واصف ماجد
تعيش محافظة السويداء حالة مركّبة من الانهيار الإنساني والفوضى الأمنية، تجلّت بشكل صارخ في حادثة
وفاة الشيخ الثمانيني مرهج شاهين، وما تبعها من ردود فعل شعبية غاضبة، ومن تحذيرات كنسية
بشأن الوضع المعيشي المتدهور لأكثر من 300 ألف عائلة محاصَرة بالخوف والحرمان.
الشيخ، الذي ينتمي إلى بيئة تحترم الرموز الأهلية، لم يرحل بهدوء، بل بعد تعرضه لمشهد مهين
وثّقته عدسة هاتف، أُجبر فيه على حلق شاربه أمام منزله، ما اعتبره الأهالي إهانة جماعية
تتجاوز الشخص إلى الكرامة المجتمعية بأكملها.
المطرانية تُطلق نداء استغاثة: “كارثة إنسانية تحدث عندنا الآن”
تزامنًا مع هذه الحادثة، أصدرت مطرانية بصرى حوران وجبل العرب والجولان للروم الأرثوذكس
بيانًا عبّرت فيه عن قلقها الشديد إزاء الأوضاع التي تمرّ بها السويداء، مؤكدة أن أكثر من 300 ألف عائلة
باتت تعاني من انعدام الماء والكهرباء والدواء والغذاء.
ودعت المطرانية إلى فتح المعابر الإنسانية والمساهمة في إنهاء الحصار، مضيفة في بيانها:
“نحن باقون في هذا الجبل إلى المنتهى، طالبين من المولى الفرج السريع”.
حادثة شاهين: مشهد موثّق يعمّق الجرح
الفيديو الذي جرى تداوله بشكل واسع أظهر الشيخ مرهج شاهين في لحظة انكسار، لا يقاوم
ولا يتحدث، يُجبر على تصرف يُعدّ في مجتمعه إهانة صريحة للكرامة. لم تتأخر الوفاة، وسُجّلت رسميًا
على أنها نتيجة لحالة نفسية حادة، لكن السياق الذي سبقها يجعل من الصعب فصلها عن مشهد الاعتداء.
الواقعة ألقت الضوء على عمق التصدّع الذي يعيشه الجنوب السوري، حيث باتت الرموز المجتمعية
عرضة للتهديد، في ظل ضعف الحماية، وانعدام المساءلة، وتوسّع الفاعلين غير الرسميين
على حساب مؤسسات الدولة.

سوريا 
سوريا
خريطة الفوضى: توسّع نفوذ وتآكل سيادة
لا تُعرف الجهة التي نفّذت الاعتداء، لكن طريقة التنفيذ والتوثيق والرسائل الرمزية المصاحبة له
تعكس وجود منظومات قادرة على تجاوز الأعراف المحلية، وتستخدم الإذلال الممنهج
كأداة لبث الخوف وتعزيز السيطرة.
السويداء، التي عُرفت تاريخيًا بتماسكها الأهلي، تبدو اليوم مكشوفة أمام أنماط جديدة من العنف الرمزي
تتجاوز العنف التقليدي إلى تفكيك النسيج الاجتماعي، وسط تحذيرات من أن تكون الحادثة
مؤشرًا على مرحلة جديدة من “الحكم بالترهيب”، تحت عناوين عقائدية أو أمنية أو مالية.
صمت الدولة: غياب الرد يزيد الشكوك
حتى الآن، لم يصدر أي بيان رسمي حول الواقعة، ولم تُعلن نتائج أي تحقيق. هذا الغياب، الذي بات
معتادًا، أسهم في مضاعفة الغضب، وطرح تساؤلات حول حدود السيطرة، ودور الدولة في حماية
رموز المجتمع من الانتهاك.
وفي ظل غياب الردود الرسمية، تتكثف المخاوف من تكرار المشهد، سواء بحق أفراد آخرين
أو مناطق بأكملها، ما لم يتم وضع حد واضح لهذه التجاوزات ومحاسبة مرتكبيها أيًّا كانوا.
الجبل تحت الضغط: أزمة شاملة تتطلب استجابة مختلفة
مع تزامن الأزمة الإنسانية مع تدهور أمني متصاعد، يبدو الجنوب السوري أمام مفترق خطير.
السكان يواجهون العطش والظلام والجوع، بينما تُستباح كرامة شيوخهم في وضح النهار، دون رادع أو حساب.
الأصوات التي ارتفعت، سواء من الكنيسة أو من داخل المجتمع المحلي، تطالب بتحرك فوري
لا يقتصر على الدعم الإغاثي، بل يتطلب تفكيك البنى التي ترعى الفوضى، وفرض سلطة القانون
ووقف حالة الانكفاء الرسمي أمام الانتهاكات المتكررة.
خاتمة التحقيق:
وفاة الشيخ مرهج شاهين ليست مجرد حادث فردي، بل عنوان لتحوّل مقلق في طبيعة السيطرة على الجنوب السوري.
السويداء ليست فراغًا جغرافيًا ولا اجتماعيًا، ومن يتعامل معها كميدان بلا ذاكرة، يقرأ التاريخ بعين واحدة.
الأزمة اليوم أكبر من شخص أو حادث، إنها أزمة كرامة وهوية وسيادة، والمطلوب استجابة بمستوى الخطر.
جريدة الأهرام الجديد الكندية
