الأحد , مارس 15 2026

الاختفاء القسري في مصر: الجريمة المستمرة

مريم المصرية تكتب:

يمثل الاختفاء القسري أحد أخطر الانتهاكات التي تهدد حقوق الإنسان في العالم، فهو لا يقتصر على حرمان الفرد من حريته فقط، بل يمتد إلى طمس وجوده قانونيًا وإنسانيًا، ويترك أسرته في دوامة من الألم والبحث واليأس. وفي مصر، برزت هذه الظاهرة بقوة خلال العقد الأخير، حتى صارت قضية مركزية في تقارير المنظمات الحقوقية الدولية، وفي بيانات الأمم المتحدة ذات الصلة.

في اليوم الدولي لمساندة ضحايا الاختفاء القسري (30 أغسطس)، تتجدد المطالبات بإنهاء هذه الممارسة وتجريمها بوضوح في التشريعات المصرية، وفتح ملفات المفقودين والمغيبين قسريًا، باعتبارها جريمة مستمرة تمس الضمير الإنساني قبل أن تكون قضية سياسية أو قانونية.

أولًا: تعريف الظاهرة وسياقها القانوني

الاختفاء القسري، بحسب الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري (2006)، هو “القبض على الأشخاص أو احتجازهم أو اختطافهم ضد إرادتهم، على أيدي موظفين من الدولة أو أشخاص أو مجموعات تعمل بإذنها أو دعمها أو بموافقتها، يعقب ذلك رفض الاعتراف بحرمان الشخص من حريته أو إخفاء مصيره أو مكان وجوده”.

ورغم أن الدستور المصري (2014) يحظر صراحة الاحتجاز في أماكن غير مخصصة لذلك، فإن غياب نص تشريعي صريح يجرّم الاختفاء القسري كجريمة مستقلة، يخلق ثغرات قانونية تتيح استمرارها بلا مساءلة فعلية. ويكتفي النظام القضائي أحيانًا باعتبارها حالات “احتجاز غير قانوني” أو “تجاوزات فردية”، وهو توصيف يقلل من خطورة الفعل ويمنع محاسبة المسؤولين.

ثانيًا: حجم الظاهرة بالأرقام والتقارير

منذ عام 2013، توثّق منظمات مثل المفوضية المصرية للحقوق والحريات والعفو الدولية وهيومن رايتس ووتش مئات حالات الاختفاء القسري.

  • تقارير حقوقية تشير إلى أن ما بين 3,000 – 4,000 حالة اختفاء تم تسجيلها منذ 2013 حتى 2023.
  • بعض الحالات تستمر لأيام أو أسابيع قبل أن يظهر الضحية في محكمة أو سجن، بينما يظل آخرون مجهولي المصير لسنوات طويلة.
  • من أبرز هذه الحالات: مصطفى النجار (برلماني سابق، مختفٍ منذ 2018)، وأشرف شحاته (اختفى عام 2014 ولم يُعرف مصيره حتى اليوم).

أما على الصعيد الدولي، فقد رصد الفريق العامل المعني بحالات الاختفاء القسري في الأمم المتحدة بلاغات عديدة ضد مصر، وأكد استمرار ورود تقارير جديدة حتى عام 2024، ما يعني أن الظاهرة ما زالت حاضرة وليست مجرد ماضٍ.


ثالثًا: الآثار الاجتماعية والإنسانية

الاختفاء القسري لا يضرب الفرد وحده، بل يمتد أثره المدمر إلى العائلة والمجتمع.

  • الأسر تعيش حالة انتظار دائم، بين الأمل واليأس، مما يولّد صدمات نفسية عميقة خاصة لدى الأطفال.
  • المجتمع يُصاب بحالة من الخوف الجماعي، حيث يصبح كل فرد معرضًا للمصير نفسه، ما يخلق ثقافة صمت وتطبيع مع الانتهاكات.
  • المصداقية الدولية للدولة تتأثر بشكل سلبي، فالتقارير الحقوقية تضع مصر في مراتب متأخرة على صعيد احترام حقوق الإنسان، ما يضر بمكانتها الإقليمية والدولية.

رابعًا: الموقف الرسمي وردود الفعل

تنكر السلطات المصرية بشكل متكرر وجود ممارسة ممنهجة للاختفاء القسري، وتصفها بأنها “ادعاءات حقوقية غير دقيقة”، وتشير إلى أن أغلب الحالات “فارّة من العدالة أو انقطعت أخبارها بإرادتها”.

لكن هذا الخطاب يتناقض مع توثيق المنظمات المحلية والدولية، ومع شهادات عائلات المختفين، إضافة إلى بلاغات محامين أثبتت لاحقًا ظهور المختفين في محاضر الشرطة أو أمام النيابة بعد فترات طويلة من الانقطاع. هذا التضارب يعكس غياب الشفافية، ويزيد من فقدان الثقة في مؤسسات العدالة.


خامسًا: المجتمع المدني والمقاومة السلمية

رغم التضييق على العمل الحقوقي، يواصل المجتمع المدني جهوده لتسليط الضوء على القضية:

هذه المبادرات، وإن كانت محدودة أمام التضييق، فإنها تبقى صوتًا حيًا يواجه الصمت المفروض.

سادسًا: آفاق الحل والتوصيات

لإنهاء هذه الجريمة المستمرة، ثمة خطوات أساسية يجب اتخاذها:

التجريم التشريعي:

سنّ قانون واضح يجرّم الاختفاء القسري ويحدد آليات التحقيق والمحاسبة.

الشفافية:

الإفراج عن قوائم رسمية بأماكن الاحتجاز وأعداد السجناء.

الانضمام للاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري (2006).

إصلاح القضاء لضمان استقلال التحقيقات وعدم خضوعها للسلطات الأمنية.

حماية المجتمع المدني ليتمكّن من توثيق الحالات والدفاع عن الضحايا.

آليات جبر الضرر للأسر، من خلال التعويض والدعم النفسي والاجتماعي.

الاختفاء القسري في مصر ليس قضية عابرة، بل هو اختبار لإنسانية المجتمع وقدرة الدولة على احترام حقوق مواطنيها. استمرار هذه الممارسة يعني غياب الأمان القانوني، وضياع الثقة بين المواطن ومؤسساته.

وفي اليوم الدولي لمساندة ضحايا الاختفاء القسري، تتجدد الحاجة إلى موقف جاد من الدولة والمجتمع معًا: موقف يعترف بالمشكلة، ويضع لها حلولًا قانونية وإنسانية عاجلة. فالصمت يعني تواطؤًا، والتجاهل يعني استمرار الجريمة. أما التضامن والمطالبة العادلة، فهما السبيل الوحيد لإنهاء هذه المأساة وحماية كرامة الإنسان في مصر.

شاهد أيضاً

الذكري 107 لاحتفالات عيد المنيا القومي

تهنئة قلبية خالصة  ب عيد المنيا القومي الذكري 107 إلى السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي  …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.