ابراهيم المسكين
“ليس هناك قطر به من العجائب ما يوجد بمصر” ملحوظة هامة لست انا بقائل هذه العبارة ولكن أبو التاريخ هيردوت هو من فعلها وأطلقها ومن المؤكد إن الرجل قد رأى ما لم نره نحن ليقول عن مصر ذلك لا بد انه صاحب وجهة نظر تحترم لكي يدلى بهذا الاعتراف الخطير والمثير فلا شك إن هيردوت يعد بحق من أكثر المؤرخين
الذين فهموا من هو المصري وتحدثوا عن تاريخه وعنه جيدا حقا هو أعظم مؤرخ استطاع إن يكشف للمصري
ولغيره من هو المصري ماذا يكون وكيف كان وما سوف يكون وليس اصدق دليلًا على ما أقوله حكمته
الشهيرة التي قال فيها : “مصر هبة النيل” نعم فلا مصر بدون النيل هو سرها ونجواها إلى الأبد
ومهما قلنا نحن غير ذلك وترفعنا فلن نقول إلا ذلك في نهاية الأمر ولنا في سدود دول حوض النيل
وأثيوبيا لعبرة المهم حتى لا أطيل عليكم في إشكالية الحديث عن مصر والنيل فلقد سقطت الضحية مصر
في يد اكتافيانوس في اليوم الأول من أغسطس عام 30 قبل الميلاد ومنذ ذلك التاريخ دخلت مصر
حدود الإمبراطورية الرومانية دخلتها عنوة بالقوة عندما أدرك أغسطس الروماني أهمية مصر
كمستودع للقمح لا ينضب لإطعام الشعب الايطالي هذا الشعب المقاتل المؤمن بنظرية التوسع الخارجي
وضم الممالك إليه بالقوة ومن ثم فانه لأمر بديهي إن تنظر روما إلى من يسد جوعها إلى دولة أشبه
بالبقرة الحلوب تمتص منها لبنها لتعيش هي وبنيها عليه حيث انه لا بديل لها عن ذلك خاصة انه في عصر
ما من العصور الرومانية كان هناك شبه مجاعة بسبب بوار الأرض الزراعية هناك نظرا
لانشغال المزارعين بالحروب ففلاح روما لم يكن فلاحا مزارعا فقط بل كان أيضا محاربا ساعة الزحف
يترك فأسه ليحمل بديلا عنه سيفه من هنا من هذا المشهد امتدت يد روما وفلاحيها إلى قمح مصر لتسرقه
وان كان الأمر لم يتوقف عند القمح عند الغذاء والطعام بل انه كذلك قد امتدت الأيادي الرومانية
إلى سرقة شيء آخر مختلف عن القمح ستضحك عزيزي لو عرفت ما هذا الشيء المسروق الآخر
نعم صدقني ستضحك بل انك ستنفجر ضحكا: إنها المسلات الجرانيتية!!
نعم المسلات طوبى لكي يا مصر.. لقد خلع الرومان مسلاتك فكوا قواعد أساسك خلعوا بلاطك
لم يتركوا فيك من شيء إلا واقتلعوه من جذوره وكأنك يا حبيبتي مباحة للجميع وكأن كل ما فيك ليس لك
ولأولادك انه حقا لأمر غريب إن تسرق دولة هكذا كما سرقت مصر يقول بريانم.
فاجان فى كتابه ” نهب آثار وادي النيل ودور لصوص الآثار :
“أما ما استهوى الرومان حقًا فهو المسلات الجرانيتية برشاقتها ونقوشها الهيروغليفية
فالمسلتان اللتان أطلق عليهما اسم سترابو ما هما إلا مسلتان
من مسلات عدة استولى عليها الرومان فقد كان قسطنطين الأكبر 306 -337م مثلا اكبر مغتصب للمسلات
في عصره ومن المعروف انه استولى على مسلة للملك تحتمس الثالث كانت في طيبة فنقلها إلى الإسكندرية”
كما كان السياح هم الآخرون يمارسون عادة السلب والنهب في الآثار المصرية من جنسيات عدة فيروى
أيضا فاجان بخصوص أمر السياح فيقول : “عندما غزا الرومان مصر جعلوها ولاية ممتازة تابعة للأباطرة
مباشرة يحكمها باسمه وألا يرأسها سوى الإمبراطور” ويواصل: “ومع توافر الأمن والثراء
وجدت طبقة من الناس لديهم
من المال والفراغ ما يسمح لها بالسياحة في ربوع الإمبراطورية بيسر وسهولة واخذ السياح
يتدفقون على مصر بالآلاف ينشدون العلم والثقافة والتسلية وهذا في حد ذاته كان سببا
في العبث بآثار مصر وإتلافها”
فالرومان إذا يا سادة قد سرقوا مصر على مراحل واحدة بدأوها بالقمح لإطعام الفم ثم توجهوا
إلى سرقة مسلاتها الجرانيتية وأخيرا سرقها السياح الذين وفدوا إليها من جميع ربوع الإمبراطورية
يا سلام قمح فمسلات فآثار اللهم ارحمنا واجعلها أخر الأحزان.
جريدة الأهرام الجديد الكندية
