والدولية التي تمت علي سوريا
فسيكون الرهان جد خاسرا وفادحا لكل من الولايات المتحدة الامريكية وتركيا وإسرائيل وسيكون الرهان أيضا علي امل وعي
جديد وقيادات طبيعية وجماهير تمتلك القدرة علي ان تكون لاعبا موازيا وشرسا في مواجهة كبريات القوي الإقليمية والدولية انتهي
حجاج نايل مدير مؤسسة نشطاء لحقوق الانسان – كندا
مدير البرنامج العربي لنشطاء حقوق الانسان – مصر
ديسمبر 29 / 2024
جريدة الأهرام الجديد الكندية
