واصف ماجد
بينما صدرت البيانات الرسمية في دمشق لتؤكد على “الدور الوطني للكنيسة في ترسيخ المواطنة وصون السلم الأهلي”، فإن خلفية المشهد تبدو أكثر تعقيدًا بكثير من الصياغة البروتوكولية.
فالبطريرك يوحنا العاشر يازجي لم يذهب إلى قصر الشعب لمجرد لقاء مجاملة، بل حمل معه هاجس التهدئة وسط واقع يزداد توترًا، في ظل حملات تحريض استهدفت الكنيسة والمسيحيين عبر منصات التواصل الاجتماعي
وتكذيب علني لمفهوم الوحدة الوطنية من قِبَل تيارات متشددة.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه يتجاوز الصور التذكارية وكلمات التآخي، ليصل إلى ما تركته
الميليشيات المسلحة المرتبطة بأحمد الشرع، المعروف باسمه الحركي “أبو محمد الجولاني”
من سجل ثقيل يصعب تجاوزه بمجرد إعادة إنتاج خطاب الوحدة.
فالشرع، الذي ارتبط اسمه أولًا بجبهة النصرة ثم بهيئة تحرير الشام، يقف على رأس منظومة ارتبطت
في الذاكرة الجماعية بانتهاكات جسيمة، كثير منها موثق دوليًا.
ولعل أبرز الأمثلة التي تكشف حجم الهوة بين الخطاب والممارسة ما وقع في ريف اللاذقية
في أغسطس 2013. في ذلك التاريخ شنّت جماعات معارضة مسلحة، من بينها جبهة النصرة
وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق
والشام وفصائل أخرى، هجومًا منسقًا على عشر قرى علوية.
وقد وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش أن هذا الهجوم أسفر عن مقتل نحو 190 مدنيًا، بينهم 67 شخصًا
تعرضوا لإعدامات ميدانية أو قُتلوا بصورة غير مشروعة، إلى جانب خطف أكثر من 200 رهينة معظمهم من النساء والأطفال.
وفي روايات الناجين التي أدرجتها تقارير حقوقية ودولية، تكررت شهادات عن عائلات أُبيدت بالكامل
وقرى هُجّرت قسرًا، في واحدة من أبشع الجرائم الطائفية التي شهدتها الحرب السورية.
لم يكن هذا الهجوم حادثًا منفردًا، بل جزءًا من نمط متكرر من الاعتداءات على الأقليات الدينية
حيث طالت الانتهاكات بلدات مسيحية مثل معلولا في العام نفسه، حين تعرّضت البلدة لهجوم مسلح
انتهى بخطف الراهبات
من دير مار تقلا، قبل الإفراج عنهن في صفقة تبادل.
كما سجّلت تقارير لاحقة انتهاكات في إدلب شملت اعتقالات تعسفية وتعذيبًا على يد هيئة تحرير الشام
بحق ناشطين ومدنيين، وهو ما يكشف أن المسألة لم تكن مجرد تجاوزات فردية، بل ممارسة ممنهجة
تعكس طبيعة العلاقة بين الميليشيا والمجتمع.
أمام هذا السجل، يصبح الحديث عن “الوحدة الوطنية” بلا إجراءات عملية أقرب إلى محاولة إعادة إنتاج
المشهد على طريقة المثل الشعبي: “ضربني وبكى.. سبقني واشتكى”.
فالسلطة التي تستقبل البطريرك بابتسامات رسمية مطالبة أولًا بفتح ملفات القتل والخطف
والاعتقال التعسفي، ومحاسبة المسؤولين عنها بشكل علني وشفاف، وتقديم ضمانات واضحة
لحماية دور العبادة وصون حقوق الأقليات، قبل أن تطلب من الضحايا الوثوق بخطابها الجديد.
إن الامتحان الحقيقي للشرع وجماعته ليس في حسن إدارة اللقاءات أو سرعة إصدار البيانات، بل في مدى
قدرتهم على القطع مع الماضي عبر الاعتراف بالانتهاكات ووقف منطق المظلومية المصطنعة.
فالتاريخ القريب ما زال حاضرًا، والضحايا لم يغادروا الذاكرة، والعدالة لا تتحقق بالصور الرسمية، بل بإجراءات ملموسة تضع حدًا لدوامة الدم. وحتى يحدث ذلك، سيظل المثل الشعبي عنوانًا جامعًا للمشهد السوري:
ضربني وبكى.. سبقني واشتكى.
جريدة الأهرام الجديد الكندية
