واصف ماجد
مثّلت ثورة 30 يونيو لحظة كاشفة في العلاقة بين الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والدولة، وكشفت عن تحولات عميقة في موقع الأقباط داخل المجال العام، وذلك تحت قيادة البابا تواضروس الثاني الذي لم يكن قد أمضى عامه الأول على الكرسي البابوي وقتها، لكنه واجه مبكرًا اختبارًا سياسيًا ودينيًا بالغ التعقيد
ووضع بصمته على موقف المؤسسة الكنسية من أخطر التحولات التي شهدتها البلاد بعد 2011.
خروج الملايين من المصريين في 30 يونيو 2013 احتجاجًا على أداء جماعة الإخوان في الحكم
وما تبعه من تدخل الجيش بقيادة الفريق عبد الفتاح السيسي آنذاك، ثم إعلان خارطة الطريق بمشاركة
رموز وطنية ودينية
كانت كلها عناصر رسمت مسارًا جديدًا للدولة، وتطلبت في الوقت نفسه إعادة تموضع لكثير من المؤسسات
وفي مقدمتها الكنيسة القبطية.
البابا في مشهد 3 يوليو
ظهور البابا تواضروس في بيان 3 يوليو، إلى جوار شيخ الأزهر وممثلين عن المعارضة المدنية
وممثل حزب النور، لم يكن تفصيلًا عابرًا. كان ذلك تعبيرًا مباشرًا عن اصطفاف الكنيسة إلى جانب الدولة الوطنية
في مواجهة سيناريو الانقسام والاستقطاب.
وقد قوبل هذا الحضور الكنسي الرسمي بترحيب داخل الأوساط القبطية، واعتُبر خطوة ضرورية
لحماية الوجود المسيحي، الذي تعرض لضغوط متزايدة في العام الذي سبق الثورة.
ورغم ما أثاره ذلك الظهور من جدل في بعض الأوساط، فإن البابا تواضروس حافظ في تصريحاته اللاحقة
على تأكيد أن الكنيسة ليست طرفًا سياسيًا، لكنها معنية بمصير الوطن، وتدعم تطلعات الشعب المصري
نحو الاستقرار والعدالة.
بيان الكنيسة الأخير: استمرار لنهج واضح
البيان الذي أصدره المركز الإعلامي للكنيسة القبطية الأرثوذكسية بمناسبة الذكرى الثانية عشرة لثورة يونيو، لم يخرج عن هذا السياق.
إذ حرص على تأكيد الدعم الكامل للدولة وللقيادة السياسية، وربط ما جرى في 2013 بالحفاظ على الهوية
الوطنية، وإرساء قواعد الجمهورية الجديدة، مع تكرار التأكيد على العمل والعدل والاستقرار.
ورغم أن البيان لا يحمل جديدًا من حيث الشكل أو اللغة، إلا أن توقيته ومضامينه تعكسان
بوضوح استمرار الكنيسة في أداء دور داعم للدولة، ليس من موقع التوظيف السياسي
بل من زاوية التماهي مع خيار الأغلبية المجتمعية، والرغبة في تجنيب المجتمع أي صراعات أو انقسامات.
الأقباط وثورة يونيو: دوافع المشاركة
على مستوى القاعدة، شارك آلاف الأقباط في مظاهرات 30 يونيو، مدفوعين بالقلق من تصاعد خطاب الكراهية
والاعتداءات الطائفية في عهد الإخوان، وشعورهم بتهميش غير مسبوق على المستويين الرسمي والمجتمعي.
ووجد كثيرون في تلك الثورة فرصة لإعادة التأكيد على مفهوم المواطنة، ورفض محاولات فرض هوية دينية
واحدة على الدولة.
ولم تكن مشاركة الأقباط استجابة لموقف الكنيسة بقدر ما كانت تعبيرًا عن مزاج شعبي عام
امتزج فيه الخوف من المجهول، والرغبة في الحفاظ على ما تبقى من مؤسسات الدولة.
تحول الدور الكنسي بعد 2013
منذ 30 يونيو، أصبح للكنيسة القبطية موقع واضح في المشهد العام.
فإلى جانب أدوارها التقليدية الرعوية والتعليمية، بدأت تُعنى بتثبيت الاستقرار
وتُشارك في ملفات مجتمعية، وتُصدر بيانات في الأحداث السياسية والوطنية.
وبرز دور البابا تواضروس في هذا السياق كصوت معتدل، يسعى إلى تهدئة التوترات
وتأكيد مبادئ العيش المشترك، دون أن يتخلى عن حق الكنيسة في التعبير عن مخاوفها أو مطالبها
خصوصًا في قضايا الأحوال الشخصية، وبناء الكنائس، والمواطنة الكاملة.
لكن هذا الحضور المتزايد للكنيسة في الشأن العام لم يخلُ من التحديات.
فقد انتقد بعض المثقفين الأقباط ما وصفوه بـ«تسييس الكنيسة»، وحذّروا من الاعتماد المفرط
على المؤسسة الدينية في تمثيل الأقباط أمام الدولة.
بينما رأى آخرون أن الظروف السياسية فرضت واقعًا جديدًا، أملت على الكنيسة أن تقوم بدور دفاعي
لحماية أبنائها، في ظل غياب كيانات مدنية قبطية مؤثرة.
بين الحضور والحدود
الواقع أن البابا تواضروس تبنّى رؤية وسطية تقوم على المشاركة لا التدخل، والانخراط لا التصادم.
فظل حريصًا على حضور الكنيسة في الملفات الوطنية، دون أن تنزلق إلى الاصطفاف الحزبي
أو الخصومة السياسية، وهو ما ساعد في ترسيخ صورة متزنة للكنيسة في الوعي العام.
ومع كل بيان تصدره الكنيسة في المناسبات القومية، يعاد طرح السؤال:
أين تنتهي حدود الدور الوطني للكنيسة ؟
وأين تبدأ ضرورات الحفاظ على طابعها الديني والروحي؟
وهي أسئلة لا تزال مطروحة، وستظل موضوعًا لنقاش واسع، لا سيما في ظل التحولات الاجتماعية والسياسية المستمرة.
ختام: ما بعد يونيو
بعد مرور 12 عامًا على ثورة يونيو، لا تزال الكنيسة القبطية فاعلًا مؤثرًا في المشهد المصري
ليس بحكم امتلاكها أدوات السلطة، بل بحكم ثقلها التاريخي والاجتماعي، وكونها الممثل الأكبر لأقباط مصر.
وقد استطاعت تحت قيادة البابا تواضروس أن تُعيد تعريف علاقتها بالدولة، وأن تقدم نموذجًا جديدًا
للكنيسة المنفتحة على الوطن، دون أن تفقد هويتها الخاصة.
ومع ذلك، فإن المرحلة المقبلة تستدعي إعادة تقييم مستدامة للدور العام للمؤسسات الدينية
بما يضمن احترام التعدد، ويدعم مدنية الدولة، ويُرسّخ المواطنة كمرجعية أولى في العلاقة بين الفرد والدولة
بعيدًا عن التمثيل الطائفي أو المرجعيات العقيدية.

جريدة الأهرام الجديد الكندية
